
كفى، فليس هنالك أسوأ مما يقترفه الساسة في السودان اليوم من جرم مطرد. كل مثقف سوداني بات سياسيا وناشطاً سيبرانياً، وكل واحد منهم يبغض مخالفه في الرأي، لأنه عدو لا يستحق الإحترام ولا الحياة. الجميع يفهمون السياسة على هذا النحو المريب، وأنها تعني اسقاط الحكومة القائمة مهما تكن: عسكرية، منتخبة، انتقالية، تسقط فحسب، هذا هو معنى “سياسة” في بلادنا، وما نقوله ليس حديثاً يفترى، وإنما هو واقعٌ معيش، منذ وقت طويل مضى. وأما إذا شئت أن تزيد ضغثاً على إبالة، فقل إن السياسة في السودان تعنى تصفية المنافسين ومحو أثرهم، لأنهم يعيقون الطريق إلى انفاذ (مشروعنا المشروع) لصالح مشروعهم الذي يجسد القبح بحذافيره.
والآن، هل تظنون أننا نيمم شطر الاستقرار والسلام والتنمية، إثر مبادرة الرباعية المنتظرة؟ كلا طبعاً، إن ما نقبل عليه ليس سوى المزيد من الفوضى، لأن قطبي الرحى الحقيقيين: طيف الإسلاميين وطيف العلمانيين، مايزالان على المحك التصفوي، فإما أنا أو أنت، وأي تسوية لا تسوي الأرض (لقدلة) أحدهما إنما هي هروب إلى الأمام، وتأجيل للمعركة المستمرة منذ ما قبل الإستقلال وبلا نهاية، ولذلك فخير الشر عاجله، ولا يهم من يدفع الثمن وبأي مقدار.ألا لا يجهلن أحد علينا ونجهل فوق جهل الجاهلين.
قلنا إن هذين هما طرفا النزاع الحقيقيان المسكوت عنهما، لأنهما وراء الكواليس، بينما يتحمل الوزر فارسا الرهان الصديقان اللدودان: البرهان وحميدتي. لذلك فيجب تسمية الأشياء بأسمائها – من باب الأمانة على الأقل- لأن ذلكم هو التشخيص الدقيق إن كنا لا نملك للعلاج سبيلا.
من يظن أن وصفة الرباعية ستطيب خواطر الجميع، وتسكت الأصوات المحتجة، فهو حسن النية، وأقول منذ الآن، إن ترامب نفسه سيندهش وسيرعد ويزبد، وربما يتدخل بعنف، دون جدوى في نهاية المطاف، لأن مشاكله الداخلية والخارجية ستقعده عن مواصلة الحرث في بحر السودان الأجاج. وكيف يحدث اختراق وحسم للصراع إذا كانت أية وصفة ستنتصر لأحد الغريمين، أو تسفههما معاً، لصالح صيغة ثالثة تستبعدهما، فهل تراهما سيصمتان حينئذ؟ كلا طبعاً!، وما الذي سيسكتهما وقد خبرا واجتازا عقوداً من الغضب والعنف والمماحكة؟.هل في القاموس السياسي السوداني شيء اسمه التنازل من أجل الوطن أو الانتصار للمواطن؟. تلك رومانسية لا غير.
والحل؟
الحل، بعد يبرم عقد سلام تضع الحرب بموجبها أوزراها، يصار إلى إجراء انتخابات “رئاسية” ينطلق الإعداد الحثيث لها وللقوانين التي تنظمها فوراً، على أن تنجز خلال عام واحد من الترتيبات الأمنية والتشريعية التي تعقب اتفاق السلام، وأقترح أن تجرى دون أن يخوضها الفريق أول البرهان أو الدكتور حمدوك أو أحد قادة الدعم السريع، بينما تفتح الأبواب أمام جميع القوى السياسية الأخرى والشخصيات المستقلة.
أما لماذا اقترحنا أن تكون رئاسية وليست برلمانية؟، فذلك لكي نكسب الوقت ونتجاوز معضلة إجراء إحصاء سكاني يواجه تعقيدات بغية تحديد الدوائر الانتخابية وإعداد سجل الناخبين، حيث يمكن أن يعتمد في الحالة الاستثنائية الماثلة على الرقم الوطني فحسب بعد ضبطه، مما يوفر كثيراً من الوقت والجهد، ثانياً فإن سلطات رئيس الجمهورية تكون عادة واسعة، وتسمح له بأن يكون القائد الأعلى للجيش، ومن حقه أن يقيل كبار القادة، وليس أمام العسكر في هذه الحالة سوى الإئتمار بأمره، وعدم التدخل في أسلوب حكمه ما دام دستورياً، وحينئذ يصبح شعار (العسكر للثكنات) منطقياً وعن حق. كما في وسع رئيس الجمهورية تعيين الحكومة التي يريد دون يعارضه أحد.
والأهم مما سبق، ستصبح المطالبة بإسقاط الرئيس في تظاهرات سياسية، شغباً محضاً وعملاً إجرامياً لا علاقة له بالديمقراطية، ويجوز قمعه بالقوة، على اعتبار أن الشعب هو صاحب السلطة وهو من يفوضها، ولا أحد يعارض ارادته، أو يتحدث باسمه بعد أن تحدث هو أصاله عن نفسه عبر الاقتراع.
ولكن من الذي يضمن نزاهة وعدالة تلكم الانتخابات؟.
يجب أن تكون الرباعية شاهدة وشريكة مباشرة في الإشراف على كل مراحل هاتيك الانتخابات مع حكومة السودان، وممولة لمصروفاتها. والله الموفق.




يصار إلى إجراء انتخابات “رئاسية” ينطلق الإعداد الحثيث لها وللقوانين!!!!!
عشان يطبق الفقرة أعلاه من مقال الكاتب، على الرغم انها تتكون من بضع كلمات، و لكن تنتظر لعقد من الزمان للتنفيذ و التطبيق اذا كان السودان نوعا ما محظوظ