حين تطفح أكاذيب الكُتّاب… ويصمت ضميرهم عن الحقيقة

بقلم: حسن عبد الرضي
ليست كل كتابةٍ رأيًا، وليست كل جرأةٍ شجاعة، كما أن ليس كل من حمل قلماً صار صحفياً. فبعض ما يُنشر اليوم تحت لافتة “التحليل السياسي” لا يعدو كونه محاولة بائسة لتزييف الوعي، وتجميل وجه سلطةٍ يعرفها الشعب جيدًا، لفظها السودانيون كما تُلفظ الشوائب من الجسد السليم.
لقد طالعنا ما كتبه الصحفي النور أحمد النور، فدهشنا – لا لقوة حجته – ولكن لضآلة منطقه، وتهافت منطقه، وتناقضه الصارخ. رجلٌ لا تنقصه المعلومات، كما يبدو، ولكن تنقصه الشجاعة؛ لا يجهل الحقيقة، ولكنه يختار أن يلوذ بالصمت عنها، أو أسوأ من ذلك، أن يلتف حولها ليخدم خطاب السلطة.
يقول إن بيان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو “عمل دعائي” لا قيمة له، ويقيسه على مؤتمرات سابقة كانت تُسخر منها بعض الأوساط. وهنا نسأل: منذ متى أصبحت السخرية معيارًا للحقيقة؟ وهل كل ما سُخر منه باطل؟ لقد سُخر من الثورات قبل أن تنتصر، ومن الأحرار قبل أن يُخلَّدوا، ومن كل صوتٍ خرج على الطغيان.
ثم يمضي ليقول إن “محاربة الفساد تتم عبر القضاء لا عبر اللجان السياسية”، وكأن هذا الاكتشاف العظيم قد غاب عن الجميع! نعم، القضاء هو الأداة المثلى لتحقيق العدالة، ولكن ماذا إذا كان القضاء نفسه قد تم تفكيكه، وتسييسه، وإخضاعه لعقود من التمكين؟ أليس من البدهي أن تُنشأ آليات استثنائية – في لحظات استثنائية – لتفكيك بنية فسادٍ لم تُبنَ في يومٍ أو عام؟
إن لجنة إزالة التمكين لم تكن نزوة سياسية، بل كانت ضرورة تاريخية فرضها واقعٌ مختل، سعت من خلاله الدولة – في طورها الانتقالي – إلى استعادة ما نُهب، وتفكيك شبكة مصالحٍ تغلغلت في مفاصلها. الطعن فيها اليوم، دون تقديم بديل واقعي، ليس إلا خدمة مجانية لمنظومة الفساد نفسها.
أما تساؤل الصحفي الكبير النور احمد النور، الساذج: “هل هي ذراع لحكومة منفى أم حكومة تأسيس في نيالا؟” فهو ليس سؤالاً بريئاً، بل محاولة للتشكيك والتشويش، وهي أدوات معروفة في قاموس صحافة السلطة؛ حين تعجز عن المواجهة، تلجأ إلى الغمز واللمز، وبث الضباب.
أما ما كتبه المدعو منصور الهادي، فليس مقالاً يُناقش، بل حالةٌ تُشخّص. انحدار لغوي، وإفلاس فكري، وسقوط أخلاقي لا يحتاج إلى رد بقدر ما يحتاج إلى عرضٍ كنموذجٍ لما آلت إليه بعض الأقلام حين تفقد كل صلة بالمسؤولية.
لغةٌ مليئة بالسباب، والتشبيهات السوقية، والاتهامات المجانية، وكأن صاحبها لا يخاطب شعبًا، بل يفرغ عقدًا نفسية على الورق. هذا ليس رأيًا، بل ضجيج. وليس نقدًا، بل بذاءة. ومن المؤسف أن يُظن – ولو للحظة – أن مثل هذا الخطاب يمكن أن يؤثر في وعي شعبٍ خبر الكذب، وذاق مرارة التضليل، وخرج من تحت ركامه أكثر وعياً وصلابة.
إن الرد على هذه النماذج لا يكون بالانحدار إلى مستواها، بل بفضح خوائها. فحين يعجز الكاتب عن الحجة، يلوذ بالإساءة. وحين يفتقد المنطق، يستنجد بالشتيمة. وهذه قاعدة قديمة: “إذا حضر السباب، غاب البرهان”، قطعا، ليس البرهان المقصود هو ملك الشتيمة الذي لا يمل الكذب باسم الشعب السوداني.
إن معركة الوعي اليوم لا تقل ضراوة عن أي معركة أخرى. والكلمة فيها سلاح، إما أن تُستخدم لتحرير العقول، أو لتكبيلها. وهؤلاء – للأسف – اختاروا أن يكونوا أبواقاً، لا أحراراً.
لكنهم ينسون – أو يتناسون – أن هذا الشعب لم يعد كما كان. لقد تعلم من التجارب، بعد ان دفع ثمن تعليمه عرقا، دموعا ودماء، وقرأ ما بين السطور، وأدرك أن الحقيقة لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بكثرة الشتائم، بل بصلابة الموقف، ونقاء القصد.
ستبقى لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو – مهما حاول المشككون – رمزًا لمحاولة استرداد الدولة من قبضة الفساد. وقد تتعثر، وقد تُحارب، ولكن فكرتها باقية، لأنها تعبر عن حاجة حقيقية، لا عن رغبة عابرة.
أما أولئك الذين يكتبون دفاعًا عن الباطل، أو تبريرًا له، فسيبقون حيث وضعوا أنفسهم: على هامش التاريخ، حيث لا يُذكرون إلا كعبرة.
والحقيقة – مهما طال الزمن – لا تُقمع، ولا تُشتم، ولا تُدفن.



