مقالات سياسية

صاحب “محطّات صغيرة” ينْزِل في الأخيرة

صاحب “محطّات صغيرة” ينْزِل في الأخيرة:
وداعاً عُثْمان عابدين.. ذهب عِطْر الحِكايات، ستَبْقى الذِكْريات!
د. عصام محجوب الماحي
غادرنا الأستاذ عُثْمان عابدين لديارٍ خير من ديارنا، ولأهلٍ وأصدقاءٍ واحبابٍ خير منّا، وقد شقّ عليّ نعيه مُعْلِناً وفاته يوم 28 يناير الجاري وهو يعمل في مكْتبِه بصحيفةِ “المدينة” في المملكة العربيّة السعوديّة. فأي عِشْق للصحافةِ كان يحْمِل عُثْمان في ثناياه وفي قلبه وداخل روحه وانْفاسِه، حتّى توقّف نبْضه وهو في محرابِ عمله يقِيس نَبْض الناس والمجتمع؟
لديّ ذكريات عذْبة مع الفقيد عُثْمان عابدين وصديقه الكاريكاتيرست بدر الدين، تجمّعت خلال النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي. لا زالت، وستبقى، مشاهدها في الذاكرة.
كانا يأتيان من الحصاحيصا مباشرة الى امدرمان لعمارة محمد حسين حيث كان مقر صحيفة “الوطني الاتحادي” وبعدها صحيفة “النِداء”.
اسْتَقْطبَتْهما “النِداء” ومعهما اقلام رائعة، فقد كتبَت فيها المُبْدِعة ايمان محمد الحسن وخطّاب حسن احمد والصديق العزيز معاوية جمال الدين، جميل العِبارة، رشيق التعْليق العميق بالمُحْتوى والمنْحى، وفي قُصْرهِ يحيط باطْرافِ القضية التي يتناولها.
وكان بيننا الصحفي المُخَضْرَم محمد صالح يعقوب الذي وظّف كل فنيّات الابداع الصحفي لتحْرير صفحة كاملة بمواضيع عديدة.
وكان معنا أيضاً الصحفي المطْبوع عبد الله بابكر، وهو من اشْطر كُتّاب الخبر والقصّة الخبريّة وكان يأتي للصحيفة مُباشرة من وكالة الانباء “سونا”، عاشِقاً للصحافة الخبريّة ومع ذلك يكتب التعليق والتحليل، بالأخص في القضايا الدوليّة، فنجْعل ما يخُطّه معبراً عن الصحيفة.
كان محمد لطيف يكْتُب مقالاً تحليليّاً وكأنّه يرْسُم لوحة بقلم الرصاص، اسود ابيض بدون رتوش، فتكْتمِل صورة المشهد السياسي.
كان عُثْمان عابدين يحرِّر الصفحة الاخيرة بمُنوّعاته المُشكّلة وكأنها فاكهة يلتقطها من بستان مليء بما لذّ وطاب منها، ففيها التحقيق القصير والخبر المحلي والدولي والطرفة والصورة التي تكاد ترْوي قصّتها بنفسها فلا تحتاج لتعليقٍ، فضلاً عن زاويته الراتبة “محطّات صغيرة”. ويُزيِّن عثمان عابدين الصفحة بكاريكاتير بدر الدين الذي كنت افْرِد له أيضاً ربع صفحة داخلية على ثمانية اعْمِدة وأضع معه سيناريو لشخصية كاريكاتورية كان يرسمها في حكاياتٍ مُمْتِعةٍ واوضاعٍ تجْلُب الابْتِسامة، بل الضِحْك حدّ “القرقرة”.
كان يصحِّح الصحيفة الاسْتاذ الصديق عبد الله بلة ويخُط خطوطها و”مانشيتاتها” الخطاط محمد صادق ويصمِّمها عصام حميدان وشادية وقبْلهما الاصْدِقاء علي قَبَّة وعثمان مبارك ويسن محمد عثمان ويصوِّرها ويطبعها في “بليتات” يسن حسنين. يااااه… يا لها من اسْماء كانت بالفِعل تصْنع ايقاعها المُتميِّز في عالم صناعة صحافة ذلك الزمن.
كان عُثْمان عابدين والكاريكاتيرست بدر الدين، يخرجان من “النِداء” إلى صحيفة “الجريدة” وكُنْت وعصام حميدان نجدِّد لقاءنا معهما في حضْرة صديقنا هاشم كرار وشُلَّته الرائعة.
كانت “النِداء” صحيفة متفرّدة بالمقالات والتحليلات وتنوع مواضيع صفْحتها الثقافيّة “الابواب”. كان هنالك حسن بطَري بزاويته “أمّا حكاية” التي التقطها من صحيفة “الطريق” والتي كنّا نسْتَنْشَق منها عِبق التاريخ والماضي التليد، وقد برّنا بنُسخٍ منها عمّنا عمر احمد عبد الله الذي كان يأتي من مدني يوم تصْميم “النِداء” حامِلاً مقالاته الشيّقة. بطَري كان يلْتقِط الجمال مِمّا يقْرأ أو يسْمع أو يشاهد، ويموسِق الحديث ويرقِّص العِبارة الانيقة في المشْهدِ، فيتألق كل شيء حوله، جلْسةً ومشواراً أو صفْحة وصحيفة بأكْملها.
كانت الجلْسة مع المايسترو رئيس التحرير طيفور الشايب، ترْفُد الصحيفة بحكاياتٍ وافْكارٍ وذكرياتٍ يعطّر سرْدها العم احمد زين العابدين المحامي وآخرين من اقْطابِ ذلك الزمن امْثال عبد الله عِبيد ومحي الدين عُثْمان واشِقائهما الاتحاديين.
كان في “النِداء” الدينمو مختار وقد صنع من نفْسه سكرتير تحرير مُتعدِّد المواهب، ولمْ يبْخل عليه عثمان عابدين بالتوجيه والشرح والفكرة، حتّى “شَرِب” مختار المهنة وفن التصْميم ايضاً. دعْ مختار يتابع أي عمل وثِقْ انه سيتعلّمه ويتْقِن انجازه. وكان هناك ريحان الصحيفة بدر الدين ود الجريفات بجسده “القليل” وهدوءه فلا تشْعُر بأنّه مرّ من جنبك من هنا أو من هناك، وكان الدكتور دفع الله احمد دفع الله يأتينا من عطبرة ويدْفع بمقالٍ يقْرع به ناقوس الاسْتِفاقة، وكان الاداري الشقيق محمد نور التوم الذي يوفّر المُعينات وما عليك إلّا أنْ تطْلُبها فيأتيك بها صدِّيق الذي لا يضيق من أي مهمة، فيكون عِنْدَك ما تحتاجه بين غمْضة عين وانتباهتها، فلا يقصِّر (البوستيك) في تربيزة التصْميم أبداً، كما لا يقصِّر المِلح في الطعام وفْقاً لمقولة يردِّدها دائماً صدِّيق.
وداعاً عُثْمان عابدين.. كُنْت طَيّباً وطِيْباً تطيَّبت بك اللقاءات والجلسات والمشاوير، وستبْقى عِطْراً للذِكْريات، ولا نمْلِك لفراقك ووداعك إلّا أنْ نحْمِد الله من قبل ومن بعد؛ فالرَّب وهب وأخذ، وهب صداقتك وموهبتك التي كانت تحت سِنّة قلمك ليبقى ارْشيفك وتذهب أنت؛ إنّه رحيم غفور مجيب الدعوات.
تقبّل الله الفقيد عُثْمان عابدين قبولاً حسُناً وأحْسن عزاء اسْرته الكريمة والعزاء موصول لأهله في الحصاحيصا وزملائه وأصْدِقائه وأحِبائه.
بوخارست 29 يناير 2021
زر الذهاب إلى الأعلى