أهم الأخبار والمقالات

لماذا فقدت الأحزاب السياسية تأثيرها خلال الحرب…؟

تقرير: رشا حسن
لعبت الاحزاب السياسية قبل اندلاع الحرب بالسودان ادوار بارزة وكانت تتصدر المشهد السياسي والاعلامي فمنذ اندلاع الحرب تراجع حضور هذه الاحزاب في الشارع والاعلام مقابل صعود الاصوات العسكرية والجهود الانسانية فكيف فقدت القوى السياسية تاثيرها خلال الحرب؟

ازمة الاحزاب السودانية
في هذا الجانب يقول استاذ العلوم السياسية بجامعة جامعة النيلين، مصعب محمد، إن الاحزاب السياسية شهدت تراجع واضح خلال الحرب الدائرة في السودان وارجع ذلك إلى أن الحرب تضعف العمل السياسي بطبيعتها ولأن اللغة السائدة تصبح لغة السلاح والتعبئة والحشد واضاف أن الاحزاب تراجعت بسبب الانقسامات المتكررة واعتماد بنائها الحزبي على القيادات التاريخية بدلًا من البناء المؤسسي.

واشار محمد، في حديثه مع”الراكوبة”، إلى أنه تاريخي يمكن القول إن هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم بتحالفات مع احزاب سياسية كانت خصم عليها لان اول القرارات التي كانت تصدر هي حل الاحزاب السياسية ويعتقد أن الاحزاب فقدت صلتها بالشارع في الوقت الحالي وارجع ذلك إلى حدوث فجوة كبيرة بين الاحزاب السياسية والشباب باعتبارهم اكثر الفئات تأثيرًا في الوقت الحالي.

وقال محمد إن المواطنين يرون أن الاحزاب السياسية ما زال يسيطر عليها الخطاب القديم لذلك ظهرت خيارات بديلة تتمثل في لجان المقاومة ولجان الطوارئ وانه بالرغم من ذلك فإنها لن تستطيع ان تحل محلها نهائيًا واضاف أن الحرب اعادت مركز الثقل إلى المؤسسة العسكرية واعتبر ذلك نتيجة واقعية لتراجع الحديث عن التحول الديمقراطي مقابل تصاعد الخطاب الامني.

واضاف بأن القرار السياسي اصبح مرتبط بالقرار العسكري مع توسع نفوذ القادة العسكريين وقال إن الاحزاب السياسية يمكن أن تستعيد دورها بعد الحرب ويتم ذلك من خلال تجديد الخطاب وتقديم قادة سياسيين من الشباب والتركيز على العمل القيادي بالإضافة إلى تقديم خطاب متعلق باعادة الاعمار وبناء تحالفات مدنية قوية.

ويرى محمد أن مستقبل الاحزاب السياسية في السودان امامه عدة سيناريوهات اولها أن الحرب يمكن ان تعزز هيمنة المؤسسة العسكرية وبالتالي تعزيز نفوذها ولضعاف القوى السياسية ولفت إلى أن السيناريو الثاني هو عودة الاحزاب السياسية اذا توحدت حول مشروع وطني وتوافقت عليه. وتابع: “السيناريو الأخير هو ان تنتج الحرب فاعلين سياسيين جدد غير الأحزاب السياسية التقليدية مستندين على العمل الانساني ولجان الطوارئ واللجان المحلية”.

تأكل السياسة
اما القيادي في حزب الأمة القومي، عروة الصادق، فيرى إن الحرب الجارية في السودان أعادت تشكيل المجال العام بالكامل وأدخلت البلاد في مرحلة “احتلال الوعي بالسلاح” وأضاف أن السياسة تراجعت لأن البندقية أصبحت المصدر الأعلى للشرعية والتأثير والخوف والرزق والحماية وأنه في مثل هذه البيئات يختنق العمل الحزبي الطبيعي وتتفكك المساحات المدنية، وتتحول الجماهير من قوى مشاركة في صناعة القرار إلى كتل بشرية مرهقة تبحث عن النجاة وسط الانهيار والنزوح والجوع والرعب اليومي، لتجنب ما يعرف بـ”الوجوه الغريبة” و”المتعاونين”.

ويشير الصادق، في حديثه مع “الراكوبة”، إلى أن الأمر لا يتعلق بضعف الأحزاب وحده وإنما بكيفية صناعة بيئة طاردة للسياسة وبيئة جاذبة للعنف والتنظيمات العقائدية المغلقة ويقول إن تنظيم “المحلول” يتحمل مسؤولية مركزية في هذا التحول الذي وصفه بالكارثي، فمنذ سقوط نظام “المخلوع” البشير عملت شبكاته على تعطيل الانتقال المدني واختراق مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج خطاب التخويف والفوضى.

واضاف أن الحرب استثمرت باعتبارها الفرصة الذهبية للعودة عبر بوابة التعبئة العسكرية والدينية وأن ما جرى خلال الشهور الماضية كشف مشروعًا متكاملًا يقوم على تحويل المجتمع إلى كتلة استنفار دائم ومستمر وإعادة هندسة الدولة حول الأمن والتعبئة والعقيدة مع تهميش متعمد للقوى المدنية والأحزاب والنقابات والجامعات والإعلام الحر.

واعتبر الصادق أن جماعات الظل تمددت وارتفع نفوذ تجار الحرب وتحولت الكراهية إلى أداة تعبئة سياسية وأصبح كل صوت مدني عرضة للتخوين والتشهير والاستهداف بالإضافة إلى أن هيمنة العسكر على المشهد لم تنشأ من التفوق العسكري وحده مشيرًا إلى وجود ماكينة أيديولوجية ضخمة تعمل على صناعة “وعي الحرب” وهذا الوعي يقوم على إلغاء التعدد وتأليه القوة وربط الوطنية بالطاعة العسكرية وتحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء وجوديين وخونة وعملاء، وفي هذه البيئة يزدهر المتطرفون لأن الحروب الطويلة تمنح الجماعات العقائدية قدرة استثنائية على التمدد عبر خطاب الخوف والتعبئة والانغلاق، على حد قوله.

وقال إنهم يشهدون اليوم محاولات منظمة لتصفية الحياة السياسية تدريجيًا لصالح بنية هجينة تجمع بين العسكر وشبكات الإسلام السياسي واقتصاد الحرب وخدّام سلطة انقلاب أكتوبر 2021م موضحًا أن مستقبل القوى المدنية يرتبط بقدرتها على خوض معركة الوعي نفسها وتجديد خطاباتها وشعاراتها وقياداتها ومؤسساتها وإجراء مساءلة تاريخية لمن أسهموا في دعم الحرب واتجاهاتها لا الاكتفاء بخطاب سياسي تقليدي منفصل عن الواقع الاجتماعي الجديد الذي صنعته الحرب.

واوضح أن السودان بعد هذه الكارثة يحتاج إلى مشروع تحرير وطني شامل تحرير الدولة من هيمنة السلاح وتحرير المجتمع من الابتزاز العقائدي وتحرير السياسة من شبكات المصالح المرتبطة بالحرب وتحرير العقول من أفكار الاستلاب والانكفاء وأضاف أن أي تسوية تُبقي جماعات الظل ممسكة بالإعلام والاقتصاد والتعبئة والسلاح ستقود إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر عنفًا وأن المعركة القادمة في السودان لن تكون معركة سلطة فقط وإنما معركة على روح الدولة نفسها هل تكون دولة مواطنة ومؤسسات وفضاء مدني مفتوح ام ساحة مغلقة تحكمها التعبئة العسكرية والعقائدية والاقتصاد المسلح.

السياسة تحت النار
بينما ذهب القيادي في الحزب الشيوعي السوداني كمال كرار إلى أن الحرب نفسها قصد بها إشاعة جو من الإرهاب والعنف لقطع أي مسار مدني ديمقراطي ولتكريس الأمر الواقع وعسكرة الدولة وأضاف أن تركيز القوى السياسية في مثل هذه الأوضاع يكون على وقف الحرب وكيفية اتخاذ الخطوات الضرورية لإنقاذ حياة العالقين والنازحين جنبًا إلى جنب مع النشاط السياسي والجماهيري في الحدود الممكنة، لكشف جرائم الحرب والتحريض على السلام ووقف الحرب.

ويشير كرار، في حديثه مع “الراكوبة”، إلى أن هذه السياقات لم تأل فيها الأحزاب جهدًا في هذه المهام بحسب قدراتها وسط جو الإرهاب وحظر الأنشطة السياسية ومطاردة السياسيين والنشطاء أو اعتقالهم وتجريمهم. وقال إنه من الطبيعي في أجواء الحرب ألا يشهدوا زخم النشاط السياسي كما كان عليه قبل الحرب مثل الندوات والفعاليات الجماهيرية والتظاهرات بحكم القبضة الحديدية لسلطات الأمر الواقع لكنه عاد ليقول إن الواقع لم يمنع التحركات الجماهيرية ضد الغلاء، ولتحسين الأجور ولرفض السياسات الاقتصادية وهي أيضًا كانت نتيجة للعمل السياسي المنظم وأنه أقرب للعمل السري منه إلى العلني.

واضاف أن دور الأحزاب السياسية لا يزال موجودًا ولا ينتظر انتهاء الحرب للعودة لأن العمل السياسي ليس عملية ميكانيكية تتوقف بضغطة زر وتدور بضغطة زر إنما هو فعل مستمر له أدواته وقادر على النفاذ مهما كانت الكوابح ولفت إلى أن الأحزاب أيضًا تمرست على العمل في كافة الظروف واستطاعت أن تنجز ثورات مشهودة على أنظمة فاشية.

وبين كرار أن الدولة المدنية بأحزابها وقواها لا شك قادمة ومنتصرة وأن الزخم الثوري الذي خلقته ثورة ديسمبر يشكل الآن حاضر ومستقبل السودان ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء وأن هذه الحرب وضعت كل الأوراق فوق الطاولة وكشفت كل الزيف وبالتالي فإن وحدة السودان ومستقبله على المحك، على حد قوله.

وتابع: “الدولة المدنية فقط هي التي ستحمي السودان من الانزلاق نحو الهاوية والصوملة والتشتت”.

حصار الأحزاب
ويرى نائب الأمين العام لـالمؤتمر الشعبي، محمد بدرالدين، أن ما يحدث للأحزاب ليس تراجعًا بل حصارًا وأن القبضة الأمنية اشتدت على الممارسات السياسية في الداخل وحوصرت الأحزاب ولوحقت وجُرّمت قياداتها ومنعت من ممارسة أي نشاط سياسي معارض للسلطة الحاكمة.

واشار بدرالدين، في حديثه مع “الراكوبة”، إلى أن حالة الحرب التي تعيشها البلاد فرضت واقعًا عسكريًا بحتًا لا صوت فيه يعلو فوق صوت البندقية وأضاف أنه غاب أو جرى تغييب أي نشاط سياسي لا يتوافق مع الهوى العسكري المهيمن على توجهات الدولة المنهارة.

ولفت إلى أنه لم يكن هناك خيار أمام الأحزاب والقوى السياسية سوى ممارسة نشاطها السياسي من الملاجئ الخارجية وأضاف أنه خلال سنوات الحرب الماضية طورت الأحزاب والقوى المدنية بنياتها وهياكلها وكثير منها قدم مراجعات فكرية ومنهجية لممارساتها السياسية.

وبين أنها اكتسبت خبرات ومهارات في الحوار والمفاوضات وبناء العلاقات الدولية، كما برزت كوادر سياسية وفكرية شبابية ونسوية ذات كاريزما عالية في قيادة بعض الأحزاب والقوى المدنية مما يبشر بمستقبل راشد للحركة السياسية والفكرية للوطن المكلوم.

تعليق واحد

  1. تراجع حضور احزاب مريومه والدقير والحزب الشيوعى السودانى وحزب السنهورى البعثى( مجموعه عملاء للمخابرات الاماراتيه والبريطانيه والاسرائليه) وهذه حقيقه يعلمها راعى الابل الهندندى الشرعابى فى اركويت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..