مقالات وآراء

إضاءة علي كتاب رحلة حياة بروف أحمد عبد المجيد.

بروفيسور مهدي امين التوم

{ عندما جاء عيسى لإستلام الحُكْمِ مِن نافع علي نافع}

تحدث شاعر ثورة أكتوبر محمد المكي إبراهيم عن جيل البطولات و جيل التضحيات و لم يكن يتحدث من فراغ بل عن واقع عاشه في رحاب جامعة الخرطوم و في رفقة جيل الستينيات الميلادية الذين شاء قدرهم ان يصطلوا بديكتاتورية عبود و ديكتاتورية نميري و أن يهزموا كليهما مضحين بكل عزيز و غالي من أجل وطن عشقوه بلا مقابل، وديمقراطية حلموا  بالعيش تحت ظلالها في كنف وطن حر و ناهض …
بروفيسور أحمد عبد المجيد أحد كواكب ذلك الجيل الذي تحدث عنه ود المكي ، و أحد حداة التغيير و الإستنهاض و لقد جاء من قلب ذلك الجيل ، عاش لحظاته الحالكة و احتفى بإنتصاراته و دفع ضريبة وقوفه في وجه ثلاث ديكتاتوريات إبتُلي بها السودان، ثم ها هو يسجل  شذرات من كل ذلك في كتاب أنيق إختار له كعنوان :(رحلة حياتي عبر ثمانية عقود من تاريخ السودان)، و قد صدر مؤخراً في مائة و ثلاثين صفحة مع مجموعة من الصور التاريخية و الأسرية في طباعة أنيقة من مطبعة التمدن. إنها رحلة حياة حافلة و منتجة و مليئة بالصور و العبر و الجرأة و المبادرات التي لا تعرف المستحيل ،و التي يبدو أنها لازمته منذ ان كان يافعاً..فلقد شاءت ظروف عمل والده في الدويم أن يعيش طفولته الأولى في أمدرمان في منزل جده بعيداً عن والديه و ذلك  لرغبة غريبة من والده و هي إلحاقه بالمدارس الكنسية الخاصة و ليس الوطنية الحكومية العامة.. فترعرع بين مدرسة الإرسالية الأمريكية في أمدرمان و مدارس كمبوني في الخرطوم فعاش أجواء تختلف عن ما توفره عادة بيئة المدارس الوطنية حيث دَرَس الديانة المسيحية التي كانت تدرس لهم و تَميَّز فيها ، بل برع  لدرجة أنه كاد أن يبتعث لدراسة اللاهوت في أمريكا لولا تردد والده..
كان بروف أحمد منذ بداية حياته الدراسية متميزاً جداً علمياً، و نشطاً مجتمعياً ، و كان ذا تفكير عملي و تجاري ، مع جرأة سياسية و نقابية مبكرة أدت إلى فصله عدة مرات خلال مسيرته التعليمية العامة لدرجة إضطراره للجلوس لإمتحان الشهادة الثانوية من منازلهم  و نجح فيها بإمتياز بجهوده الخاصة مما مَكَّنه  من الإلتحاق  بجامعة الخرطوم ، التي تم إختياره فيها لدراسة الطب و لكن صدمة ( المشرحة و منظر الجثث) جعلته يهرب بعد شهور قليلة ليبقى في كلية العلوم دارساً، و من بعد متخصصاً و مبرزاً في علم الحيوان و حاصلاً علي مرتبة الاستاذية (بروفيسور) في الثلاثينيات من عمره ، و هذه ظاهرة ليست عادية في دنيا الاكاديميات ، و بخاصة في جامعة الخرطوم التي كانت في ذلك الوقت من بين أفضل جامعات العالم ، و أكثرها دقة و تشدداً في إختيار أساتذتها،  و إعتماد ترقياتهم العلمية.
حياة بروف أحمد في جامعة الخرطوم كانت حياة حافلة و قد وصفها بالتفصيل في كتابه و كان له نشاط سياسي واسع بدأه و مارسه لفترة طويلة تحت مظلة تنظيم الحزب الشيوعي في الجامعة  لكنه ترك الحزب مبكراً في الجامعة لسلوكيات شخصية لم تعجبه و لم يشأ تفصيلهل في الكتاب. و عندما لم تَجِد إحتجاجاته عليها أُذنا صاغية ، إبتعد عن الحزب مستقيلاً و لكن لم يبتعد عن النشاط السياسي الذي قاده  للفصل من الجامعة بسبب مشاركته في رفع مذكرة سياسية الي الفريق عبود تطالب بعودة العسكر لثكناتهم و إعادة النظام الديمقراطي للبلاد..الجميل أنه لم يتضرر كثيراً من حادثة الفصل فلقد هيأ الله له أساتذة شجعان مكَّنوه من مواصلة حضور المحاضرات و الدروس العملية رغم قرار الفصل و أمر الإبتعاد عن داخليات الجامعة. و الاستاذان المعنيان هما بروفيسور  مصطفى حسن إسحق و بروفيسور علي محمد خير ، و هما من كبار اساتذة جامعة الخرطوم و دعائم نهضتها..
و بجانب نشاطه السياسي الواسع كان لبروف أحمد نشاط  ثقافي كبير بخاصة في مجال المسرح الجامعي و تحت رعاية بروفيسور عبدالله الطيب شخصياً الذي لاحظ فيه إمكانات أدبية جعلته يحاول إستقطاب أحمد لترك دنيا العلوم و القدوم لرحاب الآداب لما ظن أنه إستعداد  أدبي فطري لبروف أحمد ، و لكن شاءت الأقدار أن يبقى أحمد في كلية العلوم بجامعة الخرطوم طالباً و من بعد أستاذاً، و أن يتحصل من الكلية ذاتها علي درجات بكالريوس الشرف و الماجستير و الدكتوراة ، و أن يترقى في سلمها الأكاديمي حتى مرتبة الاستاذية.
ثم جاءت ثورة مايو و هو أستاذ بالجامعة، و كان عداؤها الظاهر و الباطن شديداً للجامعة و للحريات السياسية فجاء الدور التاريخي لأساتذة جامعة الخرطوم لمناهضتها ..  و يبين الكتاب الكثير و المثير من تفاصيل  العمل السري المُحْكَم الذي مَهَّد لثورة أبريل١٩٨٥م التي أطاحت بثورة مايو. و يُبرِز الكتاب ،بتواضع ، الأدوار الشجاعة التي لعبها المؤلف في ثنائية تكاملية مع المرحوم أمين مكي مدني لجمع الناس للعمل من أجل الإطاحة بنظام مايو الديكتاتوري و إعادة الديمقراطية للبلاد.. و يكشف  أن الكثير من اللقاءات و التحضيرات للثورة كانت تتم  في منزل بروف أحمد نفسه و  علي بُعد خطوات من منزل رئيس جهاز أمن النظام المايوي  في حي المطار ، و لكن مع إحتياطات و خداع و تأمينات كان لا بد منها رغم ما كان يكتنف الأمر من مجاذفة و مخاطر . و يحكي هنا بروف أحمد بكثير من التفاصيل عن  المجهودات الضخمة التي بذلوها فرادى و جماعات من أجل توحيد جبهة المعارضة الحزبية و الفئوية و يتحدث بحسرة عن كمية الخذلان الذي صادفهم ، و حجم التردد الذي عطَّل الإطاحة بالنظام المايوي و جعله يبقى ستة عشر عاماً كاملة جاثماً علي صدور الوطن و المواطنين..و لقد لفت نظري في تفاصيل و آليات تلك التحضيرات ما اتسمت به من جرأة و شجاعة و تخطيط تعدى  حتى حدود الوطن ليصل إلى مرافئ رئيس مصر السيد حسني مبارك لإبلاغه بأن الشعب السوداني علي وشك الثورة للإطاحة بالنميري و نظامه راجين منه الحياد  و عدم  محاولة التدخل مع أيٍ من الجانبين.. و لقد قاموا في سرية تامة بإيفاد السيد بونا ملوال للقاهرة للقيام بمهمة توصيل الرسالة للسيد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر ..و بالفعل  تمت المقابلة و تحصلوا علي وعد بذلك..إنه تفكير جريء دون شك و تَحَسُّب صحيح لمصدر خطورة علي ثورة تحت التحضير. و لقد إنتهى التجهيز الدقيق بنجاح الدعوة للتجمهر الشعبي الضخم في شارع القصر أمام كلية الطب يوم ٢ أبريل ١٩٨٥م حيث تم فيه إعلان الإضراب العام الذي لم تبق مايو بعده سوى أيام قليلة..
إن الكتاب يحتوي علي تفاصيل دقيقة و مذهلة للتحضيرات التي أدت لإقتلاع النظام المايوي و التي لعب فيها بروف أحمد و رفاقه من ذلك الجيل أدواراً جريئة تكاد تكون مستحيلة، لكنهم ، كما حدث، بعد إقتلاع عبود تركوا الحبل علي الغارب للآخرين فانتكست الأوضاع، و عاد العبث الحزبي ، فغابت من جديد بليلٍ الديمقراطية ، و أطل علي البلاد نظام عسكري جديد تَمَثَّل في بؤس الإسلاميين الذي عاثوا بأرض السودان فساداً لثلاثة عقود، و ضربوا الأُمَّة السودانية في مقتل ، في وقت بلغ فيه جيل أحمد من العمر عتياً ، و كاد العجز و اليأس يبلغا مداهما إلى أن أيقظتهم صيحة القَدَر : كوني، فكانت ثورة ديسمبر المجيدة بشبابها و كنداكاتها ، و بشعاراتهم السلمية، فلقد ملأ الشباب الثوار الأفق ، و فتحوا الصدور للرصاص، و صبوها أمام القيادة العامة ،في صورة أذهلت العالم ،و جعلت بروف أحمد يتناسى عقود عمره الثمانية ، و يلتحم مع المعتصمين في ساحة الإعتصام أمام القيادة العامة ، و قد جاء للساحة، حسب روايته في الكتاب، جاء راجلاً قاطعاً كيلومترات عديدة ، حافي الرأس و متدثراً بجلباب منزلي متواضع و بعيدٍ عن الأناقة التي عُرِف بها طوال حياته ، جاء ليشارك أبناءه و بناته لحظات تاريخية تمثل طياً حياً  لسِجِل الإنقاذ  و عهدها المظلم ، فكان منظره و الدموع منهمرة من عينيه فرحاً بالثورة و بتباشير الخلاص، منظراً ملفتاً للكنداكات الزاحفات بشجاعة نحو القيادة فسألنه بعفوية مشفقات ، و ربما متهيبات ،(( مَن أنت… و لماذا أنت هنا ؟)) فقال لهن  بلوعة و حنان قولته التي بدأت بها هذه الكلمة المتواضعة عن الكتاب : ( أنا عيسى جئت لأستلم الحُكم من نافع علي نافع)..  قالها بعفوية تهكماً و سخرية بمقولة ذاك المسخ غير النافع القابع الآن خلف اسوار سجن كوبر ، و الذي كان يظن فعلاً أنهم مخلدون في حكم السودان..إنها لحظة تخلدها صورة بالكتاب للمؤلف في ساحة الإعتصام بجلبابه  المتواضع و كامل مشاعره الثورية.
إن الكتاب في مجمله يمثل رحلة عُمُر ، إذ بجانب ما حوى من ذكريات كفاح ضد الدكتاتوريات التي رُزئ بها السودان ، إشتمل أيضا علي تجارب تنظيمية و إنسانية خارج السودان ضمن جهود طلابية و سياسية و علمية  في أوروبا و آسيا يمكن أن تُسْتَقَى منها دروس حياتية عميقة و مواقف إنسانية و سياسية تمثل بعضاً من لوحة عظيمة رسم تفاصيلها  جيل البطولات العظيم الذي خَلَّده ود المكي بكلماته و وردي بألحانه  لتبقى إنجازاته نبراساً تهتدي به الأجيال الصاعدة.
إنه بحق كتاب يستحق الإقتناء و التأمل في ما يحتويه من دروس و عِبَر ، بخاصة و نحن نرى اليوم التاريخ يكرر نفسه أمام أعيننا حيث نشهد إعادة كاملة لفيلم سر الختم الخليفة عقب ثورة اكتوبر، و الجزولي دفع الله عقب ثورة ابريل، و حالياً عبدالله حمدوك عقب ثورة ديسمبر … و بنفس الممثلين… و كأننا يا بدر لا رحنا و لا جينا.
لك الله يا وطني.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى