مقالات وآراء

هُلامية مفهوم الحصانة الشُرطية ..!

هيثم الفضل

ساءني كثيراً تصريح من أحد قيادات شرطة العاصمة القومية فحواهُ أن الشُرطي السوداني يتخوَّف من أداء دورة الفاعل والحقيقي في تأمين المواطنين ومكافحة الجريمة والمجرمين ، جرَّاء إنخفاض أو (إنعدام) حصانتهُُ القانونية ، ونوَّه المصدر في ذات الوقت إلى أن (رفع) مستوى حصانة الشرطي السوداني ، كفيلٌ بإنهاء التفلُّتات الأمنية التي رُصدت مؤخراً في ظرف إسبوع أو أقل من ذلك ، أما أكثر ما يسوءني في الموضوع أن هذه الإشارة تصدر من مركز قيادي في الشرطة ، في حين أنها رغم ما فيها من أقاويل وإستفهامات كانت جديرة بأن تصدر من فرد عادي من أفراد الشرطة ، نسبةً لكونها وبحسب ما يُفهم من مضمون التصريح (محاولة) للدفع بـ (صلاحيات) إضافية تستهدف الحصول على (حماية) مفتوحة تمنح رجل الشرطة الحق في (تجاوز) ما يمكن أن يسميه دُعاة الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات المدنية (تعدياً) على الحُريات العامة.
ولا أستطيع أن أعي عدم قُدرة قيادي في الشرطة على تبيُّن ما تم رصدهُ من سوابق عبر التجارب الإنسانية في باب (الوسطية) والموازنة ما بين الممنوع والواجب فعلهُ بحسب الضرورة وما تقتضيه مُجريات الحدث الأمني ، والتي تُحدِّدها كل حالة على حِده ويحكُمها بالأساس (مدى) فداحة التهديد الأمني الذي تمثِّلهُ الواقعة المعنية ، فمن غير الطبيعي أن لا يعي الشرطي السوداني مستويات حصانته التي يوفِّرها لهُ القانون حين يُطلق الرصاص أو يتعامل مع الوقائع الأمنية بشيء من العُنف المُضاد ، إن كانت القراءة الميدانية للزمان والمكان والظرف العام (تستدعي) إستعمال العُنف للحفاظ على أرواح الآمنين أوالممتلكات العامة أو (كيان) الدولة كمؤسسة معنوية ، وكذلك لا أستوعب أن الشرطي السوداني (غير مؤهل) لقراءة الوقائع الميدانية المختصة بالحالة الأمنية في كافة أشكالها ومضامينها التي إن جاز التعبير يمكن تصنيفها إلى (خطرة ، وعادية ، ودون العادية) ، هذا فضلاً عن إمكانية الإستعانة بإستشارة جهات عديدة من بينها القيادات الشرطية العُليا والنيابة العامة في (تقييم) الحالة ومن ثم الحصول على (إخلاء مسئولية) تعادل الحصانة المطلوبة من أجل التدخُّل العنيف أو إستعمال الرصاص الحيّْ لإنقاذ الموقف الأمني إذا ما دعت الضرورة.
أما إذا كانت الشرطة السودانية من خلال ذلك التصريح تُشير إلى أنها (مكتوفة الأيدي) وغير قادرة على إستخدام قُدراتها اللوجستية في التصدي للجريمة ، لأن منسوبيها يخافون المحاسبة لسوابق تم البت في (تجاوز) مُرتكبيها للحد (المنطقي) و(المعقول) في إستخدام القوة بالنظر إلى (مستوى التهديد الأمني) الذي تمثِّلهُ الحالة التي حوسِبوا عليها ، ففي ذلك مصيبةٌ كُبرى وأذىً جسيم سيتعرَّض له الوطن والمواطن ، لأن الأمر سيبدو للمُتمعِّن وكأن الشرطة تقول : إما حصانة مفتوحة وغير مُحدَّدة المعالم ، أو (وقوفٌ على الحياد) إلى أن تقع الواقعة ، فيما سيكون دور الشرطة عبر هذه الرؤية مُجرَّد (التحري) والنجاح في القبض على المجرمين ولكن بعد وقوع الجريمة ، السؤال المطروح الآن بإلحاح : كيف ستعمل الشرطة على (منع) وقوع الجريمة من حيث المبدأ ، في ظل إشكالية حصانة رجل الشُرطة إذا كان هناك بالفعل إشكالية.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى