مقالات وآراء

الى العم كباشي الأمين في عليائه السرمدية 

خالد الطاهر

(1)

هي رسالة متأخرة أخطها اليك بعد سنين من رحيلك المر عن هذه الفانية .. اكتبها بعد عقود تصرمت منذ مغادرتي للوطن مكرها دون ان تمكنني ملابسات سفر الفجاءة   من أن أقول لك “عوافي يا أرباب” .. وداعا أو إلى لقاء قريب ..

برهة فارقة من زمان   جميل تلك التي نعمت فيها بمعرفتك عن قرب .. كنا وقتها على مشارف امتحانات  الشهادة الثانوية حين  أوحى لنا صديقي الشفيف درديري كباشي – ابنك الذي يشبهك كرما، طلاقة، مروءة وحبا للناس – حين اوحى لنا بفكرة ان نعسكر للمذاكرة استعدادا للامتحانات في داركم العامرة ..

(2)

تلك كانت من أيام العمر  النواضر .. كانت تجربة غنية .. ماتعة وبديعة، لم تخل من استراق قليل من الترويح والضحكات .. كنا نحتال في كسر صرامة التحصيل اوانذاك، بقفشات علي طه وحكاوي درديري  ومشاغباته المرحة وحضوره الآسر الذي لا يمل .. لم يتسرب إلينا قط في داركم احساس اننا غرباء من فرط ما وجدنا من بشاشة وترحاب مدهش، ومن فرط ما نعمنا به من رعايتكم، جميعكم، آل كباشي الأخيار الكرام  ..

حتما سيجزيك الله عنا بالفردوس وعالي الجنان، فقد كنت ابا لنا جميعا، ملهما وعطوفا، نجله ونحبه كآبائنا .. اما رفيقة دربك الخالة البديعة  عرفة الشايقية،  فقد قاسمتنا السهر، تعد لنا العشاء والشاي والماء المثلج بحنان امهاتنا وكرم اصيل هو بعض من طباعها النبيلة .. رعتنا بلا كلل أو ملل، آناء الليل وأطراف النهار،  طوال اشهر لا أكاد احصيها عدا ..

وانا أجتر هذه الذكرى العزيزة العطرة  اجادل نفسي بأن لا استغرب فيكم ما بذلتموه من عطاء مديد ومن جمال روح  ومعشر .. يبدو أنكم جميعا في “بيت الحجر” من طينة واحدة، معطونة في الكرم .. في الخير .. في الأصالة ومحبة الناس ..

(3)

فكما رايت، لم يخب فألك ولم تحبط في تمنياتك لنا .. كنت تتوقع ان نتفوق وان ننجح في مستقبل يتلهف انتظارا لفرسان صغار، هم نحن، يصولون في عرصات باتساع الوطن ..

في خريف العام 85، يوم اعلان القبول، تحلقنا ظهرا – درديري، ادريس، وشخصي –   تحلقنا حول الراديو في تعربشة العنب امام نفس “الديوان” الذي شهد ليالي السهر والكد الجاد .. الذي شهد جدال مسائل المولارية وفيزياء الضوء .. الحجرات والنور .. حساب المثلثات .. معلقة لبيد .. الاحتمالات .. هذا الديوان الرحيب الذي كانت تتناثر في أرجائه قبل شهور تلال من الكتب  .. القصاصات والمذكرات والأقلام والكراسات .. وخربشات على الأوراق..

لم تسعنا الدنيا فرحة ونحن نستمع لاسمائنا تذاع في الراديو .. كانت فرحتي بالقبول في جامعة الخرطوم قد خففت قليلا من طعم حزني على فراق اصدقائي درديري وادربس الذين تم قبولهم في جامعة الجزيرة..

كنت فرحا بفرحة  أبنائك الثلاثة وحصاد جدهم واجتهادهم وتفوقهم ..  لا انسى انك اهديتني قماش بنطالين أملحين وقميصين رائعين طالما “قشرت” بهم في الجامعة إلى ان لقي قميصك الأزرق  “حتفه” بعد سنتين ممزقا من قبل الكيزان في أحد أيام عنفهم اللئيم ..

(5)

قدومي من الجامعة إلى كسلا في إجازات قصيرة كان دائما ما يصادف توقيتا معلوما بعد الزوال.. ما ان اترجل من “برينسة” المواصلات في محطة الحجر إلا واعرج على مجلسك .. تقودني الخطى شوقا لتحيتك قبل أن أتخفف من اثقال حقيبة السفر .. كنت اتوقعك على كرسيك  البلاستيكي في “ضل العصر” على حافة الشارع العريض، مستانسا بالراديو .. رجل تجلله المهابة في جلبابه الناصع البياض، متهلل الوجه،  يحييه العابرون ويفشي التبسم في وجوه المارة .. حينها، ما أن تلمحني قادما في اتجاهك من المحطة إلا وتنزل درجات المصطبة العالية هاشا باشا في ترحاب مترع بالحنو والمودة الصادقة ..

يا إلهي … يا لك من انسان نبيل، فأين انا، عمرا ومقاما منك حتى تسعى إلي انت لتحتضنني في بعض الطريق!!! ..

متهلل الأسارير تسألني عن الحال والأحوال ولا تنسى أن تجبر بخاطري وترفع معنوياتي إلى عنان السماء بتمنياتك لأن نكون – انا  وصديقي درديري وادريس – من ذوي الشأن يوما ما ..

(6)

ابشرك يا عم كباشي .. لم يطش سهم توسمك الخير فيما سيدخره لنا  المستقبل، لقد حققنا كثيرا من نجاحات نأمل أن تتضاعف في مهاجرنا القصية بعد إعتكار أفق الوطن بمصيبة انقلاب الاسلامويين الذين اعرف مقتك لهم .. مازلنا، هنا وهناك، نجابد .. درديري اصبح كاتبا وقاصا طبقت شهرته الآفاق  .. إدريس محمد عمر يتتلمذ على يديه المئات من طلاب الجامعات.. وانا هنا اتلمس طريقي في دنيا الاعمال بعد أن  قطعت شوطا لا بأس به في إنجاز مشاريعي الاكاديمية والمهنية  ..

(7)

حزنت ايما حزن حين علمت برحيلك الى دار الخلود .. تضاعفت لوعتي لأنني لم أكن  من بين مشيعيك وفي وداعك إلى مثواك الأخير .. نذرت على نفسي أن أتصدق لروحك الوضيئة في كل عام .. غادر دنيانا أعزاء على القلب بعدك .. شقيقي أحمد، ثم أمي فأبي .. وهاأنذا أكفل من استطيع وأهب أرواح اربعتكم ثواب ما افعل .. تقبل مني الله ووفقني فى المواظبة على بركم ..

يقيني إنني لست الوحيد الذي يعدد مناقبك يا عم كباشي بعد رحيلك الفاجع، فعارفي فضلك كثر في الحبيبة كسلا، يقاسمونني لوعة فراقك ويدعون بظهر الغيب لروحك الطاهرة بالقبول الحسن وانت في رحاب كريم منان  .. عتة

أعزي نفسي في فقدك .. أعزي اصدقاءك وعشيرتك ..  عزائي فيك موصول لرفيقة دربك الخالة عرفة، متعها الله بالصحة والعمر المديد .. عزائي فيك موصول لإخواني الاحباء مجدي، فكري، درديري .. لإخواتي الفضليات هدى، رجاء، ذكية، افكار، هندا، وختام العنقود أريج..

اما بعد،

تنزلت على قبرك الطاهر شآبيب الرحمة  وظللتك سحائب الغفران .. نم هانئا في جنان الخلد .. في الفراديس العلا وفي ملكوت رب رحيم يا أيها  الرجل النبيل ..

ابنك خالد الطاهر
امستردام

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..