مقالات وآراء

البيروقراطية وردّة الحريات!!!

نور الدين بريمة

أليس من العيب والعار حقًّا أن نبصُق على قيمٍ إنسانيةٍ، فقدنا من أجلها.. المُهج والأرواح؟!، وأرِيقت بسببها الدماء والدموع سنين عددًا؟!، ليأتي بعضٌ ممّن سال لعابهم لبريق السلطة خِلسة، وبصَقوا على ورقة التوت ثم ركلوها بأرجلهم إلى ركن الجهل والتخلف، والعودة بنا إلى عهد الثيوقراطية، التي تدعي الحق الإلاهي والوصاية على الرعية، ثم جلسوا على تلها فرحًا بما إتّخذوه من قرار المنع والحرمان، فيا ليت قومي يعلمون، بأن قيم الإنسانية لا تتجزأ، وأن ما تحبّه لنفسك لا تحرم الآخرين منه!!!.

ما ساقني للحديث اليوم، تلك الردّة القيميّة التي بدأت فصولها تتراءى في الأفق، لتتساقط علينا رُطبًا من القمع والجبروت، سنعمل على مقاتلتها إذا ما بقي من العمر بقية، فالخبر الذي ذاع صيته وعمّ إنتشاره القرى والحضر، هو دافعي الرئيس لهذا الكلم، حيث جاء في الخبر: أن جهةً حكوميةً أوقفت، وعلى نحوٍ مفاجئ، بث حلْقة تلفزيونية رمضانية من برنامج “من الآخِر كِدَه”، على قناة النيل الأزرق، مع الكاتب الصحفي، ضياء الدين بلال، والذي كشف عبر صفحته على الفيسبوك، قائلًا: (أُخطرتُ قبل قليل، أن جهة عليا بوزارة الثقافة والإعلام، أمرت إدارة قناة النيل الأزرق، بعدم بث المُقابلة التي أجرتها معي، الأستاذة إسراء عادل)، والتي كان مقررًا بثها في العاشرة من مساء أمس الأربعاء.

وهذا ليس تجنيًا على أحد، ولم يكن هو التصرف الأول من نوعه، في عهدٍ ظننا أنه الأجمل، ولكن …!!، فضياء الدين بلال، تم إيقاف برنامجه الحواري (فوق العادة)، من قبل، مثلما تم منع الصحفي، محمد عبد القادر، من تقديم برنامجه (حوار المستقبل)، إلى جانب حمل القناة لإيقاف مشاركة عدد من الصحفيين والسياسيين فيها، ولا يهمني هنا من يكونون، وإلى أي حزبٍ ينتمون، بقدر ما يهمني هو، قيم الحرية، لأننا فيها سواء، وإن ظللنا ندافع عن حكومتنا الإنتقالية، فلن نسمح لأنفسنا أن نحيد عن جادّة هذه القيم، وسنقف- ألفًا أحمرًا- في وجه كل مستأسدٍ، يقف ضد الحريات، وسلك قيمًا تتنافى مع القيم الإنسانية.

لذلك ظللنا وعلى مرّ الثلاثين عامًا، نكتُب  وتصدُح حناجرنا صياحًا، عبر المحافل والوسائط الإعلامية، بأن جزوة الحريّة ستظل مُتقدة، لأنها حقًّا وليست مِنحة يتقيؤ بها سلطان، بل تمثل ذروة سنام الإنسانية، سنتسلح بالوعي للدفاع عنها، وسنشمر سواعدنا بألا تكميم للأفواه!، وألا تكسير للأقلام بغير الحق!، وأن تعالوا إلى حرية نعبّر بها بطريقتنا، وننشر ما نؤمن به من آراء، ولا سلطان علينا إلا سلطان الحق والقانون، حتى ننعم بها جميعًا، ونربّي عليها أجيالنا، فعجبًا ثم عجبًا أن يأتي بعد ثورةٍ شعبيةٍ، من ينصّبُوا أنفسهم، المانحين لصكوكها والمانعين لها في ذات الوقت!!، وتناسوا بعد أن سيطروا على مقاليد الحكم، أنها حقّ رباني ليس سلطاني، يتوهطون على كرسيّه، ليرُونا إلا ما يرون! ولا يهدونا إلا سبيل الرشاد!، ألم يكن هذا نهجًا فرعونيًا إستبداديًا، جديدًا!!.

أليت قومي يفقهون قولي: إنهم بفعلتهم هذه، وفي ظل هذا الفضاء، لم يحسنوا صنعًا، وهم يديرون دَفة الثقافة والإعلام بالبلاد، وأكدوا قلة تجربتهم، لأنهم أتاحوا بها، فرصةً أكبر لإنتشار الحلقة التلفزيونية، وفرصة أخرى أكثر برهانًا على ضعف الوزارة، مما لو تم البثّ، والغريب في الأمر أنه ومن خلال المتابعة للحلقة، لم أجد سوى المحاكمة التي نُصبت، لضياء الدين بلال، ولم تكن مُحاكمة للشأن العام، حتى ينزعج منها المتسلطون الجدد، لذلك لن تجد مبررًا للمنع من الظهور، إلا ثقل الأهواء الشخصية!، وقلة التجربة!، وعدم الفطنة والكياسة!، مما يدفعنا للمطالبة بضرورة المحاسبة.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى