اقتصاد الحرب يغذي استمرار النزاع في السودان

الخرطوم – لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجيا إلى منظومة مصالح اقتصادية معقدة توفر للأطراف المتحاربة موارد مالية ولوجستية تساعدها على مواصلة القتال، وهو ما يفسر جانبا مهما من صعوبة إنهاء النزاع الذي دخل عامه الثالث وسط واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي يشهدها السودان منذ عقود.
ويكشف تحذير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من ترسخ ما وصفته بـ”اقتصاد الحرب” عن انتقال الصراع من مرحلة التنافس العسكري إلى مرحلة أصبحت فيها السيطرة على الموارد الطبيعية، والمعابر التجارية، والأسواق المحلية، تمثل هدفا إستراتيجيا لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن والمواقع العسكرية.
ووفقاً للتقرير الأممي، يعتمد طرفا النزاع بدرجات متفاوتة على التحكم في الأراضي الغنية بالموارد وشبكات التجارة وسلاسل الإمداد لتمويل عملياتهما العسكرية، الأمر الذي أدى إلى نشوء دائرة مغلقة يصبح فيها استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على النفوذ الاقتصادي، بينما تتحول الثروات الوطنية التي يفترض أن تكون ركيزة لإعادة الإعمار إلى وقود يطيل أمد الصراع.
ويعكس هذا الواقع تحولاً في طبيعة الأزمة السودانية، إذ لم تعد مرتبطة فقط بالخلافات السياسية أو الصراع على السلطة، بل باتت مرتبطة أيضاً بمصالح مالية وتجارية نشأت في ظل الحرب. فكلما طال أمد القتال، توسعت شبكات الاقتصاد الموازي، وتعززت عمليات التهريب، وازدادت سيطرة الجماعات المسلحة على الموارد والأسواق، وهو ما يخلق فئات مستفيدة من استمرار النزاع، ترى في أي تسوية سياسية تهديداً لمصالحها الاقتصادية.
تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة إخضاع الثروات الوطنية لسلطة الدولة شرطان أساسيان لبناء سلام مستدام في السودان
ويرى مراقبون أن هذا النمط من الصراعات ليس جديداً في القارة الأفريقية، حيث تحولت الحروب في عدد من الدول إلى أنشطة اقتصادية قائمة بذاتها، تستفيد منها شبكات محلية وإقليمية تتداخل فيها المصالح العسكرية مع التجارة غير المشروعة والتهريب، بما يجعل إنهاء النزاع أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف المتقاتلة.
وتبرز الموارد الطبيعية باعتبارها أحد أهم محركات هذا الاقتصاد. فالسودان يمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن، إلى جانب مساحات زراعية واسعة وثروات حيوانية وغابية، فضلاً عن موقع جغرافي يربط بين القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وشمال أفريقيا، وهو ما يمنح موارده قيمة اقتصادية وإستراتيجية كبيرة، ويجعل السيطرة عليها هدفاً رئيسياً في الصراع.
ويقدم قطاع الصمغ العربي مثالاً واضحاً على الكيفية التي تحولت بها الموارد الاقتصادية إلى ساحة تنافس بين الأطراف المسلحة. فالسودان كان قبل اندلاع الحرب أكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم، ويؤمن نسبة كبيرة من احتياجات الأسواق العالمية لهذه المادة التي تدخل في صناعات الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية.
لكن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بهذا القطاع، بعدما تعرض المنتجون والتجار لعمليات نهب وابتزاز، وتعطلت طرق النقل التقليدية، وأصبحت حركة التجارة مرتبطة بخريطة السيطرة العسكرية، الأمر الذي دفع جزءاً من الإنتاج إلى الخروج عبر مسارات تهريب أو قنوات تجارية غير رسمية.
ولا تتوقف أهمية الصمغ العربي عند قيمته التجارية، بل تمتد إلى كونه يمثل مصدر دخل رئيسياً لمئات الآلاف من الأسر في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق وغيرها من المناطق الريفية. ولذلك فإن تراجع هذا القطاع لا يعني فقط انخفاض الصادرات، وإنما يؤدي أيضاً إلى تآكل مصادر رزق المجتمعات المحلية، بما يفاقم معدلات الفقر والنزوح ويزيد هشاشة الاقتصاد الريفي.
ولا يقتصر الأمر على الصمغ العربي، إذ تشير تقارير دولية إلى أن عدداً من الموارد الأخرى، وفي مقدمتها الذهب، أصبح يمثل أحد أبرز مصادر التمويل غير الرسمية خلال سنوات الحرب، في ظل ضعف الرقابة الحكومية واتساع نشاط شبكات التهريب التي تنقل الموارد عبر الحدود إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
كما أن انتقال تجارة بعض السلع والموارد عبر دول مجاورة يضيف بعدا إقليميّا إلى اقتصاد الحرب، إذ تحذر الأمم المتحدة من أن عمليات إعادة التصدير أو تغيير منشأ بعض المنتجات تجعل من الصعب تتبع مصدرها الحقيقي، وهو ما يسمح باستمرار تدفق العائدات المالية إلى الأطراف المتحاربة عبر شبكات معقدة من الوسطاء والتجار.
إعادة بناء الاقتصاد السوداني لن تكون ممكنة من دون استعادة الدولة لسيطرتها على الموارد الطبيعية وإخضاعها لإدارة شفافة وعادلة
ولا يقتصر تأثير هذا الاقتصاد الموازي على تمويل العمليات العسكرية، بل يمتد إلى إضعاف مؤسسات الدولة نفسها. فكلما توسعت الأنشطة الاقتصادية خارج الأطر الرسمية، تراجعت قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات، وانخفضت الموارد المخصصة للخدمات العامة، بينما تتزايد قوة الجهات التي تسيطر على الأسواق والطرق والمعابر بعيداً عن سلطة الدولة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد مواز يصعب تفكيكه حتى بعد توقف المعارك، إذ غالباً ما تواصل شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي نشاطها مستفيدة من الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة، كما حدث في تجارب دول شهدت نزاعات طويلة.
ولهذا السبب تؤكد الأمم المتحدة أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب معالجة البعد الاقتصادي للنزاع بالتوازي مع المسار السياسي، لأن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لن يكون كافياً إذا بقيت مصادر التمويل غير الرسمية قائمة، واستمرت الأطراف المسلحة في الوصول إلى الموارد التي تمكنها من إعادة تنظيم قواتها واستئناف القتال.
وتشمل المقترحات المطروحة تعزيز الرقابة على سلاسل توريد السلع المرتبطة بمناطق النزاع، وتشديد آليات تتبع مصادر المنتجات، وزيادة التعاون الإقليمي لمنع التهريب، إلى جانب مساءلة الشركات والوسطاء الذين قد يسهمون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تسويق الموارد القادمة من مناطق الحرب.
غير أن تنفيذ هذه الإجراءات يواجه تحديات كبيرة، لأن اقتصاد الحرب في السودان أصبح متشابكاً مع مصالح محلية وإقليمية عابرة للحدود، تشمل شبكات من التجار والمهربين والوسطاء، فضلاً عن هشاشة مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على فرض الرقابة على كامل أراضيها.
كما أن إعادة بناء الاقتصاد السوداني لن تكون ممكنة من دون استعادة الدولة لسيطرتها على الموارد الطبيعية وإخضاعها لإدارة شفافة وعادلة، بما يضمن توجيه عائداتها نحو التنمية وإعادة الإعمار بدلاً من استخدامها في تمويل الصراع.
وفي المحصلة، يكشف المشهد السوداني أن الحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، بل تقوم أيضا على شبكات مالية وتجارية تمنحها القدرة على الاستمرار. ولذلك فإن السلام الحقيقي لن يتحقق بمجرد إسكات البنادق، بل يحتاج إلى تفكيك اقتصاد الحرب وتجفيف مصادر تمويله، حتى تعود الموارد الطبيعية إلى دورها الأصلي بوصفها ثروة وطنية تخدم التنمية والاستقرار، لا وقودا دائما لاستمرار النزاع.
العرب



