رأس المال الذي لا ينضب: أبناء المهاجرين السودانيين

د. الوليد آدم مادبو
تشرفت خلال إقامتي القصيرة في ولاية مينيسوتا هذا الأسبوع بلقاء عدد من السودانيين الأفاضل، وكان من بينهم الدكتور إسماعيل حسين القادم من بوسطن. وقد حدثني بتواضعه المعهود عن ابنته هبة التي اختيرت لإلقاء كلمة الخريجين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، أحد أعرق الصروح العلمية في العالم.
وبينما كان يروي القصة بهدوء الأب المعتز بابنته، لم أكن أدرك أن تلك الحكاية الصغيرة ستقودني إلى تأمل أوسع في واحدة من أهم الظواهر التي عرفها السودان خلال العقود الأخيرة: كيف تحولت الهجرة السودانية إلى مخزون استراتيجي للأمة؟ كيف استحال النزيف البشري المتواصل إلى عملية تراكم هادئة لرأس مال وطني هائل ينتظر لحظة العودة إلى خدمة بلاده أو الإسهام في رفعتها بصورة خلّاقة لكنها قد تكون غير مباشرة؟
كانت هبة واحدة من نخبة الخريجين الذين اختيروا لتمثيل دفعتهم وإلقاء الكلمة نيابة عنها، وهو شرف لا يُمنح إلا لمن اجتمع لهم التفوق العلمي والقدرة على التأثير والإلهام. لكن ما استوقفني لم يكن هذا الإنجاز في ذاته، فجامعات العالم الكبرى تعج بالمتفوقين، وإنما ما اختارت أن تتحدث عنه وهي في ذروة نجاحها الشخصي.
في ذلك اليوم لم تنس هبة السودان. وسط احتفاء العالم بالعلم والابتكار والمستقبل، آثرت أن تذكّر الحاضرين بمأساة شعبها وبالحرب التي حصدت الأرواح وشرّدت الملايين ودفعت بلداً بأكمله إلى حافة الهاوية. لم تتحدث بلغة الاستعطاف، ولم تلجأ إلى الشعارات، وإنما خاطبت الضمير الإنساني بلغة هادئة وراقية تستدعي الانتباه إلى مأساة تستحق أن تُرى.
وبعد انتهاء الاحتفال، روى لي والدها أن Prof John Ochsendorf, الأستاذ بالمعهد، لحق بهما ليخبر ابنته بأنه لم يكن يعلم أنها سودانية، ثم ذكر لها أن والده، الذي تجاوز التسعين عاماً، تخرج من الكلية نفسها قبل ستة عقود، وكان سفير الولايات المتحدة لدى السودان في عهد الرئيس كارتر، وعرض عليها أن يربطها به إن رغبت.
كانت في تلك المصادفة دلالة تتجاوز حدود الصدفة نفسها. فقبل ستين عاماً كان السودان يمثل وعداً كبيراً في أعين العالم، وها هي فتاة سودانية من جيل جديد تعيد التذكير بذلك الوعد من قلب واحدة من أعظم مؤسسات المعرفة الإنسانية.
غير أن هبة، في تقديري، ليست بطلة هذه القصة بقدر ما هي رمز لها.
إنها تجسد رحلة طويلة بدأها آلاف الآباء والأمهات السودانيين الذين حملتهم ظروف الحياة إلى المنافي البعيدة. أجيال كاملة عاشت الغربة بكل ما فيها من مشقة واقتلاع وحنين، ودفعت أثماناً باهظة أملاً في أن تمنح أبناءها مستقبلاً أفضل. كان كثير منهم يعتقد أنه يخسر أكثر مما يكسب، وأن سنوات العمر التي تُستهلك بعيداً عن الوطن لا يمكن تعويضها. وكان يرافقهم دائماً ذلك السؤال القلق: ماذا لو ضاع السودان من قلوب أبنائنا؟ ماذا لو ابتلعهم العالم الجديد فلم يبق بينهم وبين الوطن سوى الاسم؟
لكن الحياة كانت تدبّر أمراً آخر. فبينما كان الآباء منشغلين بالخوف على الإرث السوداني، كانت القيم الأعمق تتشكل بصمت داخل نفوس الأبناء. كانوا يرون التضحيات اليومية التي تُبذل من أجلهم، ويشاهدون الحنين في عيون آبائهم كلما ذُكر الوطن، ويسمعون قصص القرى والمدن والنيل والمواسم والأهل. لم يتلقوا السودان باعتباره مادة للتلقين، بل ورثوه باعتباره تجربة شعورية كاملة انتقلت إليهم عبر المحبة والتضحية والوفاء.
ولهذا بدا للكثيرين أن أبناء المهاجرين صامتون أو منشغلون بحياتهم الخاصة، حتى جاءت ثورة ديسمبر فأطلقت ما كان كامناً في أعماقهم. فجأة ظهرت طاقات هائلة في الكتابة والخطابة والفنون والعمل العام والتنظيم المجتمعي. خرج جيل كامل ليؤكد أن السودان لم يغادر وجدانه يوماً، وأن المسافة الجغرافية لم تستطع أن تنتزع من قلبه ذلك الانتماء العميق.
لقد كان ذلك الحب موجوداً دائماً، لكنه كان ينتظر لحظة الظهور.
وإذا كان لكل جيل مزاياه ونقائصه، فإن تجربة العيش خارج السودان منحت كثيراً من أبناء المهاجرين فرصة التحرر من بعض العلل الثقافية التي أثقلت المجتمع السوداني طويلاً. فقد نشأ عدد كبير منهم في بيئات تحتفي بالانضباط والمسؤولية واحترام الوقت وتقدير المعرفة والاحتكام إلى الوقائع لا إلى الانطباعات. تعلموا أن قيمة الإنسان فيما ينجزه لا فيما يدعيه، وأن الحقيقة لا تتغير بتكرارها، وأن المكانة تُكتسب بالكفاءة لا بالضجيج.
ولعل أهم ما اكتسبه هذا الجيل هو حساسيته العالية تجاه الكلفة الإنسانية للأفكار والسياسات. ولذلك ليس غريباً أن تقف فتاة في مقتبل العمر على منصة عالمية فتتحدث عن معاناة شعبها بلغة إنسانية رفيعة، بينما يقف بعض من قضوا أعمارهم في التنظير عاجزين عن رؤية الإنسان خلف الشعارات.
فالفارق بين الوعي الناضج والوعي المتكلس لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرة المرء على إدراك أن حياة البشر ليست وقوداً لمشروعاته الفكرية، وأن أي مشروع سياسي أو عسكري يفقد شرعيته الأخلاقية عندما تصبح كلفته الإنسانية أكبر من منفعته.
إن السؤال الأول الذي يطرحه صاحب العقل السليم أمام أي مشروع سياسي أو حتى تجاري ليس: هل بالامكان تحقيقه؟ بل: ما هي الكلفة البشرية أو المادية لتحقيق هذا الحلم؟
وهذه البساطة الأخلاقية التي فهمتها شابة في مقتبل العمر قد تغيب أحياناً عن بعض الشيوخ —من ذات اليمين أو ذات اليسار— الذين أثقلتهم الأيديولوجيا حتى عجزوا عن رؤية الدم والدموع والخراب. فحين يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في معادلة سياسية، يصبح الطريق إلى الكارثة أقصر مما نتصور.
ومع ذلك، فإن النجاح لم يكن قدراً محتوماً لكل أبناء المهاجرين. فالهجرة وحدها لا تصنع المعجزات، كما أن الفرصة وحدها لا تكفي لبناء الإنسان. لقد أثمرت البيوت التي جعلت من التربية والتعليم مشروعاً يومياً نماذج باهرة من العلماء والأطباء والمهندسين والمبدعين.
أما البيوت التي استسلمت للفراغ أو تخلت عن مسؤوليتها التربوية فقد واجهت نتائج مختلفة، تماماً كما يحدث في كل المجتمعات. وكما يقول التعبير السوداني البليغ، خرج بعض أبنائها من «قد الغفة»، تائهين بين تطرف أجوف لا يعرف من الدين إلا مظهره، أو انحلال فارغ لا يعرف من الحرية إلا سوء استعمالها.
ولهذا فإن الحديث عن النابغين من أبناء المهاجرين ليس حديثاً عن معجزة اجتماعية، وإنما عن ثمرة طبيعية لجهد طويل وصبور بذله آباء وأمهات آمنوا بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأجدى، وأن التعليم والمعرفة والقيم الرشيدة هي أثمن ما يمكن توريثه للأبناء.
وحين يبدأ السودان رحلة التعافي الحقيقي، فإن أحد أعظم كنوزه لن يكون النفط ولا الذهب ولا الأراضي الزراعية، وإنما هذا الرصيد البشري الهائل المنتشر في أنحاء العالم. آلاف الشباب والشابات الذين تلقوا أفضل أنواع التعليم، واكتسبوا خبرات متقدمة في الطب والهندسة والعلوم والتقنية والاقتصاد والإدارة والسياسات العامة والبحث العلمي والفنون.
ومن هنا ينبغي أن يكون بناء علاقة مؤسسية مع هذه الطاقات من أولويات سودان الغد. فالسفارات والبعثات الدبلوماسية لا ينبغي أن تقتصر مهمتها على الخدمات القنصلية، بل يجب أن تتحول إلى جسور تواصل مع العقول السودانية المهاجرة، عبر قواعد بيانات للكفاءات، ومنصات لتبادل المعرفة، ومؤتمرات دورية تحول الحنين إلى مشاريع والانتماء إلى مساهمات عملية في إعادة البناء.
لقد نهضت أمم كثيرة حين أحسنت استثمار أبنائها في الخارج، ولم تكن قوة تلك التجارب في استعادة الجميع إلى الوطن، بل في قدرتها على تحويل الانتشار العالمي إلى شبكة دعم معرفية واقتصادية وثقافية تخدم المشروع الوطني.
أما اليوم، فإن المؤسف أن جزءاً من طاقة هذا الجيل يُستنزف أحياناً في معارك جانبية وسجالات لا تصنع معرفة ولا تبني مستقبلاً. تجتذبه روايات الحرب المتصارعة فينخرط بعضه في استقطابات عابرة، بينما تحتاج البلاد إلى عقله أكثر مما تحتاج إلى صوته في الضجيج، وإلى علمه أكثر مما تحتاج إلى اصطفافه في الخنادق.
سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرب، وتستعيد البلاد عافيتها، وتسترد روح ديسمبر التي لم تنطفئ جذوتها رغم كل ما جرى. وعندها سيكتشف السودان أن سنوات الغربة الطويلة لم تكن نزيفاً خالصاً كما ظن كثيرون، بل كانت أيضاً عملية تراكم هادئة لرأس مال بشري استثنائي ظل ينمو بعيداً عن الأنظار. وحين يحين ذلك الموعد، لن يعود السودان من بوابة السياسة وحدها، ولا من بوابة السلاح، بل سيعود أيضاً من بوابة أبنائه وبناته الذين حملوه في قلوبهم وهم بعيدون عنه، حتى إذا سنحت الفرصة ردّوا إليه بعضاً من الدين القديم.
وسيكون اسم هبة إسماعيل حسين مجرد واحد من الأسماء الكثيرة التي ستروي للأجيال القادمة قصة هذا التحول الكبير: كيف ظن السودانيون زمناً طويلاً أنهم فقدوا أبناءهم في المنافي، ليكتشفوا في النهاية أنهم كانوا يبنون هناك، بصمت وصبر، رأس المال الذي لا ينضب.




اقتباس :
(وإنما هذا الرصيد البشري الهائل المنتشر في أنحاء العالم. آلاف الشباب والشابات الذين تلقوا أفضل أنواع التعليم، واكتسبوا خبرات متقدمة في الطب والهندسة والعلوم والتقنية والاقتصاد والإدارة والسياسات العامة والبحث العلم).. نهاية الاقتباس.
…… …. . .. … …. …
ما لم تذكره يا دكتور مادبو ان اقله اكثر من 90%من هولاء الشباب والشابات، من ابناء بلاد النيلين، لانهم اهل ارث حضاري، توارثوه اب عن جد، الكل في تلك الديار العريقة،ارض الحضارات، يضحي بالغالي والنفيس من أجل تعليم ابنائه وبناته .
اما اشاوس حزام البقارة ،فكل مبتغاهم وقمة طموحهم ،هو حمل السلاح و الانضمام لعصابة النهب والسلب، بكل مسمياتها جنجويد، ام باغة، دعم سريع،جيش صحوة. حتي من لجأ من تلك الديار الي اوروبا وامريكا،تفرغ لبث اللايفات ،المليئة باقبح القول ،من شتائم ،واساءات لعدوهم اللدود،الجلابة العنصريين .وارتكاب الجرائم في بلاد اللجوء !! كما يقول المثل ( وقيع الله ،ما بترفع )…،
يا دكتور الوليد مادبو انت تدرك تماما ان الفجوة الحضارية بين بلاد النيلين وسلطنة دارفور لا يمكن رتقها،وستظل ترلة دارفور المعطوبة عبئا ثقيلا علي بلاد النيلين ،الا ان يتم قطع ذلك الحبل السري الهلامي، التي تتعلق عبره دارفور ببلاد النيلين..
واخر دعوانا للدارفوريين (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
،،،،….. التقسيم سمح ……….
لعمري انك عنصري مريض بغيض ، الباشمهندس الدكتور الوليد مادبو أصبحت كتاباتة الآخيرة أكثر وسطية و توافقية ووحدوية بينما أنت يا سجم الرماد دوما في تعليقاتك تصر على التشديد على قطبية شمالي جلابي ضد غرابي = غرابة. قولك “90%من هولاء الشباب والشابات” من أبناء المهاجرين السودانيين المتفوقين حسب المقال هم من قبائل الشمال قول لا تستطيع إثباتة مهما تعنصرت جهلاً و حقداً. كثيرون مثلي يجدون تعليقاتك العنصرية المكررة على كل ما يكتبة الباشمهندس الدكتور الوليد تجعل منك قذماً جاهلاً تجاة الأفكار الجميلة التي يؤكد عليها هذا المقال.
استاذ محسن الفاضل، لك نصحي ،حكاية عنصري، اصحاب الامتيازات التاريخية ، جلابه ،مهمشين، النخب النيليه، اصبح كلاما ممجوجا، اجوف،مملا، فاقد المحتوي، وهو عبارة عن مشروع ابتزاز استمرؤه مدعي التهميش، لينالوا به العطايا، والهبات والوظائف. يعني بصريح العبارة (العبوا) غيرها، خاصة وان خيار اعلان دولتكم المستقلة، مفتوح امامكم وفي يدكم.
. استاذ الفاضل، لم نري لك أي تعليق علي مقالات دكتور مادبو التي تمتلئ بالتهديد والوعيد، لابادة قبائل باكملها !! وهو القائل ( نحن ماسكين الاسد من قرونو، لولا ذلك لتم اجتياح شمال السودان بجيش عرمرم لا قبل له، لم تشهده تلك الديار من قبل، وسيمحي كل اثر للحياة فيها )..
يقول استاذ محسن ان دكتور الوليد اصبح أكثر وسطية، وكتاباته توافقيه!! ياراجل!! .
خلاص اقنعتنا، مثل ما اقنع الثعلب الديك، عندما دعاه ليؤذن لصلاة الصبح فينا.
في تلك القصيدة الرائعة.
لطالما ذكرت لدكتور مادبو عليه ان يسدي نصحه لحكومة تأسيس ، والعمل علي قيام دولة غرب السودان. لا غرو فهو الخبير في الحوكمة والادارة.
لانه بصراحة وفي اعتقادي القلة ، القليلة التي تعير دكتور مادبو أي التفاتة في بلاد النيلين….
أنت شخصياً يا سيف اليزل عنصري ودكتور الوليد عامل لكن مغظ شديد لأنه لم يكن بلبوسياً ويدافع عن دولة الجلابة وإنه وقف بجانب المظلومين من الهامش ،، هلا حدثتنا عن العنصريين محمد جلال هاشم وعبدالله علي إبراهيم الذين يدعمون الحرب وينادون بضرب الحواضن والمدنيين؟ لماذا تنهبون موارد الغرابة من مواشي وحبوب وصمغ وبترول ثم تتركونهم فقراء وبلا بني تحتية أو مشاريع تنموية بينما تؤسس لنفسك شركات من عائداتهم؟ ما الذي يجعل الشيوعي يدعم حرب كيزانية لولا العنصرية؟
دكتور وليد يظل شوكة حوت في حلوقكم وخليك في صحراءك مع العقارب
نعم كلهم من الشمال وخاصة المحس والدناقلة/اذا كان هذا العنصري الخرف يقول بانها القت كلمة الخريجين ,بنت الدناقله التقت اوباما وهو الذي سعي في لقاءها ومنحت دراسة الطب لتفوقها