هل المظاهرات فوضى؟

يوسف السندي
بعد استقالة حمدوك ظهر الحديث من البعض عن أن البلد تسير نحو الفوضى وأن السودان في وضع خطير، وهو قول يستبطن تحميل المظاهرات والثوار المسؤلية، بينما الحقيقة ان البلد ليست في فوضى وليست في وضع خطير، بل البلد الان تتجه نحو النظام بصورة غير مسبوقة في تاريخها.
الذي يمر على عمل البنائين والمهندسين وهم في مرحلة البناء سيرى ما يظنه فوضى من تناثر ادوات البناء في كل مكان، هذا الشخص حين يمر في المستقبل ويرى البنيان المكتمل، سيخجل من وصفه الأول ذاك، هكذا الثورة، تناثر المظاهرات والمواكب في كل مكان في السودان يظنه البعض فوضى بينما هو النظام بعينه ولو جاءوا في المستقبل وشاهدوا الوطن المكتمل سيخجلون من هذا الوصف، فشكرا لمهندسي الشوارع وبناءين المظاهرات اولاد وبنات السودان الميامين.
الذين يصفون خروج الجماهير للشوارع ومواظبتها على الفعل الثوري السلمي من أجل الحكم المدني والحرية والعدالة، بأنه وضع خطير ومأساوي في البلد، يفضحون انفسهم، ويثبتون انهم غير مؤمنين بالمدنية ولا بحق التظاهر السلمي ولا الحريات ولا بسلطة الشعب، ولو كان هؤلاء في مكان البرهان او مليشياته لفعلوا بالمتظاهرين نفس الذي يفعلون.
لو كانت الثورة مذبحة وهدرا للحياة كما يتحدثون، فلماذا يتم تعظيم شأن الثورة الفرنسية والأمريكية، لماذا نبجل تاريخنا الوطني الثوري اذا كانت الثورة عمل خطير يهدد تماسك الوطن؟! لماذا يقدس الناس في كل مكان شهداء الحرية؟ الشعب الذي يموت من أجل الحرية هو في الحقيقة الشعب الوحيد الذي يحيا، الذين يحيون من أجل الراحة والفرح الكاذب تحت حكم الظلم لن يخلدوا، سيموتون في النهاية، ولكنهم سيموتون بلا أثر ولا قيمة، ليست الدنيا دار حياة وانما دار عمل، والثورة ضد الظلم افضل الأعمال.
كذلك هناك الذين ملوا من تطاول أمد الثورة السودانية، كانوا يريدون نجاحا سريعا للثورة السودانية، وهؤلاء ينسون ان ما يأتي سريعا يذهب سريعا، انتصرت ثورات أكتوبر وابريل بسرعة ولكنها سقطت أيضا بسرعة، التاريخ يذكرنا بأن السرعة التي انتصرت بها تلك الثورات كانت مشابهة للسرعة التي فقد فيها الشارع الثورية ودعم المدنية وعجز بعدها عن حماية النظام الديمقراطي فانهار بسرعة تحت (بوت) اول انقلاب عسكري.
ان كان النجاح السريع للثورة قليل التكلفة في الأرواح، إلا أنه سريع الاختفاء، رغم التكلفة الباهظة التي دفعها الشعب السوداني الا ان تطاول أمد ثورة ديسمبر كثير الفوائد عل مستقبل السودان، وسيساهم في تجذير المفاهيم الثورية والروح السياسية ومطالب الحرية والعدالة وحكم القانون داخل المواطنين وبالاخص في الاجيال الجديدة، وهو ما قد يكون كافيا جدا لحماية النظام الديمقراطي القادم من خطر الانقلابات العسكرية.



