مقالات وآراء

الفكر “الإنساني” وإدارة الدول في التاريخ الإسلامي !

صديق النعمة الطيب 
الفكر “الإنساني” وإدارة الدول في التاريخ الإسلامي ! .

يُنسب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرءان”، واضح جداً أنه رضي الله عنه كان يتكلم بلسانٍ سياسيٍ مبين ، فهو يعرف جيداً كيف تُدار أمور الناس من باب “اهو منزلٌ أنزله الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة”! فالقرءان يعمل في مستوى وجدان الناس وأخلاقهم ، بينما الدول لا تقوم على الضمائر والأخلاق ، وإنما على مبدأ سيادة حكم القانون ، والقانون السياسي تشريعٌ اجتماعيٌ تُفرزه حاجة الناس لتنظيم شؤون حياتهم المتغيرة أبداً ، في اطار ضوابط عامة وأُطر مرجعية عُليا . فالدولة تتكون من البر والفاجر ، وكلاهما مواطن وله كامل حقوق المواطنة. فالبعض يكفيه وخزة من ضميره والبعض يُقرع بعصا القانون الغليظة.

إذا أضفنا إلى هذا القول ، ماورد عن الامام علي كرَّم الله وجهه ، عندما صاح الخوارج بالمقولة التي أصبحت فيما بعد شعار كل الجماعات الإسلاموية الطامحة إلى الحكم “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”، فما كان منه إلا أن قال لهم بكبرياء العارف “نعم الحكم لله في الحلال والحرام ، ولكن الامارة للناس ، إن هي إلا قولة حق أُريد بها باطل”، وأردف قائلاً ، “القرءان بين دفتي المصحف صامت ، وإنما يتكلم به الرجال”. النص القرءاني ثابت ، ولكن فهم الناس للنص مُتحرك بحركة حياة الناس ، وإلا لما وجدنا في الاسلام خوارج وسنة وشيعة ومعتزلة وأشعرية وماتريدية وقدرية وإباضية وسلفية ودواعش وغيرهم والكل يدعي أنه على الحق .

ولنا أن نستأنس هنا بما جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَّم غنائم حُنين على المهاجرين والطلقاء ، ولم يعط الأنصار شيئا، فغضب بعضهم ، وبلغه ذلك فجمهم وخطب فيهم ثم قال: ” … أما والله لو شئتم لقلتم … أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك … أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعون برسول الله في رحالكم ؟ والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً والأنصار شعباَ ، لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار …”، فبكى الأنصار ، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً.

الخلاصة : السياسة هي محاولة ذكية ومرهقة ومستمرة لفهم الواقع المتحرك بهدف إدارته والتحكم في مساراته بوسائل تُرضي غالبية الناس وتحفظ حقوق الجميع بلا استثناء ، أما الدين فهو أداة إلهية تُهذَّب وتُقوَّم نفوس الناس ليُصبحوا مواطنين صالحين قادرين على إدارة أنفسهم ، فإذا كان القانون يحمل الناس على أداء واجباتهم ، فالدين يَحُضُّ الناسَ على تقديم الفضائل قرباناً لله تعالى واستسلاماً لأوامره ! .

[email protected]

‫3 تعليقات

  1. مقال جميل!

    بعض فقهاء الاسلام القدماء كان لهم فهما متقدما لماهية السياسة و منهم ابن عقيل الحنبلي الذي قال معرفا السياسة: (السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولا نزل به وحي.)

  2. أوافقك في مفهوم الآيات الدالة على الحكم بما أنزل الله أو الحاكمية لله وهي بالمعنى الأولي هي حاكمية الله على خلقه في كونه وقدرته على إنفاذ سننه ومشيئته، وهي حاكمية مطلقة ولا شك فيها فهي مرتبطة بالألوهية والربوبية ومن ثم متعلقة بالإيمان والإذعان والعبادة والخضوع التام من المخلوقات العاقلة منها والجماد على السواء لنواميسه وسننه ولا شيء يعجزه تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الاسراء. ومن هذه السنن والنواميس فرضُ هذه الهيمنة الإلهية الربوبية (الحاكمة) جبراً على الكافة مستثنياً بعض مخلوقاته العاقلة فقط(من الانس والجن) مخيراً لهم في مسألة الإيمان والعبادة والتسبيح مقابل الجزاء في الآخرة. فمن عبد الإله الرب الخالق عن قناعة وإيمان كان جزاؤه ثواباً ومن كفر وأعرض كان جزاؤه عقاباً.
    أما الحكم بما (أنزل أو نزّل الله) بين الناس فهو أولاً متعلق بالقضاء في الحقوق أو في الأشياء والأفعال بالتحليل والتحريم كما أوردت أنت عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعليه فإن الحكم بما أنزل الله في الأشياء والأفعال و العلاقات والأحوال يعني بما أنزل حكمه فيه من تحليل وتحريم. وثانياً ما أنزل الله فيي شأن الحكم بين الناس في الحقوق والمعاملات هو القضاء و الحكم بينهم بالعدل و القسط أو القسطاس في القسمة والوزن للحقوق والمساواة في المعاملة : قال تعالى في سورة النساء ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) – ولذلك قال في سورة المائدة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [45]، فالظلم هو نقيض العدل. كذلك قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] والكفر هنا بمعنى الرفض والخروج على أمر الله بالعدل. كذلك قوله تعالى في ذات السورة: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وهي أمر للنصارى ليحكموا يما جاءهم في الانجيل من تحليل وتحريم وعدل واذا لم يفعلوا فهم فاسقون أي عاصون لأمر الله. على العموم فإن الحكم بغير ما أنزل الله وحكم الجاهلية مقصود به الظلم أي نقيض العدل وأن العدل هو دائماً ما وافق ما أنزل الله وأن الظلم هو عكسه فما ربك بظلام للعبيد ولا يظلم ربك أحداً.
    أما ولاية أمور الناس وسياستهم فهي أمر آخر ويلتمس في سورة الشورى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) صدق الله العظيم. فالخطاب عام للمؤمنين أن تكون الشورى بينهم في كل الأمور الدنيوية بما في ذلك أمر الإمارة أو ولاية الأمر وسياسة المصالح؛ وهي الشورى بمعنى التماس رأي الأغلبية فى أمر الحكم والمصالح العامة – مع مراعاة شرط العدل بين الأغلبية والأقلية، فالعدل يوجب على الأغلبية مراعاة رأي وحقوق الأقلية وعدم استغلال الأغلبية الميكانيكية في كبت مصالح الأقليات وتهميشها سواء كانت أقليات إثنية أو دينية أو فئوية من حيث تمثيلها في مجلس الشورى أو الأمة أو الوطني أو التشريعي أو البرلمان إلخ.
    أما تاريخياً فطبقت الشورى ذات الفيتو لولي الأمر وهو النبي الكريم وحده في دولة المدينة (وإذا عزمت) وهنا وهم يعتقد به أصحاب الاسلام السياسي الحالمون بحكم الوصاية على الرعية وبدولة الخلافة الاسلامية أو الداعشيون اليوم وهو اعتقاد خاطيء سببه الخطأ التاريخي في استمرار نهج الشورى النبوية المنصوص عليها في سورة آل عمران وإهمال الشورى الملزمةلولي الأمر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم الواردة في سورة الشورى الآية 38 وهي شورى غير مشروطة بفيتو ولي الأمر (بل قد لايكون ولي الأمر مسلماً) وهي مساوية تماماً للديمقراطية الغربية وتسمو عليها بعدم أخلاقية إعمال الأغلبية الميكانيكية بما يضر بحقوق الأقليات. فالديمقراطية المشروطة كانت مشروعة للنبي الكريم وحده والذي لم يكن ينطق عن الهوى وانما هو وحي يوحى إليه، وهو وضع لا ينبغي لولي أمر بعده ولو أحد الخلفاء الراشدين ولا يجوز لمن لا يأتيه الوحي. يقول الحق تعالى مخاطباً رسوله االمعصوم في سورة آل عمران :((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ ۚ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْاَمْرِۚ فَاِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ ۗ اِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِيْنَ – ١٥٩)) – فهذه شورى الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهي محصورة في الأمور الدنيوية فقط وليست للمسلمين من بعده كما يعتقد جماعة الاسلام السياسي الذين لايميزون بين خطاب النبي الكريم وخطاب عامة المسلمين فمازالوا يرددون بغباء خطاب الله للنبي هو خطاب لنا؛ وانما شورى اليوم أو الديمقراطية الكاملة دون فيتو ولي الأمر فواردة في سورة الشورى الآية 38 (وأمرهم شوري بينهم) صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..