حين يُعامل المعلّم كمتّهم: مأساة التعليم في ولاية الجزيرة

ليست كل المآسي تُرى بالعين، فبعضها يُسمع في ارتجاف الصوت، ويُقرأ بين سطور الشكوى، ويُحَسّ في انكسار الكلمات.
وما قالته إحدى معلمات ولاية الجزيرة ليس مجرد إفادة عابرة، بل شهادة موجعة تختصر حال مهنةٍ كانت يومًا عنوان الكرامة، فأصبحت اليوم ساحةً للامتهان والإذلال.
تقول المعلمة: “أصبحنا مثل المتهمين والمجرمين، محتاجين شهادة حسن سير وسلوك من لجنة أمن الولاية حتى نتمكن من العمل ونشتغل في الامتحانات.”
أيُّ انحدارٍ هذا الذي يجعل المعلّم، صانع الأجيال، يقف في صفوف الشبهات؟
أيُّ زمنٍ هذا الذي يُطلب فيه من صاحب الرسالة أن يُثبت براءته قبل أن يُسمح له بأداء واجبه؟
لم يعد الأمر مجرد تضييقٍ إداري، بل صار إهانةً مكتملة الأركان.
“فيش وتشبيه” للمعلمين، وكأنهم خارجون عن القانون، لا حملة أقلام.
وكأن السبورة صارت قفص اتهام، والطباشير أداة جريمة!
ثم تأتي الضربة الأشد قسوة: مدراء مدارس، أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم، حُمّلوا أمانة عامٍ دراسي كامل، قادوا الامتحانات الصفية، وضبطوا إيقاع المدارس بعقولهم وخبراتهم… فإذا بهم في لحظةٍ واحدة يُقصَون من مهام “كبير المراقبين”، لا لقصورٍ في الأداء، ولا لخللٍ في الأمانة، بل لأن قرارًا صدر من “لجنة أمنية” لا ترى في الكفاءة معيارًا، ولا في الخبرة قيمة.
أيُّ عدلٍ هذا الذي يُكافئ الولاء ويُعاقب الكفاءة؟
أيُّ منطقٍ يقبل أن يُستبدل أصحاب الخبرة بـ”كيزان” لا يملكون من المؤهلات إلا الانتماء؟
إنها ليست مجرد قرارات، بل جريمة في حق التعليم، تُرتكب بدمٍ بارد.
فحين يُهان المعلّم، يُهان معه المستقبل.
وحين يُقصى الكفء، تُفتح الأبواب للجهل، ويتسلل الخراب إلى عقول أبنائنا دون استئذان.
المؤلم أكثر أن القضية وصلت إلى الوزير، ولم تُحل.
وكأن صرخات المعلمين لا تُسمع، أو كأنها لا تستحق السماع.
وكأن المعلم في هذا الوطن لم يعد له منبرٌ ينصفه، ولا سلطةٌ ترد له اعتباره.
يا سادة، إن المعلّم ليس موظفًا عادياً يُستدعى ويُقصى بقرارٍ أمني.
المعلّم هو حجر الزاوية في بناء الأمم.
وإذا ما كُسر هذا الحجر، انهار البناء كله، ولو بعد حين.
إن ما يجري في ولاية الجزيرة ليس مجرد أزمة إدارية، بل سقوطٌ أخلاقي في التعامل مع أهل الرسالة.
هو إعلانٌ صريح بأن الكفاءة لم تعد معيارًا، وأن الكرامة أصبحت ترفًا لا يُمنح إلا لمن يرضى عنه أهل النفوذ.
فأيُّ مستقبلٍ نرجوه، ومعلمونا يُذلّون؟
وأيُّ وطنٍ نبنيه، وأصحاب العقول فيه يُعاملون كمتهمين؟
إنها مأساة… نعم، لكنها ليست قدراً.
وما ضاع حقٌ وراءه مطالب، وما انطفأت شمعةٌ إلا وفي الأفق من يحمل الضوء من جديد.
لكن البداية تكون بالاعتراف: أن ما يحدث ظلم، وأن السكوت عليه خيانة.
رحم الله زمناً كان فيه المعلّم يُوقّر، لا يُستجوب… ويُكرّم، لا يُهان.



