التكنولوجيا والإخراج التلفزيوني (1)

د. الفاتح إبراهيم / واشنطن
في عصر التكنولوجيا الرقمية تم تطوير منظومة متكاملة من الأجهزة والبرامج عززت وسائل التواصل الاجتماعي بما في ذلك وسائل الانتاج والاخراج التلفزيوني .. وانتشرت اجهزة التصوير الفوتوغرافي والسينمائي حتى صارت في متناول كل من يريد اقتنائها .. كذلك صارت هذه الأجهزة متاحة من حيث الاسعار المعقولة وسهولة الاستخدام ..
خلال بحوثي في هذا المجال وجدت معلومة طريفة تشير إلى أنه لو تطورت السيارة بنفس الوتيرة التي تطور بها جهاز الكمبيوتر لصار ثمن السيارة الآن خمسة دولارات !!
ونرى كل يوم آثار التطور التكنولوجي المتسارع في المجتمع متمثلا في الدور الذي تقوم به هذه الأجهزة المحمولة في رصد الاحداث سواء كانت مخالفات في حركة المرور او حتى في وقوع الجريمة وامن المواطن مما كان له اثرا كبيرا في سير احكام القضاء وخدمات الشرطة وأجهزة الامن ..
هذا من جانب الهواية ولكن تظل جوانب الاحتراف المهني وتجويد العمل فنيا يحتاج الى دراسة وتخصص وليس كل من هب ودب يستطيع ان يخرج وينتج مادة تلفزيونية تجذب جمهور المشاهدين .. ومعروف ان تقنية الإخراج وفنونه تحتاج إلى دراسة وتدريب وكفاءة لاستخدام تقنيات وأجهزة مختلفة بالإضافة إلى الوسائل المساعدة من صور ثابتة ومتحركة وموسيقى تصويرية ومؤثرات صوتية وغير ذلك .. وقبل ذلك كله لابد ان يستند العمل على دعامة من نص “سيناريو” مكتوب بحبكة فنية محترفة ..
ما دفعني الى كتابة هذا المقال انني كلما اشاهد بعض المواد الدينية أصاب بالدهشة والإحباط من فرط سذاجة وسطحية من يقومون بإخراج وإنتاج هذه المواد رغم أهميتها وتأثيرها على المجتمع .. اما المسلسلات خاصة التاريخية فحدث ولا حرج فإنه يتم اخراجها بأسلوب لا يغري بالمشاهدة ..
مثلا في بعض المسلسلات التاريخية يتم تصوير اشهر الابطال والقادة الحربيين الذين هزموا أقوى الامبراطوريات حيث تمددت الإمبراطورية الإسلامية لتغطي معظم ارجاء الا رض المعروفة يتم تصويرهم وعرض تلك الحقبة التاريخية وابطالها بطريقة تدعو للرثاء .. ترى أولئك القادة الابطال في المسلسل يتكلمون بطريقة درامية عاطفية واصوات متهدجة .. وبذلك تصطدم الصورة التي تظهر بها هذه الشخصيات على الشاشة بالصورة التي كونها المشاهد في ذاكرته من خلال المعلومات التي تلقاها بوسائل أخرى كالقراءة ..
يحدث هذا بسبب الإخراج الضعيف وغياب المهارة والملكة الفنية في رسم الشخصية Characterization
وفي المقابل يلاحظ المرء قوة الإخراج والمؤثرات الصوتية في البرامج والأفلام التاريخية الغربية التي أحيانا يبالغ منتجوها في تعظيم ابراز دورها التاريخي مما يكون له الأثر الكبير على فكر المتلقي ..
وعلى سبيل المثال في بعض البرامج يظهر على شاشة التلفزيون احد الخبراء يطرح موضوعا هاما للنقاش غير انه سرعان ما يختفي المتحدث الا من صوته وتمتلئ الشاشة بلقطات من شوارع مدينة حديثة مثل نيويورك حيث الطرق السريعة والسيارات والقطارات واشارات المرور حين يقف الناس في انتظار الضوء الأخضر لعبور الشارع !! كل ذلك يتم عرضه بينما يستمر المتحدث في مواصلة الحديث محاولا طرح قضية هامة في التراث او شرح احدى آيات القرآن الكريم !!
لا علاقة البتة بين ما يدور من حديث وبين ما يعرض على الشاشة من مناظر ..
وأحيانا يٌعرض الى جانب شوارع المدينة وناطحات السحاب مناظر لانهار واشجار وطرقا ربما يمر عبرها احداهن أو احدهم من الذين يقومون بممارسة رياضة الجري في زي الملابس الرياضية ..
تلك مشاهد ربما كانت تناسب المحتوى الذي صورت من اجله ولكنها لا تناسب برامج ومحتوى وسياق مختلف تماما عن الأصل ..
وهذا لا ينسحب فقط على المواد المصورة، ولكن ايضا يطال المؤثرات الصوتية ببث اناشيد وموسيقى جنائزية تذاع كخلفية للمحتوى مما يشوش على عقل المشاهد الجاد فيعجز عن متابعة المادة فيضطر الى الفرار من القناة حفاظا
على اعصابه ..
علاج هذا الداء بسيط جدا وهو أن نستهدي بالمثل العربي الذي يقول: أعط الخبز لخبازه حتى لو أكل نصفه ..
هذا ما ارتأيته من مشاهداتي لبعض البرامج ..
وينسب الى الامام الشافعي له الرحمة قوله: قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ..




لو شاهدت تلفزيون السودان والقنوات التجارية الأخرى، ربما تكون لك أكثر من رأي !
دكتور بتاع كلو ،
تكنولوجيا الإخراج ، وتصليح الساعات .