مقالات وآراء

ندوبُ النساء.. الحكايةُ التي لا تنتهي بانتهاءِ الحرب

.. قصة قصيرة

عروة علي موسى

بسم الله الرحمن الرحيم

لم تعرف متى انشقّ الزمن، ولا متى صار الجسدُ ممرّاً.
كانت تقول في سرّها إن الليل نزل دفعةً واحدة، لا على المدينة، بل عليها وحدها. منذ ذلك الحين، صارت الأشياء تُرى بنصف نور: الوجوه، الأبواب، حتى النداء. كأن العالم فقد إحدى عينيه حين أُغلقت عيناها قسراً.
لم يكن ما حدث خطيئة عابرة، بل طقساً وحشيّاً، أُقيم على جسدها كما تُقام القرابين.
رأت الحيوانات المفترسة بجلودٍ بشرية، تفترس بلا جوع، وتترك خلفها أثراً لا يُمحى. وحين انسحبوا، لم يتركوا صمتاً، بل تركوا ضجيجاً داخليّاً لا يهدأ. صار جسدها ذكرى تمشي، وروحها باباً لا يُطرق إلا بالعنف.
بعدها، تعلّمت أن تمشي بخفّة، كأنها تخاف أن توقظ ما سكن فيها.

كانت تلمس الجدار لتتأكد أن العالم ما زال صلباً، وتعدّ أنفاسها كما يُعدّ المهموم ساعات الليل منتظراً انبلاج الصباح. لكن كل هذا لم يكن يُنقذها، بل يعيدها إلى النقطة نفسها: سؤال بلا جواب، وجرح بلا اسم.
الناس من حولها كانوا مرآةً مكسورة.

لم يروا الدم، بل رأوا الشبهة. لم يسمعوا الصراخ، بل سمعوا الحكاية بعد أن بردت. صار جسدها ساحةً ثانية للحرب، تُخاض فيها المعركة بالأعين والكلمات، ويُنتصر فيها على الضعيف بصمتٍ أنيق.
في مكانٍ آخر، كانت الحياة تُستعاد على مهل.

المقاهي تُفتح، والكراسي تُمسح من غبار الخوف، والقهوة تُسكب كأن المرارة قابلة للضبط. يجلس رجلان متقابلين، يتبادلان النكات، ويختلفان في التفاصيل الصغيرة: سكرٌ أكثر أو أقل، كأن العالم لم يذق طعم الدم. السلام يمرّ بين الطاولات خفيفاً، لا يلتفت إلى ما تحت الأرض.
تسمع ـ من بعيد ـ أن الحرب لا بد أن تخمد، وأن الخصوم سيجدون لغةً مشتركة، وربما طاولةً واحدة.
تبتسم ابتسامة لا تُرى. تعرف أن المصالحة تشبه المطر: تُنقذ الأرض، ولا تُعيد الشجرة التي اقتُلعت من جذورها. ما فيها قد انكسر في مقامٍ لا تصل إليه الاتفاقات.

في ليلها، تجلس وحدها، وتخاطب جسدها كما يُخاطَب اليتيم: اصبر.

لكنها تشعر أن روحها عالقة بين عالمين: لا هي حيّة كما ينبغي، ولا هي ميتة بما يكفي لتستريح.
وهكذا، بينما تمضي الحرب نحو نهاياتها المحتملة، تبقى هي واقفة عند بدايتها.

المأساة ليست في أن الخصمين سيتصافحان، بل في أن أحداً لن يصافح هذه الروح المكسورة. فالحروب تنتهي على الخرائط، لكنها تبدأ في وجدان النساء كجرحٍ مفتوح لا يبرأ، وكحكايةٍ حزينة لم يُكتب فصلها الأخير بعد، فصلُ الروح التي انكسرت وبقيت وحيدة في العتمة.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..