?استغلال النفوذ? ركلت حكومة الولاية الشمالية أحكاماً قضائية نافذة واستعاضت عنها بقرارات إدارية .. ترى هل يمكنها التراجع؟

الخرطوم ? محمد عبدالباقي
لا يطعن في نزاهة القضاء السوداني إلا صاحب قرض دنيء، فهذا الجهاز العملاق ظل مثالاً للطُهر والعفة منذ نشأته، لكن رغم ذلك يحاول بعض التنفيذيين الصغار الالتفاف حول أحكامه القاطعة والناصعة في آن واحد.
في هذا السياق، ابتدرت آمنة مختار، وكيلة ورثة المرحوم سري عمر نصر، حديثها في المؤتمر الصحافي الذي عقده ورثة سري عمر أمس (السبت) بالخرطوم، لتوضيح ملابسات تدخل حكومة الولاية الشمالية ومحاولاتها المتكررة بتعطيلهم عن الاستفادة من قطعة أرض بمنطقة أوربي في محلية القولد تعرف بالساقية (92).
قالت آمنة: إن (85) قاضياً على مدى سنوات نظروا قضية الساقية (92)، جاء حكمهم جميعاً لصالح الورثة، لكن حكومة الولاية الشمالية تدخلت بقرارات إدارية عطلت بموجبها أحكام القضاء النافذة، مما سبب أضراراً مادية ومعنوية للورثة وللمزارعين أيضا.
(1)
ترجع القضية إلى أنه بتاريخ الأول من مايو من العام 1935م قام سري عمر نصر باستئجار أرض الساقية (92) ومساحتها (230.7) فدان وفقاً للمستندات التي قدمتها أمس (السبت) وكيلة الورثة، كأول مشروع زراعي يروى بالطلمبات في الولاية الشمالية، وقد تم تجديد عقد إيجار الساقية في العام 1940م ولكن بعد خمسة أعوام ? أي ? في العام 1945م لم تكن هنالك ضرورة لتجديد العقد، لأن مياه النيل انحسرت وتوقفت الزراعة بالمنطقة ولم يرتفع منسوب النيل إلا في العام 1998م.
ووفقاً للمستندات فقد تمت إعادة تسوية لأراضي منطقة أوربي ومن ضمنها تم تسجيل الساقية (92) في اسم حكومة السودان ومن ثم تسجيلها في اسم سري عمر نصر، وكان نص قرار إعادة التسوية الآتي: ?عند إعادة تسوية وإعادة تسجيل هذه الساقية، اتضح أن ملاكها هم الذين يضعون أيديهم عليها، لذا قررت اللجنة تسجيلها بأسمائهم?.
(2)
إلى هنا كانت الأمور تسير وفقاً لمجراها الطبيعي، وهو أن لجنة إعادة التسوية قامت بتسجيل الأرض في اسم مالكها الحقيقي، كما أشارت آمنة مختار التي أضافت: ?لكن جميعة أوربي الزراعية ادعت ملكيتها للأرض وحاولت وضع يدها عليها، فكان الخيار هو اللجوء للقضاء وقد استمر التقاضي لأكثر من عشرة أعوام، بدأ بمحكمة الولاية الشمالية وانتهى بالمحكمة الدستورية في الخرطوم، وجميعها كانت أحكامها لصالح الورثة، لأنهم قدموا مستندات وأراوقاً ثبوتية تؤكد مليكتهم للساقية منذ تأسيسها في العام 1935م?.
انتهى القضاء كما أشارت آمنة مختار، واختفى من يدعون أنهم يمثلون جمعية أوربي الزراعية، ولكن لم تنه أطماع نافذين في حكومة الولاية الشمالية التي انتظرت حتى شرع الورثة في الإعداد لزراعة أرضهم فتدخلت بطرق عديدة فصلتها آمنة بقولها: ?ظل هؤلاء النافذون يرسلون صبية صغار يثيرون الشغب داخل الأرض ليتوقف العمال عن مزاولة أعمال الزراعة، ومن ثم تحريك بلاغات كيدية وكاذبة، ولم يتوقف الأمر هنا بل صارت ترسل قوة تقبض على العمال وتزج بهم في الحراسات، كل هذا دون أن نعلم كأصحاب أرض الدواعي التي تجعل حكومة الولاية الشمالية برمتها تعلن طمعها في قطعة أرض يمتلكها ورثة?.
(3)
توقفت أعمال إصلاح الأرض وتجهيزها للزراعة رغم أن الورثة أنفقوا مبالغ طائلة في تجهيزها وأكملوا العدة بتوصيل الكهرباء وشرعوا في فتح المضرب وغيره من الأعمال المكلفة مالياً. والحديث لآمنة مختار أن التوقف كان بسبب حكومة الولاية الشمالية ومعتمد القولد العميد أمير الجداوي، الذي أصدر وباتفاق مع رئيس المجلس التشريعي للولاية الشمالية نصر الدين قراراً إدارياً من مكتب الوالي أوقفوا بموجبه الزراعة، بحجة أن جهات ? لم يسموها- هددت بالاعتداء على أصحاب الأرض إذا استمروا في تجهيزاتهم للزراعة.
وأضافت آمنة مختار: ?تم منعنا العام الماضي بذلك القرار الإداري من استخدام أرضنا، ودخل أمير الجداوي معنا في تسوية طالباً منحه نصف الأرض مقابل أرض أخرى وعد الورثة بها، لكن حين رفض الورثة مساومته صمم على حرمانهم ومعهم أكثر من ستين مزارعاً من أهل المنطقة من حقهم القانوني في الاستفادة من الأرض، متجاوزاً القانون والأخلاق والأعراف?.
(4)
خلال المؤتمر المشار إليه، تحدث بخصوص القضية الأستاذ إسماعيل محمد توم، المحامي والمستشار القانوني لورثة سري عمر، مفنداً عدداً من النقاط المهمة بقوله: ?تدخلت الولاية الشمالية لصالح نافذين في الموضوع وأصدروا قرارا إداريا معيبا، عطلوا بموجبه أحكام القضاء ومن ثم بدأوا بمساومة عبر المستشار القانوني للولاية الشمالية الذي طلب مني شخصيا إقناع الورثة بالتنازل عن نصف الأرض مقابل أرض أخرى، تقع غرب الطريق القومي، وحين أخطرتهم برفض الأسرة بدأوا يلوحون بعصا منع الورثة من الاستفادة من أرضهم?. وأضاف أسماعيل ?المؤسف أن حكومة الولاية ساومت الأسرة لصالح أفراد لم تكشف عنهم، وهذا هو قمة الفساد الإداري المتمثل في استغلال المنصب لأجل مكاسب شخصية?. واستطرد إسماعيل ?ظهر تدخل حكومة الولاية الشمالية في هذه القضية من وقت مبكر جداً، وحين لم تسطع التأثير على مجرى القضية وهي أمام القضاء، لجأت أخيراً لحجة الانفلات الأمني في المنطقة، وهي حجة مرفوضة قانونيا ومنطقيا، لأنه ما دام القضاء قال كلمته، فواجب الدولة حماية صاحب الحق، وألا تعطله لصالح أشخاص تدعمهم في الخفاء، فحكومة الولاية الشمالية تتحجج بأن ممارسة الورثة لناشطهم الزراعي سوف يسبب انفلاتا أمنيا في المنطقة بعد تهديد جهات ? لم تسمها- لهم?.
(5)
ويرى إسماعيل محمد توم أن تدخل الجهاز التنفيذي لحكومة الولاية الشمالية بهذه الطريقة ضد أحكام القضاء، يعتبر نقطة كالحة السواد في وجهه، ويجب على السلطات العليا رده إلى الصواب احتراماً للقضاء ونزاهته ومكانته عند المواطنين الذين لا يزالون يثقون في عدالته.
وأبدت آمنة مختار تأييدها لما أثاره المستشار القانوني إسماعيل محمد توم، وتساءلت بقولها: ?هل قرارات الولاية الشمالية الإدارية فوق أحكام المحكمة العليا، أم أن هؤلاء النافذين الذين يختبئون خلف ظهر والي الولاية الشمالية ومعتمد القولد ورئيس المجلس التشريعي، يرون أن قضاة المحكمة العليا غير مؤهلين لإصدار أحكام صحيحة، وهم الذين كان ردهم واضحاً وشافياً، بأن القضية حُسمت في كافة مراحل التقاضي لصالح الورثة، وأي تدخل آخر يعتبر باطلاً?.
(6)
وتشير آمنة مختار إلى أنهم عمدوا لعقد مؤتمر صحفي لتوضيح حقائق قد تكون مغيبة على الدولة في أعلى مستوياتها، وهي أن حكومة الولاية ممثلة في والي الولاية علي العوض ومعتمد القولد العميد أمير الجداوي يقفون بأنفسهم في مواجهة الورثة والمزارعين، وأنهم يصارعون لأجل أشخاص نافذين في الولاية. وطالبت آمنة مختار الدولة في أعلى مستوياتها بإنصاف الورثة وإزالة تعدي الولاية الشمالية عليهم وفك الحجز الإداري لأرضهم احتراماً لأحكام القضاء الذي ظل ينظر في القضية من محكمة الموضوع وحتى المحكمة الدستورية، وجميع هذه المحاكم منحتهم حقهم، ولكن حكومة الولاية الشمالية ظلت معترضة على ذلك؟
اليوم التالي.



