مقالات وآراء

الاسلام والمسلمين دروس وعبر

د. الفاتح إبراهيم

 

 

“وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين” قول منسوب للشيخ محمد عبده عندما زار فرنسا في القرن التاسع عشر وقال قولته هذه عندما شاهد العدالة وحقوق الإنسان والمساواة وعاد إلى مصر (ام الدنيا) وشاهد الركود الاقتصادي والفاقة والفوارق الطبقية في طريقة العيش وهذا بالطبع ينطبق على كثير من البلاد التي تُدعى الاسلامية..

ونحن شعب السودان تعرضنا للهوان طيلة ثلاثين سنة من نظام شمولي يدعي الإسلام ورأينا نتيجة ذلك من خراب في كل شيء فاندلعت ثورة الشباب التي أودعته حيث ينتمي: مزبلة التاريخ. . حري بنا أن نقف نتأمل التجربة ونستفيد من تداعياتها ومهددات السقوط والهلاك التي ما زالت مستمرة ..
ليس الغرض من هذا المقال تمجيد كل ما في الغرب كما أنه ليس الهدف منه “جلدا للذات” حاشا وكلا وانما الغرض منه الاستفادة والعبرة والدرس من ثقافة اخوة لنا في الانسانية هم الشعوب الالمانية .. أقول ذلك وأنا ليس مصدري مما تتناقله الشفاه وانما عايشته بنفسي عندما كنت مبتعثا من حكومة السودان للدراسة في برلين .. ولعل من أكثر العبارات التي تعلمتها بسرعة من كثرة ترديدها اليومي وأنا حديث عهد باللغة الألمانية هي عبارات “ليس لدي وقت : يجب عليَّ أن اعمل”.. إنه الانضباط وحب العمل ..

ومعظم تلك القيم من حب العمل والتعاون والنظافة والاتقان والنظام في كل شيء ليست بغريبة على ثقافتنا وقيمنا الإسلامية التي نسيناها وهجرناها وابتعدنا عما تحتويه من أبعاد وعناصر حضارية .. فقد جاء في التنزيل الحكيم:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات – 13)
إنها دعوة صريحة للتواصل والتسامح والتعاون بين الشعوب ولا تميز إلا بالتقوى.

وتحضرني هنا وصية الامام علي عليه السلام لواليه على مصر مالك ابن الأشتر والتي طالب كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أن توضع على بوابة الأمم المتحدة كانت وصيته له: “الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الإنسانية والخلق”..

هذه مقدمة لأقصوصة اطلعت عليها في أحد الصحف الالكترونية رأيتُ أن أرويها للفائدة العامة بعد أن أدخلتُ عليها بعض التعديلات والصياغة اللغوية مما يناسب أيصال المعنى المراد ..
القصة يرويها أحد المسافرين أنّ الفتاة الألمانية التي وقفت خلفه في طابور الجوازات كانت في الرابعة عشر من عمرها تقريباً ،قالت لأمها وأبيها اللذان كانا معها لم أجد جواز سفري ربما أكون قد نسيته في الطائرة .. سألتها الأم إن كانت قد فتشت حقيبتها بشكل جيد
أجابت الفتاة بالإيجاب ..
فأشار والدها إلى ضابطة تساعد الناس في القاعة وقال لابنته اذهبي وكلميها ..
أما أنا فوجدت نفسي في حوار ذاتي وطفت على سطح الذاكرة الكثير من الاحداث والمواقف التي مرت بي في البيت والمدرسة والمجتمع ..
تعجبت كيف أن الأم والأب لم يوجها كلمة لوم واحدة لابنتهما ولم يتهماها بالإهمال أو الغباء ولم يأخذا حقيبتها ليفتشاها بأنفسهما ولم يقوما بمعاتبة بعضهما كأن يقولا :  كان علينا أن نحتفظ بالأوراق الرسمية بدلاً من الاعتماد عليها ..
هذا شعب لا يوبخ الآخرين على الماضي لأنهم يعرفون أن كلامهم لا يغير شيئاً مما حدث..
تعجبت كيف أن الوالدين قد أشارا على ابنتهما أن تتكلم مع الضابطة ولم يخطر في بال أحدهما أن يذهب بدلاً عنها ..
فلا يتصور الأب أنه قادر على إيجاد حل لم يخطر ببال طفلته ولا الأم تتصور ذلك .. وانه ليس من الصحيح أن يتحمل أحدهما المسؤولية بدل طفلتهما ففي ذلك إهانة لها ..
الجوازات هي الأخرى لم توبخ الفتاة بل قالت لها وضابطة
“سوف اتصل بطاقم الطائرة ليبحثوا عن جواز سفرك فهذا أمر مهم وجواز السفر ملك الدولة الألمانية ولا نريده أن يضيع وعليك أنت أن تعرفي أننا سنساعدك ونساندك وليس هناك ما يمنع دخولك بلدك ..
أنت في وطنك ويمكنك فور خروجك من المطار استصدار جواز سفر جديد من أي مركز خلال دقائق ..
وصلنا إلى ضابط الجوازات ..
وخرجت أنا قبل الفتاة وتدور في عقلي بعض الأسئلة :
متى يكون لدي هذا الهدوء والاطمئنان؟
متى نستطيع أن نقف بدون توتر امام ضابط أمن المطار رغم أننا أضعنا أوراقنا؟
متى تكون لكلمة “أنت في وطنك” هذا الإحساس المريح بالحماية والطمأنينة حقيقة في أوطاننا؟

 

[email protected]

‫5 تعليقات

  1. عندما تدخل صالة الوصول وتحدقك نظرات أفراد الأمن اللابسين ملكي عندها تستحقر كل التعاويذ والرقى وتذهب بالذاكرة بعيييييدا تبحث ماضيك هل على ما يمكن أن أسأل عنه؟

    كذلك الحال وأنت مغادر . حتى إذا ما هبط ببلد آخر تنفست الصعداء وقلت الحمد لله الإجازة مرت بسلام.

  2. السلام عليكم يا دكتور … ابوها دا زول باطل ودقوووسه ياخ أملاها كف ورجعها تترزع في البيت بلاش من خسارة تذاكر وكلام فاضي …

  3. يا أخي التغيير لا يتم بالتمني.. نحن في السودان والشرق الأوسط عامه لم نعاني مثل الشعوب الأوربية والآسيوية والأمريكان ويادوب بدينا في المعاناة الحقيقية بعد الثورة ورفع الدعم الحكومي واتوقع ان يقودنا ذلك لشحذ الهمم واحترام الوقت والعمل وتقليل الاستهلاك والعادات الاجتماعية وحتى الحكومية التي تصرف فيها الأموال بلا رقيب ولا حسيب.. هذه هي سنة الله في الأرض لولا المعاناة والمنافسة لما وصل الإنسان إلى ما وصل إليه اليوم من تطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى