المنبتون الجدد: البلابسة

حاتم الياس
حينما اندلعت انتفاضة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين مطالِبة بالتحرر وجلاء الاستعمار، في بواكير تشكّل البرجوازية السودانية العسكرية والبيروقراطية المدنية، كان ذلك جرس إنذار للأرستقراطية القبلية العشائرية ولبنيتها التي أعادت تشكيل ذاتها وتكييفها مع الشرط الاستعماري الجديد.
وقد قلت من قبل إن المجابهة العنصرية الحادة التي جوبه بها ثوار حركة 1924، والمذكرة التي أصدرها زعماء ووجهاء السودان وقتها مستنكرة صفتهم التمثيلية للشعب السوداني بالاعتماد على البنية العرقية والقبلية التي يفتقدونها، وبأنهم ما أولاد قبائل في التعريف السوداني، الذي هذّبه لاحقًا مجدي النعيم لأغراض أكاديمية وعلمية يستسيغها النشر في ترجمته لكتاب الباحثة اليابانية يوشيكا حول انتفاضة اللواء الأبيض، وترجمه إلى المنبتين؛ وهي ترجمة كما قلت مستساغة أكثر من شتيمة عبيد ساي أو ما أولاد قبائل عند مستوى أفضل.
إن لحظة المذكرة وما تلقّاها من أحداث هي لحظة فارقة في تاريخ السودان. فرغم أن مشروع حركة ثوار 1924 نفسه كان يتبنى في نظرته للتحرر ومقاومة الاستعمار أيديولوجيا الباشوية المصرية، التي كانت تحاول أن تجد موطئ قدم لمفهوم الأمة المصرية بالنظر إلى نظيراتها الأوروبية وانطلاقًا من إرث دولة محمد علي باشا؛ أي إن ثوار 1924 كانوا يتبنون مفهوم الأمة ذاته ولكن في سياق ممصرن. ولم يكونوا في الواقع إلا تجلّيًا طرفيًا وثانويًا لصراع البرجوازية المصرية ضد الاستعمار، مكانه السودان، بوصفه حالة تبعية للصراع بين الباشوية المصرية والاستعمار، وهو صراع استخدمت فيه الباشوية مفهوم الأمة المصرية بسودانها وبرمزية الملك، بينما كانت تخشى تحجيم طموحها الاقتصادي من القوى الاستعمارية الأوروبية.
في المقابل، كانت الأرستقراطية العشائرية السودانية وطبقة الأفندية الجديدة تخافان من إقصائهما من مركز الاقتصاد والسيطرة الطبقية إذا جاءت الباشوية المصرية ونجحت حركة هؤلاء المنبتين المنتمية إليها.
ومن الطريف أنه ومنذ تلك المذكرة – مذكرة كرام المواطنين- ظل السودان يوظف صيغة الصراع بين غريب أو منبت وود بلد. وكلما اشتد الصراع السياسي والاجتماعي حربًا أو سلمًا جرى استعادة روح تلك المذكرة المساندة للسلطة الاستعمارية والمتسائلة بإنكار من هؤلاء وإلى أي قبيلة ينتمون. وقد استعيدت بأشكال مختلفة: ففي يوليو 1971 كانوا الطرف الثالث الذي قام بمجزرة بيت الضيافة، وفي سنة 1976 مع الحركة الوطنية ومحمد نور سعد كانوا المرتزقة، ومع اشتداد الحرب على الجنوب في مطلع التسعينيات كانوا هم الخوارج واليوغنديين وبعد قيام مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية واندلاع العمل العسكري في شرق السودان كانوا اريتريين، وبعد معركة الذراع الطويل في ٢٠٠٨م كانوا تشاديين، وفي حربنا هذي أصبحوا عرب الشتات.
إن استمرار الخروج من المعتاد والميل إلى التوحش والقتل يُنسب دائمًا للغرباء، للطرف الثالث، أو كما في سرديات المركزية الأوروبية عن الآخر الإفريقي: المتوحشون، الكائنات غير المتحضرة التي لم يلمس وجدانها الإيمان المسيحي الأوروبي.
ولنكون أكثر وضوحًا، فإن مقولة الطيب صالح التي لطالما اختفينا خلفها ورأينا فيها أبلغ وصف خرج من أديب لوصف الكيزان: من أين جاء هؤلاء، هي نفسها ابنة تلك الذاكرة الاجتماعية والسياسية التي تقسم البشر بين أهل مدنية وتحضر، وأهل توحش وعنف، وإن جاءت في سياق سياسي وعنى بها جماعة الأفندية ذات الأصول الريفية التي استولت على السلطة في 30 يونيو1989.
لماذا سميت هذا المقال بالمنبتين الجدد؟ ليس ذلك محاولة لإيجاد شرعية موضوعية لنتيجة ما، وإنما وبصراحة مجرد أفكار تحتاج لفتح مساحات التفكير دون إضفاء نتيجة معرفية تشرعن قولًا أو وجهة نظر، بل حوارا نقول فيه: إن هذه الحرب اتخذت طابعًا قبليًا، أو ما سمي بالحواضن جهة الدعم السريع. فجاء المقاتلون تعبيرًا صريحًا عن بيئتهم القبلية في دارفور وكردفان وعن ثقافات مجموعاتهم، بينما في مناطق الوسط والشمال دخلت القبيلة في عباءة الدولة، وأصبحت مجرد ملمح ثقافي واجتماعي لا أثر له على الواقع إلا كتعبير سلطوي يمر عبر الذاكرة الاجتماعية التاريخية ليعتلي السلطة عبر تنويعات حضورها المدنية والعسكرية.
لذا حينما قامت هذه الحرب، لم يكن هناك بديل من توظيف فكرة الدولة ومؤسساتها ليصبح الجيش هو القبيلة الجديدة في خطاب الطبقة المسيطرة، وليكون في لحظة الخطر قبيلة لمن فاتهم الانتماء القبلي مثلما تقول لغة الاخبار (لمن فاتهم الاستماع) ، إزاء التعبير القبلي الصريح في بنية وثقافة مكوّنات الدعم السريع بأغانيها وأهازيجها وأم قرونها ولكنتها المغايرة لخطاب الدولة المطروح عبر إذاعتها وتلفزيونها وارتباطها الوثيق ببيئاتها. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام تحالف جديد نبذ خصومته القديمة بين المنبتين القدامى /الجدد وذاكرة الدولة الاجتماعية بمحتواها الطبقي، ضد البادية الناهضة بعنف ضدها وضد تهميش ذاكرة الدولة السلطوية لتلك البوادي.
ووجدنا أنفسنا أمام واقع جديد عاد فيه المقصيون القدامى من المنبتين للتحالف من جديد مع( أصحاب المذكرة القديمة) بعد أن( تدولنت) القبائل والعشائر والطوائف وأصبحت الآن سلطة وجيشًا وحكمًا إذاعة وتلفزيون ، في مواجهة تمرد القبائل وحروبها ومفرداتها وثقافاتها وعنفها الخارج من عباءة الدولة.
ترى من هم المنبتين الجدد؟ ليس للسخرية وإنما للمقارنة التاريخية فيبدو فعلا ان التاريخ يعود من جديد بمنطق خاص الراهن يظهر فيه منبتون جدد لكن في حالة تحالفية مع خصومهم القدامي ويبدو ان ( البلابسة) هم أولئك المنبتين الجدد.




البلابسة يظهرون عند ظهور الأبالـســــة رد فعل طبيعى لإعادة التوازن الكيفى