
ما أقسى أن ينجح ابنك في امتحانات الشهادة السودانية في معظم المواد، ثم تكتشف أن فرحته بالنجاح معلقة على مادة واحدة، وأن هذه المادة هي اللغة العربية التي ربما لم تكن لغة نشأته الأولى، ولا لغة بيته، ولا اللغة التي يفكر بها في حياته اليومية!
وأكثر ما يملؤني أسفًا، كلما جاءت نتائج الشهادة السودانية، أن تتحول فرحة النجاح عند كثير من أبنائنا إلى مناسبة أخرى لاكتشاف مقدار الظلم الذي يمكن أن يصنعه نظام تعليمي لا يزال يتعامل مع التعدد اللغوي في السودان وكأنه مشكلة ينبغي إخفاؤها، بدلًا من أن يراه ثروة ينبغي استثمارها.
والأشد إيلامًا أن الرسوب في مادة اللغة العربية يجعل التلميذ راسبًا في الشهادة السودانية كلها، حتى لو نجح في بقية المواد.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا. فهل يعقل أن يكون التلميذ قادرًا على النجاح في الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا وسائر المواد، ثم تُغلق أمامه أبواب الشهادة لأنه لم يحقق الدرجة المطلوبة في العربية؟
ربما يكون هذا التلميذ قد نشأ في بيئة لا تتحدث العربية لغةً أولى، وقد تكون أسرته ومجتمعه المحلي يتواصلان بلغة سودانية أخرى، وقد لا تكون العربية الفصحى حاضرة في حياته اليومية إلا داخل المدرسة.
فهل يكون إخفاقه في لغة التعليم والتقييم إخفاقًا في قدرته على التعلم؟ أم أن النظام التعليمي قد أخفق في الوصول إليه بلغته الأقرب إلى عقله ووجدانه؟
هذه ليست دعوة إلى إلغاء العربية، ولا إلى التقليل من شأنها. وإنما هي دعوة إلى إعادة النظر في علاقتها بالتعليم والتقييم.
فالعربية لغة سودانية واسعة الانتشار، وهي لغة ثقافة وأدب وتواصل لأعداد كبيرة من السودانيين، ومن الطبيعي أن يكون لها موقع مهم في التعليم والحياة العامة. لكن الاعتراف بمكانتها لا يستلزم إنكار اللغات السودانية الأخرى، ولا تحويل العربية إلى معيار وحيد لقياس ذكاء الطفل أو قدرته على التعلم.
فالسودان ليس بلدًا يتحدث أهله لغة أم واحدة. فلدينا لغات سودانية أصيلة كثيرة، من لغات النوبة في الشمال وفي الغرب والجنوب إلى الفور والمساليت وغيرها، ولكل لغة أصحابها وذاكرتها وأغانيها وأمثالها وحكمتها وطريقتها في تسمية الأشياء ورؤية العالم. فاللغة ليست مجرد كلمات نستعملها لكي نتفاهم؛ اللغة هي البيت الأول للعقل.
وحين يأخذ التعليم الطفل بعيدًا عن ذلك البيت، ثم يطالبه بأن يتلقى المعرفة ويؤدي الامتحان بلغة أخرى، فإنه لا يضيف إليه لغة فحسب؛ بل قد يضع بينه وبين المعرفة حاجزًا إضافيًا. ولهذا ينبغي أن نفرّق بين أمرين: تعليم العربية، وهذا حق وضرورة وفائدة. وفرض العربية باعتبارها اللغة الوحيدة التي يُقاس بها نجاح الطفل، وهذا أمر يحتاج إلى مراجعة. فالطفل يمكن أن يتعلم العربية، بل ينبغي أن يتعلمها، دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن لغته الأم. ويمكن أن يكون متعدد اللغات دون أن يكون أقل سودانية. بل إن التعدد اللغوي، إذا أُحسنت إدارته تعليميًا، يمكن أن يكون واحدًا من أعظم مصادر القوة في السودان.
المشكلة إذن ليست في العربية. المشكلة في اللغة الواحدة حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى معيار وحيد للمعرفة والنجاح.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى واقعنا الثقافي. فليس كل السودانيين يتحدثون العربية لغة أم، وحتى الذين يتحدثون العربية في حياتهم اليومية لا يتحدثون بالضرورة العربية الفصحى التي تُكتب بها المناهج والامتحانات. فالطفل قد يسمع في البيت لغة محلية أو لهجة سودانية، ثم يدخل المدرسة فيجد نفسه أمام لغة أكثر تجريدًا وتعقيدًا، ويُطلب منه أن يفهم بها العلوم، وأن يكتب بها الإجابات، وأن يُمتحن بها، ثم يُحاسب على مدى تمكنه منها. وهنا قد تختلط علينا الأشياء. فنحن نظن أحيانًا أننا نختبر معرفة الطفل بالمادة، بينما نختبر في الحقيقة قدرته على التعامل مع لغة الامتحان. ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط من تغيير المناهج، وإنما يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: بأي لغة يفكر الطفل؟ وبأي لغة ينبغي أن يبدأ رحلة المعرفة؟
لقد سبقتنا الوثائق الدستورية السودانية إلى شيء من هذا الفهم، حين أقرت اتفاقية السلام الشامل الاعتراف باللغات الأصلية السودانية واحترامها وتطويرها، وأكدت حقوق المجتمعات في لغاتها وثقافاتها. وكان ينبغي أن يتحول هذا الاعتراف إلى سياسة تعليمية عملية، لا إلى نص جميل في الوثائق. كان ينبغي أن نسأل منذ ذلك الوقت:
لماذا لا يتعلم الطفل النوبي بلغته إلى جانب العربية؟ ولماذا لا يتعلم طفل دارفور بلغته إلى جانب العربية؟ ولماذا لا تكون لغة الطفل المحلية جسرًا يعبر عليه إلى العربية والإنجليزية والعلوم والرياضيات وسائر المعارف؟ إن الطفل الذي يتعلم بلغته الأم لا يتعلم أقل. بل قد يتعلم بصورة أعمق، لأنه يبدأ من المعلوم إلى المجهول، ومن بيئته إلى العالم، ومن لغته إلى اللغات الأخرى. ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في فلسفة التعليم نفسها. لا نريد مدرسة تقول للطفل: اترك لغة أمك عند الباب، ثم ادخل. بل نريد مدرسة تقول له: ادخل بلغتك، وتعلم العربية، وتعلم الإنجليزية، وتعلم لغات أخرى، وافتح عقلك على العالم.
إن الحل ليس أن نستبدل العربية بلغة أخرى، فهذه ستكون إعادة إنتاج للمشكلة نفسها. الحل أن ننتقل من نموذج اللغة الواحدة إلى نموذج التعليم متعدد اللغات. ويمكن أن يقوم هذا النموذج على مراحل واضحة: في السنوات الأولى من التعليم، تكون لغة الطفل الأم أو اللغة المحلية الأكثر حضورًا في مجتمعه وسيلة أساسية لفهم المفاهيم وبناء القراءة والكتابة والتفكير. وفي الوقت نفسه يبدأ الطفل في تعلم العربية بصورة تدريجية ومنظمة، حتى تصبح لغة تواصل وتعليم مشتركة على المستوى الوطني. ثم تُعزَّز الإنجليزية بوصفها لغة للعلم والتكنولوجيا والتواصل العالمي. وبذلك لا يصبح الطفل مضطرًا إلى الاختيار بين لغته الأم والعربية والإنجليزية. بل يصبح امتلاك اللغات كلها جزءًا من تعليمه.
وهنا تأتي التكنولوجيا لتجعل الأمر أكثر قابلية للتنفيذ. إذا كان السودان يضم عددًا كبيرًا من اللغات، فلا ينبغي أن تكون الإجابة: «إذن لا يمكن التعليم بها». بل ينبغي أن يكون السؤال: كيف نبني النظام التقني الذي يجعل التعليم بها ممكنًا؟ يمكن إنشاء قاعدة وطنية رقمية للغات السودانية، تضم المفردات والمصطلحات التعليمية الأساسية، وأسماء الأشياء، والمفاهيم العلمية، والمواد الصوتية، والقصص، والنصوص التعليمية. ويمكن بناء أدوات ترجمة ومساندة تعليمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تساعد المعلم على الانتقال بين لغة الطفل الأم والعربية والإنجليزية. ويمكن تسجيل الدروس الأساسية بالصوت والصورة بلغات مختلفة.
ويمكن إنتاج كتب إلكترونية متعددة اللغات، بحيث يكون الدرس نفسه متاحًا بالعربية وباللغة المحلية وبالإنجليزية. كما يمكن إعداد قاموس تعليمي سوداني متعدد اللغات يبدأ بالمفاهيم الأساسية في الرياضيات والعلوم واللغة والتربية الاجتماعية، ثم يتوسع تدريجيًا. كما يمكن تدريب المعلمين من أبناء المجتمعات المحلية ليكونوا جسرًا بين اللغة الأم ولغات التعليم الأخرى. وهذا ليس مشروعًا لتدريس مئات اللغات دفعة واحدة. إنه مشروع يمكن أن يبدأ بعدد محدود من اللغات في مناطقها، ثم يتوسع تدريجيًا وفق الدراسات والإمكانات والكثافة السكانية وتوافر المعلمين والمواد التعليمية. المهم أن نبدأ بالفلسفة الصحيحة: اللغة الأم ليست عائقًا أمام التعليم، بل يمكن أن تكون بوابته.
وهنا أتوقف عند تجربة أعتز بها كثيرًا. فمن أكثر الأشياء التي تملؤني فخرًا أنني، ومع زميل عزيز، استطعنا أن نضع مقترحًا عمليًا لممارسة التعليم والتعلم باللغة الأم، لا بوصفه حلماً رومانسيًا جميلًا، وإنما بوصفه مشروعًا يمكن أن يصبح واقعًا.
لقد حاولنا أن نفكر في المشكلة بعقل مختلف:
إذا كانت المشكلة أن لدينا لغات سودانية كثيرة، فهل يعني ذلك أن التعليم بلغاتها مستحيل؟
لماذا لا نستعين بالتكنولوجيا؟
لماذا لا يكون لدينا برنامج إلكتروني ذكي يستطيع أن يساعد المعلم والمتعلم في الانتقال بين اللغة الأم والعربية والإنجليزية؟
ولماذا لا تُبنى قواعد بيانات للمفردات والمصطلحات التعليمية في اللغات السودانية المختلفة؟ ولماذا لا نستفيد من الكتب والمواد التي وُضعت بالفعل بلغات سودانية عديدة؟ لقد اطلعنا على مواد وكتب وكتابات بلغات سودانية أصيلة، ومنها لغات النوبة والفور والمساليت وغيرها، فوجدنا أن الطريق ليس مسدودًا كما يريد لنا بعض المتعصبين أن نعتقد. والمشكلة ليست في تعدد اللغات؛ المشكلة في عقولنا التي لا تزال تريد أن تدير هذا التعدد بعقلية اللغة الواحدة.
ثم تأتي مسألة الامتحانات، وهي ربما أكثر جوانب المشكلة حساسية. فإذا كنا نريد تعليمًا عادلًا، فلا يكفي أن نسمح للطفل باستخدام لغته الأم في السنوات الأولى، ثم نعيد إخضاعه في النهاية لنظام امتحاني يجعل اللغة العربية بوابة الشهادة كلها. ينبغي أن يكون التقييم قادرًا على التمييز بين ضعف التحصيل في المادة وبين ضعف الكفاءة اللغوية في لغة التقييم.
فاللغة العربية يمكن أن تكون مادة أساسية يتعلمها الطالب ويُقاس تقدمه فيها، لكن لا ينبغي أن تتحول صعوبة الطالب فيها إلى حكم شامل على قدرته العقلية أو العلمية، ولا إلى سبب يسقط به في الشهادة كلها، بينما هو ناجح في سائر المواد. وهذا يستدعي إعادة النظر في نظام الشهادة نفسه: هل الرسوب في لغة واحدة ينبغي أن يلغي نجاح الطالب في بقية مجالات المعرفة؟ أم يمكن أن يحصل الطالب على شهادته مع بيان مستواه في العربية، وإتاحة فرصة لاحقة لاستكمال المستوى المطلوب فيها؟
هذا سؤال تربوي يستحق نقاشًا وطنيًا جادًا، لا أن نتركه رهينة للعادات القديمة.
إن الشهادة ينبغي أن تكون أداة لقياس ما تعلمه الطالب، لا أداة لمعاقبته على البيئة اللغوية التي ولد فيها. كما إن السودان الذي نحلم به بعد هذه الحرب لا يمكن أن يكون سودانًا يعيد إنتاج أسباب الحرب نفسها. لا يمكن أن نتحدث عن المواطنة المتساوية ونحن نفرض على طفل أن يتعلم بلسان غير لسانه، ثم لا ننتبه إلى أن عجزه عن التعبير قد يتحول إلى عجز عن التعلم. ولا يمكن أن نتحدث عن السلام ونحن نرفض الاعتراف بالتنوع الثقافي الذي هو أحد أعمق حقائق السودان.
فالسلام ليس فقط أن تتوقف البنادق. السلام أن يتوقف الاستعلاء. وأن يشعر النوبي أن لغته ليست عارًا. وأن يشعر طفل دارفور أن لغة أمه ليست لغة هامش. وأن يشعر ابن الشرق أن لسان أهله ليس شيئًا ينبغي إخفاؤه. وأن يشعر كل سوداني أن وطنه لا يطالبه بأن يخلع لغته عند باب المدرسة حتى يسمح له بالدخول. إننا نحتاج إلى ثورة هادئة في مفهوم التعليم. ثورة تجعل لغة الأم نقطة بداية، لا نقطة إقصاء.
ثم نعلم العربية، لا بوصفها سوطًا ثقافيًا، وإنما بوصفها لغة تواصل وطنية واسعة. ونعلم الإنجليزية بوصفها أداة للانفتاح على العلم والعالم. ونحفظ اللغات السودانية الأخرى ونطورها، لا بوصفها بقايا ماضٍ ينبغي دفنه، وإنما بوصفها خزائن للذاكرة والمعرفة والثقافة. وهنا يمكن أن تصبح التكنولوجيا أعظم حليف لنا. فبدلًا من أن نقول: لدينا مئات اللغات، ولذلك يستحيل التعليم بها، يمكن أن نقول: لدينا لغات كثيرة، فلنبنِ التكنولوجيا والمؤسسات التي تجعل التعليم بها ممكنًا.
ذلك هو الفرق بين عقل يخاف من التنوع، وعقل يرى في التنوع ثروة. أما أن ننتظر كل عام نتائج الشهادة السودانية، ثم نفرح بنجاح أبنائنا وننسى أن بعضهم قد يكون قد نجح رغم حاجز اللغة لا بسبب امتلاكه لها، وأن آخرين قد يخسرون الشهادة كلها بسبب مادة لغوية واحدة، فذلك أمر ينبغي أن يؤلم ضمير كل معلم وكل أب وكل مسؤول عن التعليم. لا نريد أن نرى يومًا ينتهي فيه امتحان الشهادة السودانية، فيجلس الأب أمام النتيجة متسائلًا: هل نجح ابني لأنه فهم؟ أم لأنه استطاع، بشق الأنفس، أن يفك شفرة لغة الامتحان؟ نريد امتحانًا يكشف قدرة الطفل على التفكير، لا قدرته على التعايش مع لغة مفروضة عليه. نريد مدرسة تحترم عقل الطفل قبل أن تطالبه بحفظ الكتاب. نريد معلمًا يعرف أن مهمته ليست أن يفرض لسانه على تلميذه، وإنما أن يفتح أمامه أبواب المعرفة. ونريد نظامًا تعليميًا يرى في تعدد اللغات السودانية فرصة لبناء إنسان أكثر قدرة على الفهم والتواصل، لا مشكلة ينبغي التخلص منها.
لقد آن لنا أن نفهم أن الوحدة التي تحتاج إلى تهميش اللغات كي تعيش ليست وحدة، وإنما خوف. أما الوحدة الحقيقية فهي أن تقول لكل سوداني: تكلم بلسان أمك، وتعلم لسان وطنك، وافتح عقلك على لغات العالم. لن تكون أقل سودانية لأنك متعدد الألسن. بل لعلك، بهذا التعدد، تكون أقرب إلى السودان الذي لم نعرفه بعد. السودان الذي يتسع للجميع. والسودان الذي لا يطلب من الطفل أن يختار بين أمه ووطنه. فليكن التعليم متعدد اللغات بدايةً لذلك السودان الجديد. ولنجعل لغة الأم جسرًا إلى المعرفة، لا جدارًا بينها وبين الطفل.




المشكلة في أدوات القياس التعليمي.
ماذا تشغيل اللغة المعينة أو المادة مستقبلي الحياتي
اتفق معك تماما. الحل هو تحديث المنهج. لا ادرى ماذا يدرس الان لكن جيلى درس الشعر الجاهلي و الجناس و الطباق و غيرها. هذه المواضيع لا أعتقد انها تصلح لطلاب الثانوى. المنهج فى رائ يجب ان يكون اكثر عمومية و more practical. هذه المواضيع ربما تصلح لمن يريد التخصص فيها فى دراسته الجامعية.
جميل جدا ان يثار مثل هذا الامر ولاشك أنه فى غاية الأهمية ليس لانه يرنبط بمستقبل شباب فى مقتبل أعمارهم وهم يرومون نجاحا فى حياتهم بل أنه صار يهدد مصير وطن بكامله وهو يلغى مجموعات ثقافية وعرقية كاملة هى الاسبق وجودا فى تراب السودان.. أنه من المؤسف جدا ان تفرض لغة اية لغة كانت على فرد ما ويتحدد مصيره كليا على لغة ليست لغته ويتحدث بغيرها بالاضافة الى انه هناك انكارا تاما للغته رغم ان المتحدثين بها بالملايين وربما مئات الاف .. نظامنا التعليمى ظالم لانه لا يقر بوجود متجدثين بغير العربية وقد طرح المرحوم د منصور خالد سؤالا ىجريئا حين تساءل بقوله ان اللغة العربية فى حقيقتها هى لغة التوصل بين معظم السودانيين دون ان تفرضها الدولة ولكن ان تنص دساتير السودان على انها هى اللغة الرسمية للبلاد دون سائر اللغات فيه ظلم كبير على المتحدثين بغيرها بل ان الامر يتخطى مجرد اللغة ليأخذ بعدا سياسيا فمثلا فان ما قاله الشيخ على عبد الرحمن زعيم حزب الشعب الديموقراطى بان السودان بلد عربى ومن يرى غير ذلك فليغادره … لا يوجد مانع لتكون اللغة العربية احدى المواد الدراسية ولكن ان يرتبط النجاح فى الشهادة الثانوية على النجاح فى اللغة العربية فيه قدر غير يسير من الذلال للناطقين بغير العربية.. فلماذا لا تكون اختيارية او يستعاض عنها بمادة التربية الوطنية التى ارى اننا احوج اليها من مادة اللغة العربية؟؟ بل ماذا يفيدنا ان نفرض على الطالب غير العربى اشعار صعاليك الجزيرة العربية او شذوذ ابى نواس.. نحتاج الى مراجعة مناهجنا كافة بما فيها اللغة العربية لان الوطن ماعاد يحتمل اوجاعا تضاف لما هو موجود الان… نعن اللغة العربية لغة القران ولكننا نرى ان دولا اخرى ذات غالبية مسلمة ولكنها لم تتنكر للغاتها الاخرى الموجودة على اراضيها وتتحدث بها مجموعات سكانية فتركيا مثلا او الباكستان وليست ببعيدة عنا نيجيريا والتى تتصارع فيها مجموعات لغوية تتعدى الخمسمائة لغة .. بل لماذا نذهب بعيدا فالمملكة المغربية قد قطعت شوطا بعيدا باعترافها باللغة الامازيغية لغة رسمية فى البلاد فاصبحت بذلك دولة ثلاثية اللغة وقد عانت من صراعات من قبل ذلك القرار كادت ان تهدد وحدة المملكة ولكنها بشجاعة وبعد نظر ملييكها الراحل الحسن الثانى صرح ذات يوم بانه يفضل ان يخاطبه الطفل المغربى بلغة امازيغية مكسرة من ان يخاطبه ذات الطفل بفرنسيه تشبه لكنة شوارع سان دونيه او كونكورد الفرنسيين
لا اعتقد لغة التدريس مشكلة انا من جيل درس كل المراحل باللغة العربية وعندما دخلنا جامعة الخرطوم كانت لغة المقررات والتدريس هي اللغة الانجليزية وهي لغة العلم والعلوم وواجهنا صعوبة في الشهور الاولى لكن سلكنا بسهولة وتخرجنا نتحدث ونكتب باللغتين بل ننشر ابحاث رصينة باللغة الانجليزية وكانت هذه اللغات هي ميزة لكل من تخرج من جامعة فهو يمتلك مهارة لغتين والبعض منا توسع ودرسنا لغة ثالثة هذا ليس استعراض بل واقع وتجربة عشتها….
اذاً المشكلة ليست في لغة محتوى المقررات الدراسية.. بل المشكلة في مهارة وخبرة من يضع المنهج الدراسي ومحتوى المقرر ومن يوصل للطالب محتوى المقرر ليحقق اهدافه ومخرجاته والبيئة التعليمية ووسائل التدريس وطرقه عوامل مهمة في العملية التعليمية ذات المخرجات الجيدة … اما رمي اللوم على اللغة العربية (التي هي من اغنى اللغات بالمفردات والبلاغة) فهو من باب ايجاد زرائع واهية او تحقيق اهداف اخرى لا علاقة لها بالعلم.. وهل من يدرس بلغة الام ان كانت تلك اللغة مكتوبة دعك من انها ربما تكون لجهة منطوقة فقط وليس لها قواعد نحوية وإملائية يستطيع ان يفهم العلوم والرياضيات والطب والهندسة والعلوم والاقتصاد وعلوم اللغات وكل العلوم وهل في اللجهات السودانية المتعددة مصطلحات علمية او اديبة ونحوية وبلاغية يستطيع الطالب ان يعبر به ؟؟؟ تطوير وتحديث المناهج والمقررات وتحديد اهدافها ومخرجاتها لكل مرحلة تعليمية (طبعاً هناك فرق كبير بين المنهج والمقرر) لتواكب مناهج العالم وتسهم في التنمية البشرية والاقتصادية هو حجر الزاوية والاساس الذي يطور العملية التعليمية ويجعل الطالب يكتسب المعرفة اولاً ثم المهارات ثم التحليل والابداع كما هو معروف في الهرم التعليمي.. والهرم التعليمي يقلص الاعداد كما صعدنا الى قمة الهرم وليس المطلوب من العملية التعليمية تخريج كل الطلاب مبدعين بل كل مجموعة لها دور في الدولة حتى تلك التي اكتسبت المعرفة فقط.
انا منهدش من قول الكاتب تعلم بلغة امك ووو ؟ كم لغة منطوقة ومكتوبة في السودان هل يستطيع بلد فقير ان يؤسس مرافق تعليمية ويؤهل مدرسين ويضع مناهج لكل لهجة و لغة محلية.. !!! اعتقد اللغة العربية هي من يوحد السودانيين والوحدة تبدأ من اللغة واللغات الكثيرة المنتشرة في السودان تكون ركيزة للتنوع الثقافي والدراسات الجامعية للحافظ عليها وتطويرها …الخ وليس موضوع تفرقة ..وعدم مساواة …
(منطوقة فقط وليس لها قواعد نحوية وإملائية يستطيع ان يفهم العلوم والرياضيات والطب والهندسة والعلوم والاقتصاد وعلوم اللغات وكل العلوم وهل في اللجهات السودانية المتعددة مصطلحات علمية او اديبة ونحوية وبلاغية يستطيع الطالب ان يعبر به ؟؟؟ تطوير وتحديث المناهج والمقررات وتحديد اهدافها ومخرجاتها لكل مرحلة تعليمية) لم يكن الموضوع يمس دراسة اللغة العربية او استخدامها كلغة للتدريس انما الامر يتعلق بنجاح طالب فى مادة اللغة العربية فى الشهادة الثانوية واعتباره راسبا بغير ذلك .. لفت نظرى كاتب المقال بانه اشار فى الجملة اعلاه بان لغات السودان الاخرى لا قواعد لها وهذا محض افتراء لان القواعد هى التى تفيد ايصال المعلومة فالمضارع والماضى والمستقبل لابد ان تعبر اية لغة عن حالاتها بوضوح تام والادعاء بعدم وجود قواعد لا يعدو ان يكون محض فاتراء.. لغة التعليم لتكن العربية او غيرها فقد تعلمنا اكثر من لغة فى بلاد الفرنجة وتتشابه بعضها الى درجة التقارب فمثلا اللفة الفلمية التى يتحدث بها الهولنديون وقاطنو شمال بلجيكا قريبة جدا من اللغة الالمانية وهذا لا يضير التعلم باى منهما فالمنهج هو الذى يخرج فردا ناجحا.. تظل القضية الاساسية انه لا ينبغى ان يفرض النجاح على طالب غير عربى شرط النجاح فى اللغة العربية لاحراز الشهادة السودانية