النهج القطري

النهج القطري

شكر الله الجزيرة وهي تقف مع ثورات الشعوب، ولعن الله الجزيرة وهي تستثمر هذا الثورات لصالح الإسلام السياسي، فقد حرفتها عن مسارها، وشوهت دوافعها وأهدافها ? لقد خرج الناس للشوارع من أجل إسقاط أنظمة قمعية إستبدت بحقوقهم، ظلمتهم ونكلت بهم. فعزموا على إزاحتها وإفساح المجال أمام عهدٍ جديد، خالي من الفساد والإفساد، يعيش فيه الجميع تحت مظلة المساواة والعدالة الإجتماعية، ويتحقق فيه مبدأ التداول السلمي للسلطة دون إحتكار أو وصاية ? خرج الناس وهم عزلاً إلّا من إيمانهم بحقهم في الحياة والحرية، فزلزلت صرخاتهم عروش الطغيان، ولكن قبل أن تتهاوى تلقفها طغيان آخر، ظلّ يتحين هذه الفرصة وقد تهيأ لها من حيث العدة والعتاد، فقد حشد لها الأتباع، ورصد لها الأموال، وأعدّ المنصات الإعلامية. هذه الروافد جعلت يدهم طولى، ومكنتهم من سرقة ثورات الشعوب قبل أن يحين قطافها. وإن كان دور المال في ذلك مستتراً مع أنه محسوس، فقد كان دور الإعلام مفضوحاً، لقد ظهرت الجزيرة منذ الوهلة الأولى وقد رمت بكل أقنعتها خلف ظهرها، وأسفرت عن وجهها الحقيقي، ضاربةً عرض الحائط بكل شروط المهنية والموضوعية والنزاهة والحياد التي تقتضيها موجبات رسالتها كأداة لنشر الوعي والمعرفة، تلتزم جانب الحقيقة المبرأة من كل غرضٍ أو هوى، ولكنها أخرجت كل أهواء الذات المكنونة، وأظهرت ما كانت تستبطنه من إنحيازٍ فج لأهداف موكليها ومموليها ? فإستحالت من مؤسسة للإعلام وساحة للرأي والرأي الآخر كما تدعي، إلى وكالة للدعاية والإعلان ومنبراً للرأي والرأي الواحد فقط وحصرياً، همها الأول والأخير أن تُعلي من شأن تيارات التطرف الديني التي إنبثقت كأذرع لجماعة الأخوان المسلمين على علاتها وما تتسم به من فظاظة وتوحش. وتحط من قدر الآخرين رغماً عن نضالاتهم الطويلة والمريرة، وبين هذا وذاك لا بأس من بعض التملق والمداهنة لمنظومات التحكم الغربي من باب التقية أو الإنتهازية والمناورة.

لقد إتبعت الجزيرة سياسة مكشوفة تثمّن من دور جماعات الهوس الديني وتلمعهم علها تدفع بهم لإعتلاء موجة الغضب الجماهيري وصولاً إلى سدة الحكم، مع تسفيه دور الآخرين، وتشويه صورتهم وخنق صوتهم ما أمكن، وهذا اسلوب معتمد لدى جماعة الأخوان المسلمين التي تجيد الصيد في الماء العكر، أما بالنسبة لقطر فقد كانت أداتها التي تستخدمها من أجل أن توسع نفوذها وتحقق لنفسها مكانة تفوق حجمها، يتمثل في الدفع بأتباعها ومواليها للإستحواز على السلطة في بلدان الربيع العربي بغض النظر عن عن رغبات الشعوب وآمالها وطموحاتها التي كانت تتطلع لدولٍ يعيش تحت سقفها الجميع دون إذعانٍ أو وصايةٍ أو تسلط، فإذا بها تجد نفسها تدفع دفعاً نحو نظام حكم يقوم على أساس البيعة ذات الشرط الواضح والصارخ الذي يفرض عليهم السمع والطاعة في المنشط والمكره. فأصبح على الناس أن يختاروا ما بين السيء والاسوأ، وهذا ما عكس إتجاه بوصلة الأهداف وفقاً للرغبة القطرية التي تحلم بأن تطوع هذه الدول وتجعلها تدور في فلكها، ولكي يتحق ذلك لابد من إسقاط الدكتاتوريات القديمة وإستبدالها بدكتاتوريات دينية تلغى فيها إرادات الشعوب وخياراتها وتصبح كاملة الولاء للحاكم، الذي هو بدوره كامل الولاء للدولة التي هيأت له أسباب الوصول إلى سدة الحكم، و?لا ولاء لغير الله? يصبح هو الشعار الذي تكمم به الأفواه وتغم العيون وتوأد الأفكار، تحت إدعاء أن من يحكم هو الله، وأن الرئيس مفوض من قبله، يستمد قراراته وتشريعاته وبرامجه من السماء مباشرةً، فهو الحاكم بأمر الله، والمسئول أمامه عن إدارة شئون الدولة وتصريف أمور العباد، وليس لأحدٍ من أهل الأرض الحق في أن يحتج أو يعترض أو حتى يتبرم ويظهر بعضاً من علامات التزمر والضيق والإمتعاض، وإلّا كان مصيره مصير من يستنكر وينتقد إرادة الله وسننه في الخلق. هذه هو نوع الحكم الذي تدعمه قطر بمالها وإعلامها، مع ما فيه من تعارض وتصادم لما كانت تتطلع إليه الجماهير الثائرة، وقد أعدّ كفخٍ نُصب بليل لتسقط فيه شعوب دول الربيع العربي فريسة سهلة في قبضة الإسلام السياسي. أي أن يكون مصيرها بعد أن أسقطت نظماً ما كانت تدعي العصمة لحكمها، تعتمد في إدارتها للبلاد على التجريب فتخطئ وتصيب، وتتراجع في بعض الأحوال مثلما كان يفعل جعفر نميري متذرعاً بمقولته الشهيرة ?الثورة تراجع ولا تتراجع?. وهذا ما يفعله كل دكتاتورٍ بشري. فأرادوا أن يستبدلوه بدكتاتورٍ مؤله، لا يراجع ولا يتراجع، يدعي أنه يحكم بالحق الإلهي الذي يلزم الرعية بطاعة الراعي في ذلٍ ومسكنة، فلا صوت غير صوته، لا يقبل نصحاً أو تصويباً، مشيئته من مشيئة الله، رأيه منزهٌ وقوله الفصل، والخروج عليه خروجٌ عن الملة وكفرٌ مبين.

إذا كانت المعادلة تكمن في المفاضلة بين دكتاتورية لا تطعن في دين من يحتج عليها، وأخرى تكفر من ينتقدها وتبيح دمه، فلا ريب أن الأولى هي الأفضل. وهذا ما دفغ الشعب المصري لأن يتراجع عن مسيرة ثورته ويسلمها للعسكر طائعاً مختاراً، فإذا كان طريق الثورة يمر عبر بوابة واحدة تفتح على حكم الإستبداد الديني، فالأفضل غلق هذه البوابة والعودة لحكم العسكر لأنهم على الأقل لا يدعون أنهم ظل الله على الأرض، ولا يسعون إلى التمكين كما أنهم لا يقسمون الشعب إلى فريقين ?أخوان? و?لا أخوان? الفئة الأولى رغم قلتها وضآلة عددها وضحالت فكرها، تستأثر بكل شئ، المال والجاه والسلطة. والفئة الأخرى لا ينوبها غير القمع والإنصياع والإذعان، لقد كانت المعادلة واضحة أمام الشعب المصري بعد تجربة لم تتجاوز العام، لذلك إستدار إلى الخلف وهو يردد – كل شئ إلّا ?أخونة الدولة?- وأحييه على ذلك لأن السودان حين ?تأخون? ضاع.

سقوط حكومة الأخوان في مصر زلزل كيان الجزيرة وافقدها صوابها، فقد كانت إحدى القطبين اللذين أنعشا حلم قطر بأن يكون لها دور بارز في إعادة صياغة أنظمة الحكم في المنطقة بالطريقة التي تجعل الدول العربية تدور في فلكها من خلال حكومات تدين لها بالفضل والولاء وترتبط بها آيديولوجياً وفقاً للنهج ?القرضاوي?. ولكن تعجلها في تحقيق هذا الحلم هو الذي فضح أمرها وجلب لها إستعداء الآخرين? فبعد أن اصبح لديها فرعين في كلٌ من تونس ومصر، إضافةً لفرعها القديم في السودان، والنيران التي أشعلتها في الصومال. فقد إنفتحت شهيتها وصارت تطلب المزيد، وهذا ما دفعها لأن تتخطى الشعوب وتتدخل بشكل مباشر عن طريق الإعتماد على أتباعها في إدارة الصراع وفقاً للطريقة التي يجيدونها، فهم جماعة تقوم تربيتها على العمل في التنظيمات السرية التي لا تعترف بأدوات نضال الشعوب المعتادة من تظاهر وإضراب وعصيان مدني، فهذا مشوار يحتاج لنفسٍ طويل، ونتائجه مفتوحة على كل الإحتمالات. لذلك كان عليهم إختصار الطريق عبر فوهة البندقية. ولديهم الدولة التي توفر لهم التمويل والتسليح والمنصات الإعلامية، فخططوا لذلك وإستغلوا الحركات العفوية للشعوب، فأحالوها إلى تحركات مليشياوية مسلحة، وهم بذلك كانوا يظنون أنهم سيزيلون الأنظمة الحاكمة بصورة أسرع ويضمنوا الإستفراد بالسلطة، خاصة وأن موت القذافي وتنحي صالح لم يجعل الحكم خالصاً لهم. لذلك إعتمدوا طريقة الحسم العسكري، ولكنهم نسوا أنهم بذلك قد أعطوا هذه الأنظمة أسباب البقاء، حيث وفروا لها المبرر الكافي لأن تستخدم كافة الأسلحة في مواجهتهم وفي مواجهة الثورة السلمية، فأجهضوا نضالات الشعوب ومدوا في عمر الأنظمة بهذا التصرف الأهوج الذي نسف الثورة والدولة من الداخل، فأشعلوا النيران في كل الميادين والأحياء حتى أصبحت الطائرات تدك البيوت على ساكنيها.

بينما قطر منغمسة في هذه المعمعة، إنتفض الشعب على تابعها في مصر، وتمّ تدجين حليفها في تونس، وبدأ السودان يقترب من محور السعودية. لقد بدأت الأمور تنزلق إلى منحدرٍ سحيق. وجاء التدخل الدولي ليقضي على ما تبقى من ثمار الإنتفاضات الشعبية، فتبدد مردودها النضالي، وكانت المحصلة قتلى وجرحى، نزوح ولجؤ وأوطان مدمرة. ولم تسقط التفاحة بين يدي جماعة الأخوان، فتسرب حلم النظام القطري المجنون، ولم يجني في نهاية الأمر سوى المقاطعة، والخضوع لشروطٍ مذلة، لابد من الإنصياع لها رغماً عن إدعاءات السيادة وإستقلال القرار، فهذا ما جرته عليهم الأوهام الزائفة التي زينت لهم أن بإمكانهم يصبحوا حكاماً لدولة ذات كلمة مسموعة ومكانة مهابة عبر خزائن الأموال وابواق الإعلام وأن يتحكموا في مصير الدول من خلال فرض أنظمة تدين لهم بالولاء، ولا تدين لاوطانها.

ويبقى السؤال هل سوف ترتدع هذه الدويلة النشاذ، وتستجيب لهذه المطالب التي تلزمها بفك إرتباطها بالكيانات المتطرفة؟ أظن أن ذلك ليس بالأمر السهل، لأن النظام الحاكم في قطر وتنظيم الأخوان المسلمين هما توأم سيامي ملتصق الرأس مما يجعل عملية الفصل بينهما لابد أن تؤدي لموت أحدهما ? فهل يذهب النظام أم ينتهي التنظيم؟ مهما كانت النتيجة فإن ذلك يعني موت النهج القطري الذي ساعد في القضاء على ثورات الربيع العربي، ثمّ قضي على نفسه في النهاية.

عثمان محمود
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. كم استلمت ؟؟؟

    كم سعر رغيف الخبز عندنا و كم حرامي و آكل سحت ينعم بأموالنا ..؟؟
    شكلك خارج البلد و ما شايف الحياة المطينة بألف طين والراكبين الدرداقةو البايتين بدون عشاء …

    شوف الفيل يا حمار أفندي

  2. بكل أسف يكتب هذا الرجل عن قضايا عربية وخليجية في غاية الأهمية في الوقت الذى يجهل فيه الألمام بأبسط المعارف والمعلومات في الشأن الذى يكتب عنه
    عندما تكتب وترد أو تعلق على مقال فيجب أن تكون بينك وبين كاتب المقال أرضية من الفهم المشترك (ولا أقول الاتفاق )حول ما تكتبون وتتحاورون حوله..
    الأخ لم يفعل شيئا ولم يجتهد كثيرا في الموضوع بل قام بتجميع بعض نتافات
    التحليلات التي كتبها كتاب من منتسبى دول الحصار .. إعتمد على تلك
    المقولات والمعلوات ودفعها للقراءة ولكنه لم يحسن إعادة صياغتها مما جعلها مشوهة ولا تستحق الرد عليها
    نصيحتى للأخ أن يقرأ مجددا عن تأريخ الصراع في المنطقة الخليجية حتى يكتب عن فهم ومعرفة ذلك أن عداء دول الحصار ( وتابعهم قفة )لدولة قطر لم يبدآ مع البث الفضائى لقناة الجزيرة ..ولا مع ثورات الربيع العربى ؟؟؟؟

  3. كم استلمت ؟؟؟

    كم سعر رغيف الخبز عندنا و كم حرامي و آكل سحت ينعم بأموالنا ..؟؟
    شكلك خارج البلد و ما شايف الحياة المطينة بألف طين والراكبين الدرداقةو البايتين بدون عشاء …

    شوف الفيل يا حمار أفندي

  4. بكل أسف يكتب هذا الرجل عن قضايا عربية وخليجية في غاية الأهمية في الوقت الذى يجهل فيه الألمام بأبسط المعارف والمعلومات في الشأن الذى يكتب عنه
    عندما تكتب وترد أو تعلق على مقال فيجب أن تكون بينك وبين كاتب المقال أرضية من الفهم المشترك (ولا أقول الاتفاق )حول ما تكتبون وتتحاورون حوله..
    الأخ لم يفعل شيئا ولم يجتهد كثيرا في الموضوع بل قام بتجميع بعض نتافات
    التحليلات التي كتبها كتاب من منتسبى دول الحصار .. إعتمد على تلك
    المقولات والمعلوات ودفعها للقراءة ولكنه لم يحسن إعادة صياغتها مما جعلها مشوهة ولا تستحق الرد عليها
    نصيحتى للأخ أن يقرأ مجددا عن تأريخ الصراع في المنطقة الخليجية حتى يكتب عن فهم ومعرفة ذلك أن عداء دول الحصار ( وتابعهم قفة )لدولة قطر لم يبدآ مع البث الفضائى لقناة الجزيرة ..ولا مع ثورات الربيع العربى ؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..