مقالات، وأعمدة، وآراء

النيل الأزرق.. أسس التعايش السلمي

النذير إبراهيم العاقب

لاشك أن الأحداث الكارثية التي مر بها إقليم النيل الأزرق بدءاً من يوليو الماضي وحتى الآن أفضت إلى واقع مأساوي جراء الاقتتال الداخلي طوال الفترة الماضية، مقابل تجاهل كبير من قبل الحكومتين المركزية والمحلية، وتغاضى يكاد يكون شبه متعمد من الحكومة المركزية في الخرطوم، لعدم اهتمامها البائن بأحداث العنف الدامي التي مر بها الإقليم، بدليل أنه لحظة انطلاق طلقة نارية واحدة في إقليم دارفور، تجد جل قادة المجلس السيادي بدءاً من البرهان ونائبه حميدتي يهرعون وبأعجل ما يكون لموقع الحدث في دارفور، ولا يعودون إلى الخرطوم إلا عقب معالجة الأمر من حذافيره، مقابل تغاضي شبه متعمد لقضية ومأساة النيل الأزرق التي راح ضحيتها الآلاف من القتلى واضعافهم من الجرحى، الأمر الذي يفضي إلى التساؤل المحير، حول مدى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإقليم دارفور، مقابل إقليم النيل الأزرق.

تلك دون شك محاصصة كارثية وتوكد بما لا يدع مجالاً للشك أن السودان يدار بمحاصصات تفضيلية كارثية، من شأنها قيادة البلاد ككل لمزيد من التأزيم والتشرزم والتفتت.

ذاك هو الواقع المثل بحق في تعاطي حكومة المركز مع قضية إقليم النيل الأزرق الأخيرة، الأمر الذي يحتم ويستدعي ضرورة تغيير تلك النظرة الضيقة في التعامل مع قضايا كافة الأقاليم في السودان بذات القدر في التعامل مع قضايا إقليم دارفور، بدءاً من ضرورة تفعيل أسس ومبادئ التعايش السلمي في كل السودان، وخاصة إقليم النيل الأزرق الذي هو الآن في أمس الحاجة لإنزال تلك الأسس والمبادئ للتعايش السلمي على الأرض، والذي يعرف بأنه حالة تعيش فيها مجموعتان أو أكثر معاً في نفس المنطقة الجغرافية، مع إحترام كل منهم لاختلافات بعضهم البعض، وحل نزاعاتهم بطريقة سلمية، والميل إلى التسامح والتعايش والتعاون دون اللجوء إلى العنف، حيث يعتبر التعايش السلمي في هذه الحالة من القيم المهمة التي تحتاج إليها المجتمعات خاصة في كافة أقاليم السودان المختلفة.

ويتعلق بمفهوم التعايش بالمحبة والألفة، وتعايش الأشخاص إذا وجدوا في نفس المكان والزمان، والتعايش في مجتمع تتعدد طوائفه، ويعيشون فيما بينهم بانسجام ووئام على الرغم من كل الاختلافات من حيث الأديان أو الأعراق والإثنيات أو اللغات، ويعني كذلك بيئة يسود فيها التفاهم بين فئات المجتمع المختلفة دون اللجوء إلى استخدام القوة ضد بعضهم البعض، والتفاعل المثمر مما يدل على وجود العلاقة المتبادلة بين الأطراف المتعايشة.

من خلال ماسبق فإن الأمر يحتم على كافة المسئولين فى الدولة وإقليم النيل الأزرق، الشروع الفوري وبجدية صارمة لجهة تعديل الصورة المقلوبة للتعايش السلمي في النيل الأزرق، والعمل على جمع كافة المكونات الإثنية المتقاتلة في الإقليم وإقناعهم بالضرورة القصوى عن

الامتناع عن أي شكل من أشكال انتهاك السلامة والحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والشخصية والدينية لأي فئة أو جماعة أخرى، ومن ثم العودة إلى جادة الطريق السوي المنضوي على أساس المساواة الكاملة والمنفعة المتبادلة بغرض تلبية احتياجات إنسان ومواطني الإقليم كافة بأفضل طريقة ممكنة.

ولعل تحقيق  التعايش السلمي على أرض الواقع ليس بالصعوبة التي يعتقدها البعض في مثل هذا الخصوص،

وإنما هناك العديد من السبل والوسائل التي من خلالها يمكن الوصول إلى التعايش السلمي المطلوب، بدءاً بخلق رابطة من التضامن وثقافة السلام والوئام بين المجتمعات المختلفة، بالإضافة إلى تحديد قادة المجتمع المحليين لتدريبهم على تعزيز آلية المراقبة التي يقودها المجتمع لرصد السياسات الحكومية، وتبني الحوار السلمي باعتباره الحلّ الأساسي والأكثر فاعلية لحلّ النزاعات والخلافات، بجانب دعم المبادرات والمؤسسات التي تعتبر الحوار أفضل طريقة لبناء السلام الوطني والتعايش السلمي وتعزيز المواطنة المشتركة، شريطة إدانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومشاركة من عانوا من المظالم الجسيمة والانتهاكات التعسفية العديدة، والعمل من أجل الحفاظ على هذه الحقوق بغض النظر عن الديانة أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية أو أي معيار آخر، حيث يحق لكل إنسان هنا أن يُعامَل بإنسانية وكرامة، وكذلك التضامن مع كل المضطهدين في الإقليم، وخاصة أولئك الذين نزحوا من ديارهم بشكل قسري كنتيجة للأحداث الدامية، ومناشدة القوى السياسية ذات الصلة والمجتمع المحلي والقومي والدولي كذلك، إن استدعى الأمر، لاستخدام سلطتهم من أجل إعادة النازحين إلى مدنهم وقراهم وبيتهم، ونبذ استغلال الإثنية والقبلية والعنصرية في الصراع الاجتماعي والسياسي واستغلال المتطرفين للرموز القبلية، حيث تؤدي هذه الأفعال إلى الفصل والظلم والقمع بين أفراد المجتمع، مع إحترام وتقدير جميع أنواع التراث والعرقي والقبلي والثقافي واللغوي، والتي تعتبر جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في كافة المجتمعات، بجانب أهمية العمل على بناء السلام والتوصل إلى تفاهم متبادل مناسب بين أتباع الثقافات المتنوعة أو الأشخاص ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة لترسيخ تلك المبادئ والقيم الأساسية على أرض الواقع.

وذلك من منطلق الأهمية القصوى للتعايش السلمي

الذي ننشده في النيل الأزرق، بما

يتيح لحكومة الإقليم وكل المكونات السياسية والإثنية والقبلية تكوين مجتمع أكثر تعاطفاً وتفاهماً وتماسكا، بحيث يمكن الوصول من خلاله إلى اتفاقيات شاملة وفاعلة تفضي لحل النزاعات والمشكلات بشكل أسرع، لاسيما وأن تحقيق التعايش السلمي والفعال والمتناغم يساعد على ضمان بقاء الأفراد متحدين بالإضافة إلى تعزيز الرفاهية والتقدم، والقدرة على الفهم دون تمييز وقبول الاختلافات بدلاً من مهاجمتها أو انتقادها أو رفضها.

فضلا عن أن التعايش السلمي يُعتبر العمود الفقري لكل جانب من جوانب الحياة البشرية، من منطلق أهميته وضروريته لأي مجتمع يتم التعامل فيه بين العديد من المكونات الإثنية المختلفة في العرق واللون والجنس.

ولاشك أن للتعايش السلمي العديد من المبادئ الأساسية التي يشتمل ويرتكز عليها، وتتمثل في

التمسك بمبدأ المساواة في السيادة، إذ إن التفاعل والاعتماد المتبادل والمتزايد بين تلك المكونات لا يعني إهمال أو إضعاف مكانة ودور السيادة بأي حال من الأحوال، بجانب أهمية الاحترام والحفاظ على تنوع حضارات وثقافات المجتمعات المتعايشة في المنطقة المعنية، حيث تعزز هذه الاختلافات الإرث التاريخي القيّم، سواء كانت دينية أو ثقافية أو اجتماعية أو فنية، وكذلك

تعزيز التنمية المشتركة لاقتصاديات الإقليم على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة، مما يعني اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، والحق المتساوي في المنافسة على قدم المساواة، وأهمية

الحفاظ على السلام والأمن من خلال الحوار والتعاون والثقة؛، وذلك حفاظاً على أمن الأفراد والمجتمعات من العنف والتعصب والتطرف.

جل ماسبق يبين بجلاء علاقة التعايش السلمي بأمان المواطن، والمنبني على

تعزيز العدالة وحقوق الإنسان وتمكين الفئات الضعيفة، وتحسين توافر وجودة المعلومات والإحصاءات في الأمور المتعلقة بأمن المواطن، ودعم تصميم وتنفيذ ومراقبة المبادرات الخاصة بأمن المواطن والعدالة على المستوى المحلي والمجتمعي،

ودعم تطوير السياسة العامة لأمن المواطن والتخطيط الاستراتيجي للمؤسسات التحويلية لقطاع الأمن والعدالة،

ودعم وتعزيز القدرات للمشاركة في عمليات الحوار والوساطة وحلّ النزاعات كأدوات للابتكار وتحويل الصراع الاجتماعي وإعادة بناء الثقة،

وتطوير حلول مبتكرة ومنصات إلكترونية لمنع العنف وتعزيز أمن وسلام المواطن.

ولعل تلك الأسس والمبادئ التي من المفترض أن ينبني عليها الأساس الرئيسي لتحقيق مبادئ التعايش السلمي المطلوب في النيل الأزرق، بيد أن تحقيق ذلك واقعاً، لابد أن تعترضه معوقات تعيق الوصول إلى التعايش السلمي المطلوب، والمتمثلة في التعصب السياسي والعرقي والديني واستخدام العنف لتحقيق أهداف ومصالح ومزايا شخصية على حساب الآخرين، ناهيك عن النزاعات القديمة ونمو روح الانتقام بين الجماعات، حيث تسعى كل جماعة إلى تعظيم سمعتها وتاريخها بين الناس، وكثيراً ما ترى منافسيها كأعداء يجب التخلص منهم، بجانب العديد من

العوامل الخارجية مثل الاستقطاب السياسي المضاد والسعي لتفتيت التماسك المجتمعي باستخدام التحريض المضاد، بجانب عوامل داخلية مثل انهيار الأنظمة السياسية والاقتصادية،

وغياب سلطة المؤسسات الرسمية والمنظمات لدعم السياسات والقوانين التي تساعد على تعزيز التعايش السلمي بين مختلف فئات المجتمع الواحد، وأيضاً عدم حفاظ البيئة السياسية على التعايش السلمي من خلال تجاهل كافة الأفكار البناءة والمشاريع التي تهدف إلى بناء الوطن، وتعمل بدلاً من ذلك للحصول على مزايا سياسية على حساب الأطراف الآخري المشاركة في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الإقليمي الواحد.

تلك هي الأسس والمبادئ والسبل الكفيلة بتحقيق أكبر قدر من التعايش السلمي في النيل الأزرق، والمفضية بلا شك إلى تحقيق العديد من المكاسب والأهداف والقيم الإنسانية والتنموية والخروج بالنيل الأزرق من حجيم التقاتل والتشرزم والتفلت الأمني، وصولاً إلى مصاف تحقيق أكبر قدر من المصالحات القبلية الشاملة وإشاعة الأمن والأمان والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالإقليم والنهوض به من وهدته الراهنة والوصول به إلى أرقى مراقي النمو والتطور، فهل نطمع من الحكومتين المركزية والمحلية في النيل الأزرق بالتقاط القفاز وتسريع خطى المعالجات الشاملة لكافة المشكلات التي يعانيها الإقليم الآن؟!.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى