مقالات وآراء

الحركة الإسلامية تعتذر للسودانيين … بيان لم يكتب!!!

م. معاوية ماجد

في هذا الفجر الرمادي، يقف السودان متكئًا على عصاه من شدة الإرهاق، وينظر في المرآة فلا يكاد يعرف ملامحه. بلدٌ كان يُباهي بنيله، بصحاريه الممتدة، وبجباله التي تحتضن الريح، وبسهوله التي تشبه صدر الوطن وهو يفتح ذراعيه للجميع. بلدٌ عرف التاريخ منذ آلاف السنين، واحتضنت أرضه حضارات لا تنطفئ ذكراها، وهو اليوم لا يجد بين يديه إلا حفنة من رماد، ووجوهًا هائمة تبحث عن معنى الحياة.

هذه الأرض التي حملت من الطيبة قدر ما حملت من الكرامة، أصبحت الآن مثل شيخٍ جليل يختنق بصدره المكدود، ينتظر آخر زفرة قبل أن ينهار بالبكاء. ومن بين الدخان والعويل، ومن بين القرى المهجورة، ومن البيوت التي تحوّلت إلى ركام، يخرج نداءٌ أخير يشبه دعاء طفلٍ تحت القصف، وبكاء أمٍ فقدت ابنها، وصمت رجلٍ يحمل وطنًا على كتفيه: اعتذروا… ليس ضعفًا، بل رجاءٌ من الأطفال والنساء، ومن وطنٍ كبير ضاع صبره ولم يفقد كرامته.

يا جماعة الحركة الإسلامية… يا من أخذتم السودان إلى حافة الهاوية، اتركوا هذا البلد يلتقط أنفاسه، وارفعوا أثقالكم عن صدره. غادروا إلى تلك المدن التي صارت ملاجئكم، حيث خزائن الثراء الذي جمعتموه من أموال هذا الشعب، من قوته، من صحته، من حلمه. ماذا تركتم؟ قلوبًا مكسورة، شوارع مهجورة، مقابر لا تتسع للمزيد، نساءً محطّمات، أطفالًا تشردوا، وآباءً صاروا غرباء في بيوتهم.

لقد أكثرتم استعمال كلمة «الدولة» حتى ظن الناس أن بين أيديكم مفاتيح التاريخ، وأن صدوركم تحفظ ما كتبه عبد الله العروي في «مفهوم الدولة» عن شروط قيام الكيان العام ومسؤولية الحاكم ومعنى الشرعية. لكن الحقيقة أفدح من الوهم؛ فأنتم لم تروا في الدولة إلا غنيمة، ولم تروا في المجتمع إلا قطيعًا يُساق بالشعارات. أقسمتم أنكم ورثة «المدينة» وأنكم تعرفون روحها، لكنكم لم تمارسوا من هذا الميثاق شيئًا.

لو صدقتم يوم رفعتم راية «المدينة»، لعرفتم أن أول شروط العقد أن تُصان حقوق الناس قبل أن تُطلب طاعتهم، وأن يُرفع الضعيف قبل أن يُسترضَى القوي، وأن قيمة الدولة ليست في جدل النص بل في عدالة الفعل. ميثاق المدينة لم يكن آية للتفاخر، بل التزامًا لحماية المختلف، وعدلًا يسبق السيف، وشراكةً لا خديعة فيها. أما أنتم، فقد جعلتم من «المرجعية» عصًا، ومن «المدينة» اسمًا بلا روح، ومن الدين جدارًا تحتمون به لا طريقًا يُهتدى به.

لم تخلّفوا خصومةً سياسية؛ بل وجعًا يسيل من جدران كل بيت. تركتم النساء يحملن ذاكرة الألم وحدهن، والرجال يحملون خيبة الهزائم، والأطفال يولدون في عالم بلا أمان. الوضع لم يعد مجرد أزمة؛ إنه انهيارٌ كبير. سماءٌ ملبدة بغيوم ليست سحبًا، بل طبقات من الدخان والحرائق، بألوان لم يعرفها تاريخ البلاد: رمادي يشبه الركام، وأسود يشبه موت المدن، وأحمر يشبه القلوب المنكسرة.

ومع كل ذلك، يبقى السؤال: متى تنقشع هذه الغيوم؟ لن ينقشع “ظلم السفه” إلا إذا امتلكتم شجاعة الاعتراف بما فعلتم، إذا توقفتم عن تبرير أطماعكم أمام الأطفال الذين تاهوا عن مدارسهم، والنساء اللواتي حملن العار والدمع، والمدن التي احترقت ولم يُدفن رمادها بعد. اعترفوا كي يعود السودان إلى نفسه، كي تعود زرقة النيل وصحاريه وجباله وسهوله إلى نقائها الأول، ولتشعر القلوب أن الليل مهما طال، فالفجر ممكن.

اعترفوا، ولمّوا شعث النازحين، وأعيدوا الكرامة لمن سُلبت، واجبروا قلوب النساء التي انكسرت في الخفاء، وامسحوا دموع الأطفال الذين لم يعرفوا طعم النوم.

لا نطلب منكم بطولة؛ نطلب إنسانية… إن بقيت فيكم ذرة منها. لقد سقطت كل الأقنعة وتهشّم كل غطاء، ولم يتبقَّ لكم إلا مواجهة مرآة الوطن.

أما إن اخترتم الصمت، فواصلوا صنع الخراب في الخفاء واستنكروه في العلن، كما تفعلون اليوم في الحرب التي أشعلها ذراعكم الذي صار كيانًا ينهش قلب الوطن، ثم تتظاهرون بالبراءة وتلقون اللوم على الجيش الوطني. تختبئون خلف دخان المعارك، وتتركون الجنود والمواطنين يدفعون ثمن أطماعكم، بينما أنتم تمارسون لعبتكم القديمة: تشعلون النار ثم تقفون على الأطلال كأنكم شهود لا جناة.

فلعل هذه المرة، ولأجل آخر فرصة، تقولون كلمة تُشبه البيان الرسمي الذي لم تكتبوه أبداً!!!
اعتذروا للسودانيين… أو دعوا التاريخ يسخر منكم كما فعلتم أنتم بالسودان.

م. معاوية ماجد
[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..