أهم الأخبار والمقالات

الإنقاذ القاسي أو الضياع الأبدي: السودان تحت الفصل السابع

دكتور الوليد آدم مادبو

حين كتب المحلل السياسي أزهري أبو اليسر عبارته الصادمة “نكشح ليكم الحلة”، لم يكن يُلقي نكتة سودانية ثقيلة الظل، بل كان يختصر مأساة *دولة تُدار منذ الاستقلال بمنطق الارتجال، حتى بلغت حافة التلاشي*. وإذا صحّ ما أورده بشأن اتجاه الولايات المتحدة إلى التدخل تحت الفصل السابع من الأمم المتحدة، فإننا لا نقف أمام حدث عابر، بل أمام لحظة مفصلية تأخرت كثيرًا… وربما تأخرت أكثر مما يحتمل السودان.
منذ الاستقلال عام 1956، *نشأت الدولة السودانية على عجل، دون أن تُستكمل بنيتها المؤسسية أو تُرسّخ تقاليدها الإدارية*. لم يكن هناك مشروع وطني متكامل بقدر ما كانت هناك سلطة تتناوبها نخبٌ محدودة الأفق، عاجزة عن استيعاب تعقيدات بلدٍ متعدد الأعراق والثقافات. ومع مرور الزمن، لم تُعالَج هذه الهشاشة، بل تراكمت فوقها طبقات من الفشل، حتى جاءت الحركة الإسلامية لتقوّض ما تبقى من مؤسسات الدولة عبر مشروع “التمكين”، فصار الولاء التنظيمي مقدمًا على الكفاءة، وتحولت الدولة إلى أداة في يد شبكة مغلقة.

 

اليوم، لا يواجه السودان مجرد أزمة حكم، بل انهيارًا شاملًا في المعنى: *غياب للرؤية، تآكل في الأخلاق العامة، وانفلات من أي ضابط سياسي أو اجتماعي*. نخبٌ تتكسب من الحرب، وتستثمر في معاناة الناس، وساحة سياسية تكاد تخلو من رجال دولة بالمعنى الحقيقي. بلدٌ بهذا الاتساع والتنوع يحتاج إلى قيادة مؤهلة ورؤية استراتيجية، لكنه يجد نفسه أسير صراعات ضيقة وأجندات قصيرة النظر. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “حل داخلي خالص” أقرب إلى الوهم.
لهذا، فإن *وضع السودان تحت الفصل السابع—بقيادة قوة قادرة مثل الولايات المتحدة—لا ينبغي أن يُفهم كاعتداء، بل كإجراء إنقاذي يفرض حدًا أدنى من النظام في فضاء يتجه نحو الفوضى الشاملة*. فالمليشيات المتناحرة، والأطماع الإقليمية، والشبكات الأيديولوجية العابرة للحدود، كلها عوامل تجعل من السودان مرشحًا لأن يتحول إلى بؤرة تهدد الأمن الإقليمي، من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر.
وقد حذّر مفكرون سودانيون، مثل النور حمد، من أن *استمرار البنية الحالية للسلطة يفتح الباب أمام اختراقات إقليمية خطيرة*، تُفرغ الدولة من مضمونها وتعيد توظيفها في صراعات لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل. كما أن ما أُثير حول احتمالات تمدد نفوذ إيراني في البلاد، وفق إشارات أطلقها مسعد بولس، يكشف حجم الانزلاق نحو محاور إقليمية تُهدد ما تبقى من تماسك الدولة.
غير أن التدخل، إن لم يتحول إلى مشروع لإعادة التأسيس، سيظل مجرد إدارة مؤقتة للأزمة. المطلوب هو *وصاية انتقالية واضحة المعالم*—تمتد لسنوات كافية—يُعاد خلالها بناء الدستور، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية، ومعالجة جذور الأزمة الهوياتية التي ظلت تُدار بالإنكار بدل المواجهة. هذه ليست دعوة إلى مصادرة الإرادة الوطنية، بل إلى تأهيلها.
وليس في هذا الطرح ما يُخالف دروس التاريخ. فقد أثبتت تجارب ما بعد الحرب العالمية الثانية في اليابان وألمانيا أن *التدخل الخارجي، حين يقترن بإرادة داخلية صادقة، يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو نهضة مستدامة*. بينما فشلت تجارب أخرى لأن النخب المحلية تعاملت معها كفرصة للغنيمة لا كمسؤولية تاريخية.

 

وفي هذا السياق، فإن إعادة بناء الدولة ينبغي أن تتم عبر *شراكة دولية جديدة*، تُصاغ وفق شروط موضوعية، وتستفيد من التحولات الجارية في الإقليم على أن تُستبعد من هذه المعادلة القوى التي ساهمت في تأجيج الصراع أو استثمرت في استدامته. فإعادة الإعمار، في جوهرها، ليست مجرد عملية فنية، بل إعادة تموضع استراتيجي لا يحتمل المجاملة.
ويبقى ملف العدالة هو الامتحان الأهم. فجرائم الحرب والانتهاكات الواسعة لا يمكن أن تُترك لمؤسسات وطنية منهكة أو مخترقة. لا بد من آليات دولية مستقلة تضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين، وإلا فإن أي سلام سيكون مجرد هدنة مؤقتة فوق رمادٍ لم يبرد بعد.
ختامًا، السودان اليوم ليس أمام مفترق طرق تقليدي، بل أمام حدٍّ فاصل بين الوجود والعدم. كل ما جُرِّب من وصفات داخلية—تسويات، مبادرات، مؤتمرات—انتهى إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر عنفًا وتشظيًا. لم يعد الانهيار احتمالًا مستقبليًا، بل واقعًا قائمًا يتعمق كل يوم، ويُفرغ الدولة من معناها وقدرتها ووظيفتها.
لذلك، فإن وضع السودان تحت الفصل السابع من الأمم المتحدة لم يعد خيارًا مثاليًا يُقارن ببدائل أفضل، بل ضرورة تاريخية تُقارن بكارثة التلاشي الكامل. إنه الحد الأدنى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: *كبح الفوضى، تفكيك بنى العنف، إعادة تأسيس الدولة، وفتح أفق جديد للأجيال القادمة*. وما دون ذلك ليس دفاعًا عن السيادة، بل تواطؤ غير مباشر مع استمرار الانهيار.
إنها لحظة قاسية، نعم—لكن القسوة أهون من الفناء.

‫15 تعليقات

    1. المتفلسف المسمي نفسه مصطفى محمود: الدعم السريع وجرائمه هي أيضا من أكبر جرائم الجيش والجلابة أن كنت لا تدري لأن من أتى به هم الجيش والجلابة ومن عجز عن منع جرائمه هم الجيش والجلابة، إذا يحق للكاتب الإستمرار في سرد جرائم الجيش والجلابة لأنها المحور الأساسي وتجاهل جرائم الدعم السريع لأنها حدث تبعي ناتج عن إحدى جرائم الجيش والجلابة وهي صنع وتسويق الدعم السريع

  1. اولا الدولة جيش وهل امريكا الا بقوتها العسكرية .
    هذه الحرب اعادة انتباه السودانيين للجيش بعد ان حاول فئام من مجموعات اليسار السوداني تصوير ان الجيش السوداني بوضعه الحالي هو مليشيا لحزب معروف وظلوا يصورون ان هذه الحرب صراع بين قادة في الجيش السوداني . والمؤكد ان هذه الحرب عبارة عن تمرد مجموعة الصقت بالجيش في فترة توهان نظام البشير خلال عشريته الاخيرة هذه المجموعة التي تعتبر قوات غير نظامية (مليشيا قبلية) نعم انشأها نظام البشير للحفاظ على حكمه ولله الحمد كانت هي السبب الرئيسي في زوال نظام البشير هذه المجموعة من القوات غير النظامية المليشيا (مليشيا ال دقلو) وجدت منذ بداية ما عرف بالثورة رعاية واسناد بالمال والسلاح من دولة الامارات .
    الان خلاصة الخلاصة هذه الحرب اثبتت ان الجيش السوداني هو العمود الفقري للدولة السودانية .نعم قد يكون بالجيش مشاكل هيكلية بسبب تأثير نظام البشير عليه ولكن لطبيعة الجيش المهنية فان المشاكل والعلل الموجودة به مقدور عليها والجيش قادر على نفي الخبث منه لو ابتعد الساسة عنه .
    كل اللغط الداير عن ان الجيش اصبح غير مهني مبني على مواقف سياسية وليس نظرة موضوعية لجوهر طبيعة الجيش والتي لا يعلمها الا اهل الاختصاص داخل الجيش

    1. يا أستاذ لا بد من مواجهة الحقائق و عدم التهرب من المسؤولية الجيش مليشيا كيزان و الجنجويد مليشيا مليشيا تابعة لأحد رجال العصابات الذي صنعه نظام الكيزان و هو حميدتي . الان حصحص الحق . لا بد من تدمير و إنهاء سيطرة الكيزان علي الجيش و الاقتصاد . التهرب من الحقايق سيجبرك ككوز علي فعل ذلك بالقوة . بلاش اكاذيب و لعب صعاليك . يجب تحطيم دولة الكيزان المجرمة و بناء سودان يسع جميع السودانيين

  2. صاحب التعليق مصطفى محمود الجنجويدى وليد مادبو لايستطيع ان يحدثك عن جرائم الجنجويد فى السودان عامه ولا فى دارفور ضد المساليت والزغاوه والمحاميد الان

  3. هل المرحوم والدك الذى حكم السودان فى الديمقراطيه الثانيه كان من النخب الفاشله ؟ والدك كون ثروته فى زمن الانقاذ وبنى النادى الدبلوماسى. وانت ايها الجنجويدى فى زمن الانقاذ لك منظمه فى شارع البلديه الخرطوم وواستخرجت بسبب هذه المنظمه سيارات دبلوماسيه . ولانك تجاوزت الخطوط الحمراء مع ابن الامام الصا دق
    المهدى بشرى فادبك ادب المدائن . وتجاوزت الخطوط الحمراء مع السفيره اميره قرناص وانتصرت عليك بالقانون فى المحاكم القطريه واصبحت مطرودا من قطر

  4. كل حرف كتبته سيد مدبو فهو صحيح ؛ وهذا اللذي يسمى زورا بالجيش هو من قاد البلاد الى الهلاك.

  5. في بلد فشل فيها الحكم الوطني والقيادات الموجودة المحترمة غير كافية لإقامة دولة محترمة من أمثال حمدوك، بابكر فيصل، خالد سلك وغيرهم في ظل وجود شبكة الانتهازيين المسيتطرة والممكنة من السلتطة والثروة رغم ضعف مقدراتهم الذهنيةوالذين صاروا قوة مبالغ فيها منذ وصول الخنزير الترابي للحكم ، اويد بشدة التدخل الاممي بالسودان َ والايحصل ذلك البلد مقبلة على حروبات قبلية أشد وأخطر َما حصل برواندا

    1. صدقت أيها الضب عينة التوم هجو بالآلاف دارفور أرض الانتهاذيين هذا من جانب المدني اما من ناحية الجيش قياداته فحدث ولاحرج القيادات غير سوية بكلما تعنيه الكلمة من معنى وهذا الجيش يجب ان يحل وتحول كل أمواله التنمية

  6. يا دكتور انت تتحدث عن وقائع دامغة ووضع مأزوم لا ينكره الا ارزقي يغلب مصلحته الشخصية على مصلحة الوطن أو جاهل أو مغشياً عليه. لذلك لا تأبه بهؤلاء واستمر في مجاهداتك الفكرية والتثقيفية المبنية على العلم الذي لا يملك المنكرون لهذه الحقائق قدرا يسير منه.

  7. تنتظر الفرج من أمريكا….ماذا فعلت أمريكا بدول الخليج….هربت من حمايتها وتركتها تواجه ايران لوحدها…فهل أمريكا احرص على مصلحة السودان من مصالحها في دول الخليج

  8. الجيش بعد دخولهم أمدرمان ارتكزت عربة دوشكا تحت شجرة بيتي ولم يستطع اي إنسان دخول بيتي وبعد يومين ذهب احد أقاربي وهو من المستنفرين ودخل البيت وهو يرتدي ذي كاكي اخضر وصور البيت وكان كالاتي كسرت باب البيت التلفزيونات مختفية و المكيف سامسونق مختفي ثم ذهب بعد يومين وكان الثلاجات غير موجودة و الغسالة والبتجازات ثم ذهب رجل آخر عسكري و كانت السراير و الدولاب والمراتب وهكذا حتي امتدّت يد الجيش السوداني وسرقت الأبواب مع العلم لا يستطيع اي مدني ان يقترب من البيت او يصور هذا ما حدث لي ومن س ينكر نقول له انت إذا شريك او داعم او مبرر وحسابنا يغلق امام قاضي القضاه

  9. الخطر الحقيقي للعائدين هو احتمال تجدد القتال بين المليشيات المختلفة التي جلبها السجمان مرة أخري للعاصمة تحت شعار العفو العام والعودة لحضن الوطن وقد شاهدنا نسخ متعددة من زملاء السفاح ابو لولو يتبخترون في حركات استفزازية واضحة للجيش التعبان وحركات دارفور مما ينذر بصدام وشيك وهذا ما يسعي اليه السجمان ضمن تخطيطه لاضعاف هذه الحركات المسلحة دون ان يهتم بأمن وسلامة المواطن واسرة السجمان للان تتنعم في تركيا.. البند السابع افضل لحماية المدنيين.
    ا

  10. مثل د.مادبو المفكر الكبير ينبغى ان يكون لهم دور مهم ومؤثر فى بناء السودان الجديد . نحن لا نحتاج لبندقية ومسيرة وبل وجغم نحتاج لفكر ينظر إلى الازمة السودانية بنظرة ثاقبة كما يراها د. مادبو ولكن من يعطى امثال د. مادبو فرصة فى المساهمة بفكرهم فى بناء الدولة ومؤسساتها؟
    مفكر كبير وفقك الله وأصلح الله بك وامثالك حال البلاد والعباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..