مقالات وآراء

إضاءة حول مجزرة جوبا

سايمون اتير

في خريف عام 1992، وقعت واحدة من أسوأ المجازر في تاريخ السودان السياسي المضطرب. والتي عرفت ب[مجزرة جوبا 7\7]. فبسبب فشل الحكومات المركزية في إدارة التنوع، وانتهاح سياسة الإقصاء شهد السودان أبشع الحروب البشرية على مستوى القارة. فكانت الحرب الأهلية الثانية (1983-2005م) أطول حرب أهلية في تاريخ افريقيا، وراح ضحيتها الملايين بين قتلى وجرحى، ناهيك عن “كوم اللاجئين” والنازحين الذين لفظتهم الدولة لتحتضنهم مخيمات الأمم المتحدة في دول الجوار والمساكن العشوائية على أطراف المدن!.

ظل السودان منذ عام 1956 ساحة حرب مفتوحة، حرب مركز ضد الأطراف. ونعني بالمركز هنا السلطة القمعية بنظرتها الإقصائية الأحادية. وفي هذا، لا نستثني حتى الديمقراطيات الهزيلة التي حكمت السودان، فقد انتهجت كل الحكومات (مدنيين وعسكريين) السياسات نفسها تجاه جنوب السودان. فمنذ أن قال الأزهري قولته المشهورة: “السودان دولة عربية إسلامية ومن لم يعجبه ذلك فليحمل أمتعته ويغادر!”، ظلت البندقية إحدى أدوات التخاطب، حتى جاءت الجبهة القومية الإسلامية عام 1989م لتجعل البندقية هي اللغة الوحيدة للحوار بقولها: “لن نحاور إلا من يحمل بندقية”. وقد كان!.

إن البندقية التي أراد لها “الترابي” أن تكون اللغة الوحيدة للحوار، وفي سبيل ذلك حوَّل الحرب إلى جهاد في سبيل الله، أصبحت وبالاً عليه وعلى زمرته من الإسلاميين. فقد ظل الجيش “الجهادي” يتلقى الصفعات من قبل الجيش الشعبي في كل المواقع. وكانت ذروة هذه الصفعات هو حصار جوبا، “مقر القيادة الجنوبية العسكرية”، مما شل حركة القوات المسلحة، “المجاهدين” حسب نظرة الترابي. كان الجيش الشعبي يحاصر جوبا من كل الجهات، منتظراً “تعليمات” من قيادة الحركة لبدء هجوم موسع على جوبا لإسقاطها. استمرت المناوشات على مدار سنتين، حتى أُجبر الجيش السوداني إلى جعل دفاعاته المتقدمة داخل المدينة. هذا الواقع فضح أكاذيب الإسلاميين، ومس الكبرياء الأجوف للقادة العسكريين، فقاموا بإطلاق يد الاستخبارات – وكانت الاستخبارات العسكرية هي أسوأ وحدة عسكرية من حيث الوحشية. اتخذت الاستخبارات سياسة القمع ضد الجنوبيين، حيث تم منع المدنيين من الخروج من جوبا ليصبحوا “دروعاً بشرية”، كما شملت السياسة اعتقال الناس بحجة التعاون، والتجنيد الإجباري، والاستعانة بالمليشيات، خصوصاً في الفترة الواقعة بين نهاية 1991 وبداية 1992.

الأحداث التي سبقت وتخللت المجزرة:

ظل عناصر الجيش الشعبي اثناء حصارهم لجوبا يتسللون إلى داخل المدينة، يجمعون معلومات عن الجيش، التسليح، عدد القوات، التمركز، إلخ. وفي يوم 6 يونيو 1992، وقع أول إشتباك محدود بين عناصر الجيش الشعبي التي تسللت إلى المدينة والقوات الحكومية بالحامية الجنوبية. وقد شكل ذلك الحدث بداية لما يعرف بـ “أحداث جوبا” التي انتهت بالمجزرة البشعة. بعد هذه الواقعة، أصبحت المدينة تحت صفيح ساخن، مما جعل القيادة العسكرية تطالب بمزيد من القوات. فكانت الطائرات العسكرية العملاقة تنقل الجنود جواً إلى جوبا، لأن الطريق البري كان مليئاً بالفخاخ التي دأب الجيش الشعبي على نصبها لقوات الحكومة.

كل ذلك كان يحدث في جوبا، وفي الخرطوم كان الغضب يملأ نفوس قادة الانقلاب، ومن هؤلاء كان إبراهيم شمس الدين، وهو سفاح استمرأ سفك الدماء. كان شمس الدين قد أمر مدير الاستخبارات العسكرية بشن حملة تأديبية ضد الجنوبيين، وهي الحملة التي استمرت طوال شهر يونيو ونتج عنها اعتقال المئات من العسكريين والمدنيين .

في يوم 6 يوليو 1992 عند الساعة الحادية عشرة مساءً، وقع الحدث الثاني في مركز التدريب القتالي، حين اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات، وقد مثل هذا الحدث ذروة الأمور. ففي صبيحة اليوم التالي 7 يوليو 1992، قامت الاستخبارات العسكرية تحت إشراف مباشر من إبراهيم شمس الدين وبتنفيذ من مدير الاستخبارات بجوبا، بإرتكاب مجزرة استمرت حتى شهر نوفمبر. نتج عنها قتل الآلاف من المدنيين والعسكريين الجنوبيين بطرق متنوعة وبلا محاكمات، شملت الرمي بالرصاص، الذبح، التقطيع بالفؤوس، السحل، التعذيب [ربط كيس مملوء بالشطة على الرأس]، دق مسمار في الرأس، إلخ. ولم يسلم من ذلك حتى المرضى في المستشفيات، والمعلمون، والطلاب، والموظفون، والجنود الحكوميون ممن كانوا خارج الخدمة!.

‫3 تعليقات

  1. أخ سايمون:
    لم يسلم انسان او مكان في السودان من اجرام ووحشية وفساد تجار الدين القتلة المجرمين الذين ارتكبوا العديد من المجازر في الجنوب بينها مجزرة جوبا هذا غير المجازر الاخرى التي ارتكبوها في دارفور وجبال النوبة والانقسن وشرق السودان ووسطه بل حتى الشمال لم يسلم من اذاهم عندما ارتكبوا مجزرة كجبار التي وقف فيها السيد / سلفا كير , موقفا عظيما عندما كان نائبا للرئيس حيث تحدث بغضب بالغ واسى عن الابرياء الذين تم قتلهم بدم بارد في كجبار لمجرد انهم ابدوا اعتراضهم على انشاء سد كان سيدمر منطقتهم بالكامل. والإضاءة التي قدمتها عن المجزرة ضرورية لأن توثيق جرائم هؤلاء السفلة مطلوب حتى تعلم الاجيال القادمة ما اقترفته ايادي الكيزان الآثمة. ورغم كل ما حصل تؤكد دروس التاريخ الحافلة بالعبر ان الكيزان سوف يدفعون الثمن مهما طال الزمن وسوف تكون نهايتهم نهاية ماحقة بإذن الله وسوف يحتلون مكانهم في مزبلة التاريخ تطاردهم اللعنات وارواح الابرباء الى يوم الدين. الرحمة والمغفرة لشهداء مجزرة جوبا وغيرها من المجازر والخزي والعار على الكيزان المجرمين السفلة.

  2. الاخ سايمون ارجو ان تكتب بوضوح اكثر لفضح دواعش الكيزان واجرامهم في حق اهلنا في جنوبنا الحبيب. قرأت المقال وعلي الرغم من انه يحكي عن مجزرة بشعه ولكنه لم يذكر اي من قيادات ومرتكبي هذه المجزرة سوي ابراهيم شمس الدين! يجب ان تذكر اسم ومعلومات مدير استخبارات جوبا وضباطه وطاقم عمله وكل المعلومات المتاحه عنهم مع ذكر اسماء الضباط الذين كانوا يعملون في جوبا وقتها والجنوب عموما وكل من يمت لهم بصلة حتي يتم جمع الخيوط والاستدلال علي من هم علي قيد الحياة ومحاكمتهم والتشهير بمن مات منهم.

  3. الاخ سايمون ارجو ان تكتب بوضوح اكثر لفضح دواعش الكيزان واجرامهم في حق اهلنا في جنوبنا الحبيب. قرأت المقال وعلي الرغم من انه يحكي عن مجزرة بشعه ولكنه لم يذكر اي من قيادات ومرتكبي هذه المجزرة سوي ابراهيم شمس الدين! يجب ان تذكر اسم ومعلومات مدير استخبارات جوبا وضباطه وطاقم عمله وكل المعلومات المتاحه عنهم مع ذكر اسماء الضباط الذين كانوا يعملون في جوبا وقتها والجنوب عموما وكل من يمت لهم بصلة حتي يتم جمع الخيوط والاستدلال علي من هم علي قيد الحياة ومحاكمتهم والتشهير بمن مات منهم….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..