”مثلث القلق”الكيزان وطهران في مرآة الخليج… مقامرة البحر الأحمر

محمد صالح محمد
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي للتجارة العالمية بل تحول في القاموس الجيوسياسي لعام 2026 إلى “ميدان رماية” دولي حيث تتقاطع فيه طموحات الأنظمة الباحثة عن البقاء مع استراتيجيات التوسع الإقليمي وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز تحالف “الضرورة” بين ما تبقى من تنظيم “الكيزان” في السودان ونظام طهران وهو التحالف الذي يثير رياح القلق في عواصم دول الخليج العربي.
عودة “القديم المتجدد” براغماسية البقاء
بعد سنوات من “القطيعة التكتيكية” التي فرضتها ظروف سقوط نظام البشير يبدو أن “الكيزان” (الحركة الإسلامية السودانية) قد وجدوا في طهران “الظهير” الذي لا يسأل عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان بل يبحث عن “موطئ قدم” استراتيجي. بالنسبة للكيزان فطهران هي المصدر السريع للمسيرات والخبرات العسكرية التي قد ترجح كفتهم في الحرب الأهلية الطاحنة؛ وبالنسبة لطهران السودان هو “الضلع الثالث” المكمل لقوس النفوذ الذي يبدأ من مضيق هرمز ويمر بباب المندب، وصولاً إلى سواحل بورتسودان.
طهران والبحر الأحمر استراتيجية “الإغلاق الناعم”
تسعى إيران من خلال تقاربها مع المكونات العسكرية المرتبطة بالكيزان في السودان إلى إطباق فكي كماشة على الملاحة الدولية فإذا كان الحوثيون في اليمن يمثلون “الذراع اليمين” على مدخل البحر الأحمر فإن وجود نفوذ إيراني في شرق السودان يعني امتلاك “ذراع يسار” قادرة على تهديد أمن البحر الأحمر من ضفته الأفريقية هذا التمدد ليس مجرد مناورة عسكرية بل هو “ورقة ضغط” تستخدمها طهران في مفاوضاتها الكبرى مع القوى الدولية ومحاولة لكسر طوق العزلة الذي تفرضه العقوبات.
القلق الخليجي : أمن الطاقة وسيادة الممرات
بالنسبة لدول الخليج العربي وتحديداً السعودية والإمارات فإن عودة النفوذ الإيراني إلى السودان عبر بوابة “الإسلامويين” تمثل “خطاً أحمر” لا يمكن التجاوز عنه.
أولاً: يهدد هذا التحالف مشروع “نيوم” والواجهة السياحية والاقتصادية للمملكة على البحر الأحمر.
ثانياً: يمثل إحياءً لمشروع “الإسلام السياسي” العابر للحدود وهو المشروع الذي بذلت دول الخليج جهوداً جبارة لتحجيمه في العقد الماضي.
ثالثاً: تخشى العواصم الخليجية من تحول السودان إلى “منصة إطلاق” لتهديد أمن الملاحة مما يرفع تكاليف التأمين البحري ويضرب عصب الاقتصاد العالمي.
ميزان القوى 2026: هل تنفجر المنطقة؟
نحن الآن أمام مشهد يتسم بـ “السيولة الأمنية الحادة” فبينما تحاول طهران استغلال “الفراغ السيادي” في السودان تدرك دول الخليج أن استقرار السودان بعيداً عن الاستقطاب الإيراني هو ضرورة أمنية قصوى. التقارير الأخيرة حول الهجمات المتبادلة في المنطقة وتصاعد نبرة التهديدات تضع البحر الأحمر على فوهة بركان.
إن رهان “الكيزان” على طهران هو رهان “شمشوني” قد يؤدي إلى عزل السودان تماماً عن محيطه العربي والخليجي. أما طهران فهي تمارس هوايتها القديمة في “إدارة الأزمات عبر الوكلاء” متجاهلة أن اللعب في البحر الأحمر يمس الأمن القومي المباشر لدول الخليج التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحويل ساحلها الغربي إلى “بحيرة إيرانية”.



