أخبار السودان

مفاجآت الخرطوم

عثمان ميرغني

خلال أربعة وعشرين عاما في السلطة، قام النظام السوداني بعدة استدارات، ونكص عن الكثير من شعاراته السياسية، وبدل في مواقفه مرات ومرات من أجل التشبث بالحكم. رفع في بداياته شعار «نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع»، فقضى على المشروعات الزراعية وباع الكثير من أراضي الدولة في صفقات لا تزال تثير الكثير من التساؤلات، وتبعث على القلق من أن يستيقظ السودانيون يوما ليجدوا أنهم باتوا لا يملكون من بلدهم سوى الأراضي القاحلة. سخر السودانيون من الشعار السابق فأضافوا إليه «ونضحك مما نسمع» بعد أن بلغ الغلاء حدودا غير مسبوقة أجبرت الغالبية العظمى من الناس على اختصار عدد وجباتهم اليومية.

تبنى «نظام الإنقاذ» شعار الجهاد «لدحر التمرد» في الجنوب، معلنا أنه لن يفرط في شبر واحد من أرض الوطن، فانتهي الأمر بتفتيت البلد، واتساع الحروب في الشمال لتمتد اليوم من حدود دارفور إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق. قال النظام إنه لن يفاوض أو يساوم في وحدة السودان، لكنه وقع في النهاية على وثيقة الانفصال، وشارك رئيسه في احتفال جوبا بإعلان دولة الجنوب، بينما بشر مسؤولوه بأن في «الخلاص من عبء الجنوب» خيرا كثيرا للشمال.

في ظل هذا السجل الحافل بالكثير من الإخفاقات والتراجعات، تقلبت المواقف وتبدلت الشعارات، وصدر الكثير من التصريحات المتناقضة والمحيرة، لأن النظام لم يثبت على أي من سياساته باستثناء سياسة التشبث بالحكم مهما كان الثمن. آخر هذه التصريحات المحيرة تمثل فيما صدر عن الرئيس عمر البشير الأسبوع الماضي بشأن العلاقة بين دولتي السودان وتعبيره عن الثقة بأنه سيأتي يوم يتوحد فيه الشطران من جديد أو ينشأ بينهما اتحاد. مصدر الحيرة، أن هذا الكلام يصدر عن رئيس النظام الذي أشرف على انفصال الجنوب، بل لعب دورا كبيرا فيه وأسهم في خلق الظروف التي قادت إليه. فلو كان هذا النظام حادبا على الوحدة وحريصا عليها، فلماذا لم يستفد من فترة الست سنوات التي أعقبت اتفاقية السلام عام 2005 وانتهت باستفتاء تقرير المصير للجنوب في عام 2011. وكان يفترض أن تخصص لتنفيذ برامج وسياسات تجعل خيار الوحدة جاذبا بدلا من المماحكات والمناورات والتصريحات العدائية التي أسهمت في توجيه الجنوبيين نحو خيار «نعم للانفصال»؟

الواقع، أن النظام أهدر تلك السنوات، وأجج أجواء العداء مع الجنوب، ولم يخف بعض مسؤوليه ومحازبيه رغبتهم في رؤية الجنوب ينفصل، على أساس أن ذلك سيسهل عليهم إعلان ما أطلقوا عليه «الجمهورية الثانية» وتنفيذ مشروع «الحركة الإسلامية» التي خططت لانقلاب «الإنقاذ» وأرادت فرض توجهاتها على السودان لتجعله أولى جمهوريات «الإخوان» في المنطقة العربية. فهؤلاء كانوا يرون أن الجنوب يقف عائقا أمام إعلانهم جمهوريتهم الإسلامية، وأنه لا بد من التخلص من عبئه ولو أدى ذلك إلى «التفريط» فيما يزيد على خمس البلد وربع مواطنيه وأكثر من ثلاثة أرباع الموارد النفطية. وكانوا يحسبون أنه حتى بعد الانفصال سينجحون في الحصول على نسبة كبيرة من نفط الجنوب من خلال فرض رسوم عالية على عبور نفطه وتجارته عبر أراضي الشمال. فدولة الجنوب الوليدة بلا منافذ بحرية، ونفطها لكي يجد طريقه إلى التصدير لا بد أن يمر عبر أنابيب الشمال للوصول إلى ميناء بورتسودان، كما أن نسبة كبيرة من تجارتها تعتمد على الشمال. ومن خلال هذه السطوة الاقتصادية، ظن منظرو نظام «الإنقاذ» أنهم قادرون أيضا على حسم الملفات العالقة من ترسيم الحدود إلى مصير أبيي، ومن تقاسم الموارد المائية إلى قضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر ما سمي «المشورة الشعبية». لكن حساب الحقل غير حساب البيدر، كما يقولون، فجاءت النتائج بغير ما توقعه أهل «الإنقاذ»، وتردت العلاقات بين الشمال والجنوب إلى حد الاصطدام العسكري والحرب بالوكالة، وتوقفت صادرات النفط حتى بات اقتصاد البلدين على شفا الانهيار.

أمام حرج موقفه الداخلي، لا سيما بعد موجة أحداث الربيع العربي، بدأ نظام «الإنقاذ» سلسلة من التراجعات والمفاجآت، فعاد إلى طاولة المفاوضات مع الجنوب ليقبل بالقليل مقارنة بما كان يطالب به في مسألة الرسوم على عبور النفط، وليقدم تنازلات في مسائل الترتيبات الأمنية، بل وتراجع أيضا عن لغة التهديد باستخدام العصا و«تأديب الجنوبيين» و«دخول جوبا»، ليتبنى لهجة تصالحية جديدة. هكذا رأينا البشير يتوجه في زيارة إلى الجنوب، ثم يعود ليتحدث للسودانيين عن أن نظامه يسعى إلى إعادة اللحمة بين الدولتين وعن ثقته بأنه سيأتي يوم يتوحد فيه شطرا السودان.. إنها مفاجآت أهل الحكم في الخرطوم، أو ربما هي مناوراتهم من أجل الاستمرار في السلطة.

[email][email protected][/email]

الشرق الاوسط

تعليق واحد

  1. نتفق معك فيما ذهبت اليه بتحفظ فيما ذهبت اليه
    بخصوص تقلبات النظام الحاكم وهذه معروفة ل لجميع ولم تأت بجديد ولكن
    ** ماذا عن تقلبات قلمك ؟؟؟؟ أخاف عليك من ان تخسر المستقبل كما
    خسرت الماضى لاقدر الله ( من قلم صديق) لاتتخببببببببط

  2. أي صوملة أو بلقنة دا هراء وكلام كيزان ومثبطين ومع توالي انتصارات الثورية انقسم أئمة النفاق الديني والكسب التمكيني الى مليشيات مؤدلجة ومقبلنة والأمنجية وجماعة الاصلاحيون جادون في التغيير حفاظاً على الورثة الأخوانية بجهد عسكري كادري بمبدأ التمكين لمحاربة الثورية العلمانية والبعيدة عن العقيدة والخلق والأخلاق ويا ويلك يا اللمبي راعي الكسب والهمبتة والعتاد والتسليح القديم (كومشيونيير صفقات الجيش)
    لا تنطلي هذه الخدع على الشعب الصابر بتهديدات ووعيد وترويع العباد والبلاد بالشتات وستكون هذه الزلزلة حصرياً في معشر آل كيزان والطفيلية المحلية، “يستيقظ السودانيون يوما ليجدوا أنهم باتوا لا يملكون من بلدهم سوى الأراضي القاحلة” من أجل ذلك سوف نحارب ولا ناقة لنا فيها ولا جمل (جبل قروش وكنوز ومنعمات منتقيات) قوموا لانتفاضتكم الثورية يرحمكم الله

  3. ناس عايزين ينفصلوا وبنسبة عالية يقولوا ليهم لا وكلا؟؟ وحسع لو رفضوا برضوا كنت جتكتب كلام غير

  4. الاستاذ عثمان ميرغني لك التحايا العراض، شكرا لهذا المقال الرصين، فكل الانظمة الشمولية الباطشة
    بعضها لبعض اي كانت يافطاتها ومرجعياتها الفكرية، إن كانت بإسم الله أو كانت بإسم اللات، فالحاصل واحد إنهيار دعامات الدولة، الكذب، التهميش، الحروب الهروب نحو الغيب وتغيب العقل.

  5. المصري دي مالو ومال السودان ؟؟؟؟
    ما يمشي يكتب عن مشاكل اهلو في مصر
    قبحك الله .. يا متسلق على كتوفنا

  6. أخوتنا في الجنوب ليسوا بهذه السذاجة يا عمر البشير.
    حتى لو حدثت وحدة أو اتحاد، كما تقول ، فلن يتمّ ذلك و أوباش الإنقاذ في السلطة أو حتى على قيد الحياة . فالطامة آتية و يوم الحساب العسير قريب و أعةاد المشانق جاهزة إن شاء الله.

  7. ابو مازن الهندسية
    بتاع كلو هندسة اتصالات .كمبيوتر .اجهزة كهربائية
    اللوحة 5 متر سلك سكنير..هذا هو واقعنا مع الكيزان
    اسى فى ذمتك دا دكان هندسة شكلك كدة ما قعدت شهرين
    بس الغريب الانقاذ قعدت 25 سنة كيف ما تعرف
    ابو مازن تفوق على الانقاذ اقتنع بالمكتوب وعززل مشى ….. لكن البفكنا نحن شنو

    تحية الى ابو مازن ايمنا كنت

  8. كان من الممكن اقامة ماتمنوه من دولة لو كانوا اكثر ذكاء ولم يستمروا بعقلية اتحاد الطلبه في ادارة شئون الدولة!!! وكان من الممكن في بلد مثل السودان بكر كثير الموارد بسطاء اهله صابرون ان ينجحوا كاكثر واول التجارب ليس الاسلاميىه فحسب بل التجارب الافريقية ! فقد منحوا من الصبر والفرص مالم يتاتي لحكم في تاريخ السودان الحديث!! ولكن لم يخيبوا ظن جمال البنا ومنظوره للحركات الاسلامية!فقد تقاتلوا علي المناصب وتناحروا علي المكاسب!بدء بشيخهم الذي قلب الدنيا وفجر في الخصومة فجيش لهم التمرد وقذف عليهم عبارات ومقالات التخوين وخطل التجربة!! فتفتت التجربة قبل ان تؤتي من الثمار غير الحنظل وتقسيم البلاد واشتعال الحروب وبزوغ نجم القبلية والطائفية والعنصرية بديلا للفكر الذي اتكاؤا عليه وقاتلوا من اجله!! فتحولة تجربتهم الي اسؤ من الملك العضوض وتفشي الفساد والمحسوبية! لتحل العنصرية بينهم ايضا والقبيلة والقرابات مكان الانتماء والاخاء الديني! فاضحت العصبة الحاكمة اسواء مثلا واكثر فسادا وابغض مثيلا للحركات الاسلامية في دور العرب والغرب!!! لابل عجزت حتي عن الدفاع عن دولتها التي فيها يرتعون ومن خيراتها يكثرون وينهبون ويجنبون!! فتقاذفوا الاوطان التي بناها غيرهم من الاذكياء فطفقوا يفرون اليها وباراضيها يكنزون الاموال وفي دورها يملكون العقار استعداد ليوم الفرار!!!! وقضوا بتكالبهم علي ثورتهم واضاعوا بغبائهم بلادهم وجماعتهم فصارت الحركه الاسلاميه حبيسة الادراج والفكر الاسلامي مرتبط بالافك والفساد وتضيع البلاد!!فقدموا بانانيتهم وسذاجتهم الخدمة التي لم تقدمها كل الحكومات العلمانية في الاساءة للفكر اليميني او التوجه الديني الذي افقر البلاد وشرد العباد ودمر كل مكتسبات الدهور من زرع وضرع ختمها بتسليم البترول ومعه ارض الجنوب كاملا غير منقوص للادارة الامريكيه ومعه الصهيونية!!!!!!!ومابقي من السودان رهين التسليم كما البقية…!!!! الا ان تلطف به العنايه الالهيه!!قبل ان تضيعه العصبهالانقاذية!!!

  9. الحقيقة ان الشعارات المذكورة كلها سفطت
    من ناحية اقتصادية فقدت العملة ثلاثة اصفار من قيمتها 1000ج = 1جنيه بالجديد مرورا طبعا بالدينار والعودة الى جنيه نيقاشا ( وهذا يكفي اقتصاديا) .. انه المرض العولندي ..
    سياسيا ذهب الجنوب بارضه وانسانه وبتروله ولم تحدث في الزراعة او الصناعة وانتشرت الحروب في ثلاثة اقاليم دفعة واحدة بدلا عن الجنوب وبذلك ينقرد السودان بثلاثة صفات لم تحدث في العالم من قبل وهي :
    1- اول دولة في العالم ينفصل جزء منها وتبقى حكومتها على سدة الحكم بعد ذلك بل وتتفاقم ذات اسباب انفصال ذلك الجزء من الوطن .
    2- اول دولةفي العالم يكتشف فيها البترول وتفقده ويصاب اقتصادها بالمرض الهولندي وماتزال حكومتها على سدة الحكم .
    3- اول دولة في العالم تصدر محكمة جنائية امر توقيف في حق رئيسها ويبقى في الحكم صابرا صامدا ولايخاف شيئا ويجوب دول العالم ذهابا وايابا ..

  10. هؤلاء الأنقاذيين البلهاء اعتقدوا بأنهم اذكى من الجنوبيين ولكنهم اثبتوا أنهم اغبياء ولا يحسنون

    ادارة كشك مرطبات ناهيك عن دوله مثل السودان ولذلك غباؤهم اورد السودان فى هذه التهلكه .

    نسال المولى عز وجل ان يعجل برحيلهم قبل ان تنهار الدوله

  11. الحكومات الرشيدة دائماً تكون لهااستراتيجيات في جميع المجالات تصنعها مؤسسات متخصصة تعمل وتجرب وتراجع وتتراجع حسب مايمليه الواقع. وعليه، فإن كل مايخرج عن هذا الإطار تصبح فيه الحكومة عبارة عن (شُلّة) تجتمع بلا هدف ولا هدى وتقرر إزاء مايزينه خيال كل فرد من أفرادها من أفكار وعادةً ماتُبنى هذه الأفكار على تقديرات لاتمت لمصلحة الوطن في شيء وبالتالي يكونوا في حالة توهان وربكة للكل وهذا هو حال حكومتنا، فقد أثبتت التجارب بأنها تحاول أن تفرض القرار حتى ولو كان خاطئاً حيث تكون عناصر أخطائه باينة حتى للذي لم يبلغ سن الرشد وما أن يتضح لهم سوءات قراراهم حتى تسمع كل منهم يصرح بتصريح مختلف عن الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..