مقالات وآراء

امرأتان على تخوم الحبر… وكتاب واحد في الروح: مقاربة بين غادة السمان وأحلام مستغانمي

هل يمكن للمرأة أن تكتب حبها وغربتها وحنينها بنفس الجرأة والصدق في آن واحد؟
هذا السؤال التمهيدي يفتح لنا بوابة إلى فضاءات الأدب العربي المعاصر، حيث تتوهج أسماء قليلة ليس لأنها وصفت الحياة، بل لأنها اختارت أن تعيشها داخل نصها، لتعيد صياغتها بالحبر والذاكرة والجرح المفتوح.
من بين هذه الأسماء، تتألق غادة السمان وأحلام مستغانمي كعلامتين لا يمكن المرور بهما مرورًا عابرًا؛ امرأتان جعلتا الكتابة فعل كشف ومواجهة، والكلمة مساحة لاختبار الذات والعالم معًا.
هنا لا تكون الجملة مجرد بناء لغوي، بل نافذة وجرس وموقف، وصرخة واعية في وجه تاريخ لم يمنح المرأة دومًا حق أن تحكي ذاتها بصوتها الخاص.
ولأن كل مقاربة جادة تبدأ من السياق الذي أنجب الصوت، فإن التوقف عند الخلفية الشخصية والفكرية لكل منهما يصبح ضرورة لا ترفًا.
غادة السمان، المولودة في دمشق عام 1942، نشأت في بيئة ثقافية صارمة تحت رعاية والدها الدكتور أحمد السمان بعد فقدان الأم المبكر، وهو فقد ترك أثره العميق في وعيها وكتابتها.
درست الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، ثم تابعت دراساتها العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث انفتحت على الفلسفة الغربية والوجودية، وتأثرت بأفكار سارتر وبوفوار وكامو، لتتبلور لغتها كمساحة توتر دائم بين العقل والحدس، بين الفكر والاندفاع الشعوري.
منذ مجموعتها الأولى عيناك قدري عام 1962، بدا واضحًا أن غادة كاتبة لا تفاوض على صوتها، ولا تهادن في كشف المسكوت عنه، سواء في الجسد أو السياسة أو المدينة.
في حياتها الشخصية، لم تفصل غادة بين التجربة الإنسانية والكتابة، بل جعلت الأولى مادة خام للثانية.
عُرفت علاقتها العاطفية العميقة مع غسان كنفاني، والتي تحولت رسائلها لاحقًا إلى وثيقة إنسانية وأدبية، لا عن الحب فقط، بل عن هشاشة الإنسان في زمن القضايا الكبرى.
أما زواجها، فقد جاء متأخرًا نسبيًا من الناشر اللبناني بشير الداعوق، وكان زواجًا هادئًا، أقرب إلى شراكة إنسانية وفكرية، حافظت فيه غادة على استقلالها الكامل، وعلى مسافة واعية بين حياتها الخاصة ونصها، رافضة أن يُختزل حضورها الإبداعي في أي إطار اجتماعي أو عاطفي.
أما أحلام مستغانمي، فقد تشكلت تجربتها من سياق تاريخي مختلف، لكنه لا يقل وجعًا.
ولدت عام 1953 في تونس، وعادت إلى الجزائر بعد الاستقلال، حيث نشأت في كنف أب مناضل، آمن بأن اللغة العربية ليست مجرد أداة، بل هوية وموقف.
هذا الوعي المبكر انعكس لاحقًا في نصوصها، التي امتزجت فيها الذاكرة الوطنية بالحنين الشخصي.
درست في جامعة الجزائر، ثم انتقلت إلى باريس لتحصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون عام 1985، وهناك، في المنفى الاختياري، بدأت ملامح صوتها السردي تتبلور بعيدًا عن الخطاب المباشر، متجهة نحو كتابة تمزج بين الشعر والرواية.
عرفت أحلام الزواج مبكرًا نسبيًا، إذ ارتبطت بالصحفي اللبناني جورج الراسي، وهو زواج عاشته في الظل، بعيدًا عن الأضواء، وحرصت على إبقائه خارج نصوصها المباشرة.
لم يتحول الزواج عندها إلى مركز سردي، بل بقي خلفية إنسانية صامتة، في مقابل حضور طاغ للعاطفة المتخيلة، وللحُب بوصفه فكرة أكثر منه واقعة.
وربما لهذا السبب، بدت رواياتها، وعلى رأسها ذاكرة الجسد، مشبعة بعاطفة فائضة تبحث عن اكتمالها في اللغة لا في الواقع.
وفي هذا السياق، تتضح اللغة كعنصر محوري في فهم تجربتهما الأدبية.
أسلوب غادة السمان يتميز بالجرأة والشاعرية العالية والاستبطان الذاتي، مع مزج بين السرد الروائي واللغة الشعرية المكثفة، ما يجعل نصوصها مثل عيناك قدري، رسائل حب، كوابيس بيروت، وأعلنت عليك الحب مساحة للكشف عن المشاعر العميقة والهوية الداخلية، متجاوزة أطر الكتابة النسوية التقليدية إلى آفاق اجتماعية وإنسانية ونفسية أوسع، مع دمج الواقعية السحرية والوجودية والرمزية، وأحيانًا لغة الصحافة المباشرة ولغة الأدب الرفيع، لتشكل أسلوبًا فريدًا يجمع الأصالة والحداثة.
في المقابل، تتميز لغة أحلام مستغانمي بالعاطفة المكثفة والشاعرية الغنية، حيث يغسل النص بالشعر ويضخ فيه الصور البلاغية والرمزية، فتظهر رواياتها ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، والأسود يليق بك كنماذج تجسد هذا الأسلوب الفريد، الذي يمزج بين السرد والنثر الشعري، ويركز على جماليات التعبير، والأنوثة والجسد، والذاكرة، والوطن، مع الحفاظ على اللغة الفصحى كلغة قلب ووجدان.
حين قرأت نصوص غادة السمان لأول مرة، تشكّلت عندي ملامح الإحساس الأول للحب، وصارت كتاباتها صديقةً لي، أتبادل معها في صمت حوارًا خاصًا، بعيدًا عن الأعين، حيث يمكن للكلمة أن تكون ملاذًا للشغف والمشاعر المكتومة.
وبالمثل، كانت نصوص أحلام مستغانمي مساحة للتعاطي الحر مع الكلمة، صارت صديقتي التي أشارك معها جمال الإحساس في حوارات داخلية خاصة أثناء القراءة، حوارات لا يسمح للواقع بالتدخل فيها، بل تتحول فيها الورقة والصفحة إلى فضاء للحرية والتأمل والتواصل العاطفي مع النص.
حين نضع تجربتيهما وتجربتي الشخصية مع النصوص جنبًا إلى جنب، يتضح أن اللغة عند كلتيهما ليست مجرد أداة سردية، بل فضاء حي للتجربة والذاكرة والعاطفة والهوية.
غادة تميل إلى الجرأة المباشرة والهدم المكثف للكشف عن الجوهر، بينما أحلام تبني نصها بعاطفة موسيقية، وتحوّل الألم إلى زخرفة لغوية تأملية.
ومع ذلك، يجمع بينهما عنصر الشعرية العالية، والرمزية، والقدرة على جعل القارئ يلمس نبض الذات الداخلية من خلال النص، لتصبح الكتابة عندهما فضاءً للنفس والروح قبل أن تكون مجرد حكاية.
وعند لحظة التماس بين التجربتين، حين صدرت ذاكرة الجسد، لم تكن مجرد رواية ناجحة، بل حدثًا أدبيًا تجاوز حدود التصنيف، ودفع نزار قباني إلى كتابة شهادته الشهيرة، التي رأى فيها نصًا يشبهه حد التطابق، مجنونًا، اقتحاميًا، إنسانيًا، يختصر الوجع الجزائري كما يختصر قلق الفرد العربي.
تلك الشهادة لم تمنح الرواية شرعيتها بقدر ما كشفت عن قوة نص استطاع أن يعبر الأجيال والحدود، ويضع أحلام مستغانمي في موقع مختلف داخل السرد العربي، موقعًا يزاوج بين الشعر والتاريخ والعاطفة دون أن يفقد تماسّه مع الذاكرة الجمعية.
في هذا السياق، تتقاطع التجربتان بوضوح: المنفى، المدينة، الرجل الغائب أو المتخيل، والكتابة بوصفها خلاصًا مؤقتًا.
دمشق وبيروت والجزائر وباريس ليست مجرد جغرافيا، بل حالات شعورية، ومختبرات للهوية، ومرايا للروح.
الرجل اللبناني يظهر بوصفه رمزًا للحب والهجرة والحنين، فيما يتحول المنفى إلى فضاء حر للكتابة لا إلى هروب منها.
الأولى تعيد ترتيب الوجع، والثانية تفضحه.
ورغم هذا الاختلاف، فإن نصوصهما تلتقي عند جوهر واحد: الكلمة ليست ترفًا جماليا، بل ضرورة وجودية، والذاكرة مادة حية، والحب سؤالًا مفتوحًا لا إجابة نهائية له.
وحين تكتمل دائرة القراءة، عند قراءة غادة السمان وأحلام مستغانمي جنبًا إلى جنب، يتضح أننا أمام صوتين يسكنان الفضاء الروحي ذاته، ويكتبان المدينة الداخلية نفسها، وإن اختلفت الطرق والطبائع.
تتشابهان في الحنين، وتفترقان في أدوات التعبير: أحلام تبني من الألم عالمًا قابلاً للاحتواء، وغادة تهدم البنى الجاهزة لتكشف الضوء الكامن خلفها.
وبين البناء والهدم، تتشكل تجربة أنثوية عربية نادرة، لا تعتذر عن صوتها، ولا تساوم على حقها في أن تكتب ذاتها كما هي.
هكذا، لا تعود تجربة كل واحدة منهما مجرد مسار إبداعي مستقل، بل تصبحان معا صوتًا موازياً للمرأة العربية في مواجهتها مع العالم، حيث الحبر ليس مجرد وسيلة تعبير، بل رحلة على تخوم الروح، والكتاب ليس منتجًا نهائيًا، بل مساحة مفتوحة للذاكرة والحرية والبحث الدائم عن المعنى.
نصوصهما لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تواصل العيش في القارئ، كأنها كتاب واحد طويل، كتب بشغف وقلق، ولا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.

تعليق واحد

  1. يا سلام عليك يا باشمهندس ،،، أنت ذاتك مبدع،،، حقيقة مقاربة مبدعة ،،، لو كنا في عصر تجد فيه الثقافة حظا من الاهتمام،،، لكان من المفترض أن تطرح مثل هذه الرؤية في المقاربة بين كاتبتين وضعتا بصمتهما على ساحة الادب العربي،،، للنقاش حولها في ديوانية ثقافية أو منتدى يأمه فطالحة النقد الادبي العيدروس ، ، على يسن مريود وكوكبة ممن اثروا الساحة الادبية برؤيتهم حول كثير من الابداع الابداعي سواءء بالنقد أو التشجيع ، ولكنه يا صديقي زمن المجد للبندقية ،، الذي اقتصر فيه دور وزير الثقافة على رجم الاصنام وتشجيع القونات،،،، نحتاج الى وقفات صادقة ليعود الى الساحة الثقافية ما فقدته من الق وجمال ،،، جهد مقدر ،،،، ورؤية تصلح الى أن تتطور لتصبح مشروع لطالب أو متخصص في النقد لاعداد دراسة اشمل أو تطويرها لنيل درجة الدكتوراة ،،هكذا أري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..