عالم بلا أقنعة: اختطاف الرؤساء، محاكمتهم، وغضب الإمبريالية

✍عبدالحافظ سعد الطيب
مقدمة
في هذه المنطقة من سخرية القدر، لا زلنا نحتفل بعيد الاستقلال في السودان، أمام مباني المستعمر التي دمرتها مدافع الاستعمار نفسه.
استقلال تمت فيه “سودنة الوظائف”، كما قال الجنوبيون، هي عملية نقل السلطة من مستعمر إنجليزي إلى مستعمر محلي، ولا زلنا نستخف بذلك رغم رحيل الجنوب.
هذا الواقع المحلي يطرح أسئلة عالمية:
هل كنا أمام نظام عالمي حقيقي، أم مجرد إدارة جديدة لعالم قديم؟
هل انتهى الاستعمار، أم تغيّرت أدواته لتظل السيطرة قائمة؟
وهل نحن اليوم أمام قطب واحد يهيمن، أم أمام عودة الإمبراطوريات العظمى بصيغ حديثة؟
ما نشهده الآن — من فنزويلا إلى أوكرانيا، ومن إيران إلى تمدد إسرائيل — لا يبدو مجرد أزمات متفرقة، بل عودة صريحة لمنطق الاستعمار القديم نفسه: قوة عارية، موارد تُنهب، سيادة تُنتهك، وخطاب أخلاقي يتبخر لحظة تعارضه مع المصالح.
📌ملحوظة تاريخية مركزية:
ما سقط لم يكن الماركسية، بل النموذج الستاليني في الاتحاد السوفيتي. أما الماركسية بأشكالها المختلفة، فستنهض من جديد، كرد فعل طبيعي لجرّ نصف الكرة الجنوبي مجددًا إلى زمن الاستعمار المتغطرس والعبودية الحديثة، حيث تُعامل الموارد على أنها ملك حصري للكبار في نصف الكرة الشمالي.
لم تعد الولايات المتحدة اليوم تكذب، ولا تتجمل بخطاب النيوليبرالية وحقوق الإنسان.
▪ ما فعله دونالد ترامب لم يكن خروجًا عن السياق، بل كشفًا فجًّا لما كان يُمارس بهدوء لعقود. الفرق الوحيد أن اللغة تغيّرت: من التلميح إلى التصريح، ومن “نشر الديمقراطية” إلى “وضعنا يدنا على النفط”.
الحديث عن استخدام قوة دلتا (Delta Force) — القوة النخبوية الأكثر سرية في الجيش الأميركي — لتنفيذ عمليات خاطفة لتغيير موازين القوى الدولية، ليس جديدًا. هذه القوة نفسها ارتبط اسمها بإسقاط أنظمة واعتقال رؤساء، من بنما إلى العراق، ومن أفغانستان إلى ليبيا. الجديد فقط هو العلنية.
حين يُقال على شاشات العالم إن الولايات المتحدة “قبضت” على رئيس دولة ذات سيادة، وإن العملية كانت “نظيفة ولم يُقتل أمريكي واحد”، فنحن لسنا أمام زلة لسان، بل أمام منطق إمبراطوري عارٍ.
مأزق الصلاحيات داخل القانون الأمريكي
الرئيس الأمريكي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه ليس مطلق الصلاحية.
الدستور يمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب، ويقيّد ▪استخدام القوة خارج حالات محددة:
▪الدفاع المباشر عن الولايات المتحدة
▪تفويض صريح من الكونغرس
▪حالات طوارئ محدودة للغاية
اختطاف رئيس دولة أجنبية باستخدام قوة عسكرية نظامية، داخل دولة ذات سيادة، لا يندرج تلقائيًا تحت أي من هذه الحالات.
حتى قانون صلاحيات الحرب (1973)، الذي وُضع لمنع تكرار فيتنام، لا يمنح الرئيس شيكًا على بياض لمثل هذه العمليات، مهما صُوِّرت كـ “عمليات محدودة”.
استخدام Delta Force يسقط أي ادعاء بأنها “عملية أمنية” أو “إنفاذ قانون”. نحن أمام عمل عسكري مكتمل، مهما كانت مدته أو عدد ضحاياه.
القانون الدولي: تعليق بالقوة
في القانون الدولي، يتمتع رؤساء الدول بحصانة سيادية كاملة. لا يجوز اعتقالهم أو خطفهم أو نقلهم قسرًا إلا عبر:
▪محكمة دولية مختصة
▪أو بموافقة دولتهم
▪أو بعد فقدان الصفة الرسمية داخليًا
الولايات المتحدة ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، لكنها في الوقت نفسه تدّعي حق الاعتقال خارج أي إطار دولي. هذا ليس إنفاذًا للقانون، بل تعليق للقانون بالقوة.
وصف فنزويلا لما جرى بأنه “عدوان عسكري” ليس دعاية سياسية، بل توصيف قانوني دقيق وفق ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر:
▪استخدام القوة
▪التدخل في الشؤون الداخلية
▪تغيير الأنظمة بالقوة دون قرار من مجلس الأمن
هل حقًا كان هناك نظام عالمي… أم نظام للكبار فقط؟
قبل عرض سجل التدخلات، لا بد من طرح السؤال الجوهري:
هل النظام الدولي بعد 1945، والأمم المتحدة، كانا فعليًا يحكمان العالم وفق القانون الدولي؟ أم أنهما وُجدا لحماية مصالح القوى الكبرى وتنظيمها؟
📌الدليل الأوضح هو خطة مارشال:
▪أُعيد بناء أوروبا الغربية بسرعة وكثافة لأنها جزء من منظومة الكبار.
في المقابل،
▪لم تُعوَّض ولم يُعاد بناء الدول التي خضعت للاستعمار لعقود، في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
▪لم يُطرح يومًا تعويض شامل عن نهب الموارد أو تدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية في المستعمرات السابقة.
📌الأمم المتحدة، في هذه البنية، لم تكن حَكَمًا عالميًا بقدر ما كانت:
▪إطارًا قانونيًا لإدارة مصالح المنتصرين
▪وسقفًا منخفضًا لا يُطبّق إلا على الدول الضعيفة
📌باختصار: النظام الدولي لم يحكم العالم، بل نظّم الهيمنة، وترك نصف الكرة الجنوبي أسيرًا لإرث الاستعمار.
سجل التدخلات: الوقائع بلا تجميل
ما يجري اليوم لا يمكن فهمه دون العودة إلى سجل طويل من التدخلات، الانقلابات، والاغتيالات. ليس بوصفها “أخطاء”، بل كنمط متكرر.
أولًا: تدخل عسكري أمريكي مباشر (غزو / اعتقال / إسقاط بالقوة)
▪1958 – لبنان: كميل شمعون
▪1961 – كوبا: فيدل كاسترو
▪1983 – غرينادا: موريس بيشوب
▪1989 – بنما: مانويل نورييغا
▪1991 / 2003 – العراق: صدام حسين
▪1999 – يوغسلافيا: سلوبودان ميلوسوفيتش
▪2001 – أفغانستان: الملا محمد عمر
▪2011 – ليبيا: معمر القذافي
▪2020 – إيران: قاسم سليماني
ثانيًا: انقلابات وتغيير أنظمة بدعم أو تخطيط أمريكي
▪1949 – سوريا: شكري القوتلي
▪1953 – إيران: محمد مصدق
▪1954 – غواتيمالا: ياكوبو آربينز
▪1963 – فيتنام الجنوبية: نغو دينه ديم
▪1964 – البرازيل: جواو غولارت
▪1965 – إندونيسيا: أحمد سوكارنو
▪1967 – اليونان: قسطنطين الثاني
▪1970 – كمبوديا: نورودوم سيهانوك
▪1973 – تشيلي: سلفادور أليندي
▪1980 – تركيا: سليمان ديميريل
▪1994 – هايتي: جان برتران أريستيد
▪2014 – أوكرانيا: فيكتور يانوكوفيتش
▪2019 – فنزويلا: نيكولاس مادورو
هذه ليست حوادث متفرقة، بل سلسلة متصلة عبر سبعة عقود.
النفط، القوة، وانهيار الأقنعة
حين يُقال علنًا “وضعنا يدنا على بترول فنزويلا”، فنحن نعود إلى منطق بسيط وقاسٍ:
من يسيطر على الطاقة يسيطر على السياسة.
الفرق اليوم أن الخطاب لم يعد يتخفى خلف “نشر الديمقراطية”. ترامب لم يغيّر جوهر السياسة الأمريكية، بل كشفها. أزال الزخرفة الأخلاقية، وترك القوة تتكلم باسمها الحقيقي.
الإمبراطوريات حين تكون واثقة، تتزين بالقيم.
وحين تبدأ بالتآكل، تتوقف عن التمثيل.
الشعوب، العنف الثوري، وما بعد الإمبريالية
الاجتياح المتغطرس لفنزويلا ومواردها، والحرب في أوكرانيا، والضغط على إيران، وتمدد إسرائيل، كلها ليست سوى اختبارات قاسية لحدود الصبر الشعبي.
حين تُدفع شعوب أميركا اللاتينية وأفريقيا مجددًا إلى الهامش، ويُقال لها عمليًا إن:
▪الموارد ليست لكم
▪السيادة مشروطة
▪القانون لا يحميكم
فإن العنف الثوري يعود إلى الواجهة، لا كخيار رومانسي، بل كنتاج تاريخي طبيعي للهيمنة العارية.
الخلاصة
ما نشهده اليوم ليس نهاية التاريخ، بل بداية طور جديد من الصراع العالمي:
▪تفكك النظام الدولي القائم على القانون
▪عودة الإمبراطوريات بصيغ حديثة
▪صعود مقاومات شعبية وفكرية جديدة
▪إعادة طرح سؤال العدالة العالمية من خارج مؤسسات الكبار
نحن لا نعود إلى الاستعمار القديم…
بل نواجهه وقد خلع آخر أقنعته.
والتاريخ — مرة أخرى — لا يكذب، ولا يتجمل.




الماركسيين يعيشون فى بلاد الغرب الإمبريالى الرأسمالى و لا يقبلون بتبديل طائرة رحلتهم فى مطار أى نظام شيوعى و يسبحون بحمد الغرب الإمبريالى الرأسمالى و يرفعون شعارات الثورة البلشفية كل شهر فى إجتماع الحزب ليلا بعد تطاير الكؤؤس
لله درك استاذ عبدالحفيظ فقد وصفت الواقع بدقة شديدة
مقال كارب تب لكن خربتو بالتبشير للماركسية الآفلة .عفارم عليك .لكن نحن مسلمين والسودان بلد مسلم