مقالات وآراء

المجتمع السوداني – ناتج صناعة الحلقة المفرغة (1898م – 1926م) و ضحيتها!!!

م. التجاني محمد صالح 

وكما قيل لكي يفهم المرء ما يحدث الآن لا بد له من قراءة الخمسة آلاف عام الأخيرة من عمر البشرية. وكذالك لكي يفهم ما يحدث للسودانيين الآن لا بد له من قراءة المائة عام الأخيرة من تاريخ السودان المصنوع على أقل تقدير.

إنها فترة تم فيها تصميم ووضع أساس بناء مجتمع ما بعد الدولة المهدية وكيف أريد لهذا المجتمع أن يكون في العقود اللاحقة. هي فترة جوهرية وحاسمة حددت سمات المجتمع الوليد ومساره الحالي.

لقد تم تفتيت وتجزئة المجتمع رأسيا وأفقيا بوضع الحواجز التي تمنع مكوناته من الإتصال الفعال ببعضها لإنتاج أمة سودانية موحدة حول قضاياها الوطنية. حدث هذا على عدة مستويات فيما بات يعرف بالثنائيات. فهناك المدني والعسكري والغردوني بربطة عنق والأمي  وشبه الأمي بالعراقي الذي ترك لحاله والمديني والريفي وطبقة الحكام والمحكومين وأولاد الغرب والجلابة وزعماء الإدارة الأهلية وعامة خلق الله والخرطومي وأهل العوض ، الجنوبي والشمالي ، المزارع والراعي وأخير وليس آخرا عسكر المدينة وعسكر الخلاء والساقية مدورة لتنتج المزيد من الثنائيات والمزيد من تشظي المجتمع.

يمكن فهم ما يحدث للمجتمع السوداني الآن كتتويج ومحصلة (غير نهائية) لسياسات وممارسات أختبرت على مدى قرن كامل على الشعب “الصديق” أثبتت فيه نجاحها الحاسم حين أنتجت مؤسسات بشقيها المدني والعسكري لخلق وعي زائف بالذات.

هي سياسات وممارسات صممت  وطبقت بعنف شديد في بدايتها  حتى استقام لها عود الطاعة فاستبدلت تلك الشدة والعنف بممارسة أخرى أشد فتكا بالجسد الوطني من سابقتها وإن بدت تلك السياسات رحيمة في مظهرها أسفرت عما بات يعرف بالسودان الحديث.

نتج عن كل ذلك مجتمع حديث في مظهره يتغنى بقيم الحداثة ويتزيا بزيها وترى المتعلمين كثير منهم حين يملأ شدقيه بتفاخر حين يتحدث عن الديموقراطية وحقوق الإنسان مثلا فهو ينبئ في الواقع عن متخلف في الجوهر.

سياسات أنتجت مجتمعا ضعيفا مفككا يخشى السلطة التي قهرته تاريخيا ويقدسها ولا يتعاطى معها كمواطن له حقوق وعليه واجبات ولكن كمتزلف طامع وخادم مطيع يحمد لها ان أبقت عليه على قيد الحياة فهذا كرم منها ما بعده كرم. مجتمع يخشى متعلموه خاصة من الحديث عن الحقوق ومقاومة الباطل حتى وإن أدمى ظهورهم واغتصبهم أو حمل عليهم السلاح وقتلهم.

ما حدث بعد كرري والسنين التي تلت في الفترة الزمنية المذكورة هو أن تم خبز وعجن وطي ونشر المجتمع وصناعته وإخراجه وفقا للرؤية التي تم إعدادها وفرضها بعدة حيل منها ما هو ظاهر كالإجراءات العسكرية الفجة من قتل واضطهاد لكل من يعارض تلك السياسات حتى دانت بذلك البلاد بأكملها للنظام المغتصب الجديد وفرضت السلطة سلطتها ومنذ ذلك التاريخ أصبح لرمز السلطة القاهر – العسكر – وقع خاص مزيج من خوف متأصل في النفوس ورغبة في الدخول في خدمتها. تلك الوسيلة  كانت إستخدام الآلة العسكرية في قمع وإضطهاد كل صوت وطني.

ومن الوسائل التي تبدو ناعمة النظام التعليمي الذي انتج موظفين وكتبة وإداريين أسهموا بدورهم في نشر وإنجاح تلك السياسات وساهموا بنصيب الأسد في إنتاج جيل نرى قادته يهربون لأول صيحة. بل ونراهم يعلنون ما يسمونه بالحياد الإيجابي ويحاجون غيرهم ان هذا هو الموقف الشجاع ولا نعلم ما إذا كان هناك حياد في القضايا الوطنية!

إن ناتج التعليم والتدريب بشقيه المدني والعسكري المصمم لصناعة الحلقة المفرغة يخدمون بإخلاص الحلقة المفرغة نفسها كجزء من الرؤية الكلية للحلقة التي تنتج وسائل ترميم هياكلها ممثلة في الناتج نفسه.

من أوجب الواجبات الآن على الشعب السوداني ولجان مقاومته كسر هذه الحلقة المفرغة بالتعاطي مع قضيتهم الوطنية بالمستوى المطلوب من جرعة الكينين وما حك جلدك مثل ظفرك.

٦ أبريل يحبنا ونحبه

‫4 تعليقات

  1. ان الشعب السوداني لا أمل له في ان يعود الى ( الحياة) بالمعنى البلاغي، و هذه للذين لديهم وعى و هم يعقلون، الا ان يصطلي بهذه الجذوة الحارقة التي ستطهر كل الوطن و كل ما يحتويه من بشر و شجر و تراب.

  2. في الفترة دي تم إصدار قانون تجريم الرق الإعترضو عليهو للأسف زعماء وطنيين ورجال طرق وطوائف صوفية قامت مصالحهم على الإقطاع والسخرة في الأرض، دي فترة أعقبت فترة المهدية الإستعادت الرق بعد تجريمه على أيام حكمدارية غردون الأولى..

    حقو تكون أمين في تناولك التاريخ بشمول..

  3. 😎 العقل الجمعي للسودانيين مشبع بالخرافات و السحر و الماورائيات فكيف نتوقع ان تحدث نهضة في مثل هذا المجتمع قبل ان تحدث ثورة في العقول ؟😳

    العلمانية وبناء الدولة الوطنية

    جعفر المظفر

    المقالات والكتب التي تبحث في موضوعة العَلمانية باتت كثيرة ومتشعبة. هناك من يبحث فيها كموضوعة مستقلة، وهناك من يبحث فيها كموضوعة متداخلة مع مواضيع أخرى ذات علاقة. وإذا كان الغرب قد أنجز بناء المسألة العَلمانية كفكر وكأنظمة، ووجد من خلالها الحل لمجموعة الأزمات والكوارث التي كان قد عاصرها وصارت له معيناً لبناء نظم متقدمة ومفتوحة على التطور فإننا في مشرقنا العربي بخاصة, وفي العديد من البلدان التي تجاوره, ما زلنا نشهد صوراً كثيرة من مشاهد الاحتراب معها أو العودة عنها أو ارتفاع منسوب الخصومة إزاءها.
    ولقد شهدنا في العديد من بلدان هذه المنطقة عودة إما كاملة وحادة وسريعة عن النهج (العليماني) الذي كان سائداً من قبل، مثلما حدث في إيران التي التزمت بنظام الوليّ الفقيه, أو عودة ناعمة تتخذ مسار التحولات التدريجية التي يُراد لها أن تفضي إلى نظام ينسجم مع قواعد اللعبة التي يديرها الأخوان المسلمون كما يحدث في تركيا. وهنا فإن مشاكلنا, كبلدان وطنية كانت قد نشأت بعد انهيار الحكم العثماني وبعد انتصارالحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى, لم يكن مبعثها داخلياً فقط ، وإنما صارت تتأثر إلى حدٍ كبير بطبيعة المتغيرات التي تجري في بلدان الجوار وفي المقدمة منها تركيا وإيران, حيث تصاعدت وتائر تلك المتغيرات بمستويات أدّت إلى دخولها المباشر على الساحات العربية المتفرقة التي أسرعت بدورها إلى إعلان ولائها وتبعيتها لهذا البلد المقرر أو ذاك, بعد أن كسرها العدوان الإسرائيلي عام 1967 والذي فضح من جانبه هشاشة الأنظمة العربية العُليمانية التي كانت قد تأسست في جمهوريات الانقلاب العربية ضد الأنظمة الملكية كما حدث في مصر عام 1952 وفي العراق عام 1958 ثم ما تلى ذلك من هزائم وكوارث أدت في النهاية إلى احتلال العراق من قبل أمريكا بعد أن مهد الغباء والعنجهية الصدامية لهذا الاحتلال في أعقاب غزو الكويت.
    على المستويين السياسي والاجتماعي فإن البلدان العربية التي يهمنا أمر الحديث عنها صارت تتحدث بشكل واضح باللغة نفسها التي كانت تتحدث بها أوروبا قبل قرون, أي بلغة الدين السياسي التي كانت قد نتجت عن الهيمنة المباشرة لرجال المؤسسة الدينية المسيحية, والتي لم يكن مقدراً لأوربا أن تشهد نهضتها لولا أنها حسمت معركتها مع تلك المؤسسة التي لم تكن قد أعدمت وسيلة إلا واستخدمتها لأجل ردع حركة النهضة والقضاء عليها.
    ولقد أدى انتصار الحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى إلى مولد نظم عربية جديدة شكَّلت بدورها وسيلة لانتقال المنطقة نفسها من الحكم ذي الصبغة والشعارات الدينية إلى حكم الأنظمة المدنية التي كان مؤملاً منها أن تتكفل بتحقيق النقلة النوعية إلى رحاب الدولة ذات النظام العَلماني الذي يتكفل بفصل الدولة عن الدين ومؤسساته ورصف الطريق الكفيل بتحقيق نهضة علمية وفكرية واقتصادية وسياسية ومجتمعية بعيداً عن هيمنة المؤسسات الدينية أو إسقاطات أفكارها التي تقف حجر عثرة في طريق التقدم والتطور.
    وفي البداية جاء تأسيس الدول الوطنية الجديدة واعداً بهذا الاتجاه, لكن تأثير الاختلاف التاريخي بين المجتمعات العربية من جهة والمجتمعات الغربية من الجهة الأخرى قد عطل إمكانات ولادة نظم عربية بدساتير وقوانين عَلمانية كتلك التي ولدت في الغرب. وإذ ليس من الحكمة إلقاء تبعية التعطيل على القوى الاستعمارية والصهيونية لوحدها فإن النظر بعين الإهتمام والدقة لغرض تشخيص العوامل الداخلية المعطِلَّة التي أدت بدورها إلى إجهاض مشروع ولادة الدولة العَلمانية عربياً يصبح ذا أهمية قصوى, إذ ليس من المعقول أن نلجأ إلى نظرية المؤامرة كلما أردنا الحديث عن عوامل تخلّفنا, فبدون تشخيص عوامل ضعفنا الذاتية يصبح مرور المؤامرة أمراً يسيراً, أما ردم تلك الفجوات فإن من شأنه أن يعطل ويبطل من مفاعيل أية مؤامرة تستهدف إبقاءنا في حالة التخلف, فالمتآمر الأول والمركزي ضدنا هو (نحن) وعلينا أن نبحث في (نحن) عن ضعفنا وتخلفنا وعن الثغرات التي تدخل من خلالها قوى التآمر والردة.
    الواقع إنّ العلمانية لا يمكن أن تنجح في بلداننا العربية لمجرد أنها نجحت في الغرب, وما لم تكن هناك عوامل استدعاءٍ داخلية لها فإن بناءها يصبح ضعيفاً ومهزوزاً ومعرضاً للسقوط. ولعل هذا ما حدث بالضبط حينما انهارت الأنظمة العُليمانية بعد ستة عقود لصالح صعود قوى الإسلام السياسي التي لم تصعد نتيجة قوتها الذاتية وإنما نتيجة ضعف خطاب الأنظمة العليمانية التي سبقتها. وأجد أن من المهم جداً أن نبحث عن العوامل البنيوية التي أسست للتداخل الديني القومي أو الوطني في منطقتنا العربية والتي أجّلت ظهور عوامل الصدام الاجتماعية والثقافية والسياسية عن تلك التي استدعت الحاجة إلى العلمانية عما كانت عليه حالها في الغرب.
    ولعل هذا المشهد بالذات هو الذي استدعى وجود كتاب من هذا النوع, وهو كتاب هدفه التعامل مع إحدى التوقفات الجوهرية التي يحاول من خلالها منظرو الإسلام السياسي أن يؤكدوا على أن العلمانية كانت قد استدعتها حاجات الصراع في المجتمعات الغربية لحل الإشكالات المميتة بين قوى النهضة والتنوير من جهة وبين القوى الكنيسية على الجهة الأخرى, وبحجة أن تلك الإشكالات لا وجود لها أصلاً في المجتمعات العربية فإن الأخذ بنظام العلمانية سيأتي برأيهم من باب التقليد الأعمى.
    فأين هو الخلل الحقيقي على الجهتين, وهل بالإمكان القول وبخاصةٍ بعد التجربة المُرّة مع أنظمة وقوى الإسلام السياسي التي فشلت في تأمين الاستقلال الوطني والسيادة والوحدة المجتمعية وشغلت مفاعلات التمزق الديني والطائفي والقومي, هل يمكن القول إنّ حاجتنا إلى العلمانية قد باتت واضحة وأكيدة وضرورية.
    إن القارئ الكريم سيعثر في ظني على بعض الإجابات التي أرى أنها قد تكون شافية إلى حد ما للتعامل مع تلك الأسئلة الهامة, كما وسيجد نفسه أمام عددٍ من المفردات الجديدة التي سعيت لاشتقاقها وتأسيسها لغرض التعبير عن بعض المشاهد السياسية المحورية كمفهوم (الإسلاسي) و (العُليمانية).
    أما الفخر العظيم فذلك الذي أحصل عليه حينما أبدأ وأتوّج إهدائي بوقفة إجلال لشهداء انتفاضة تشرين في العراق، الذين هوت أجسادهم العارية بنيران زمر عصابات النهب والسلب وأزلام النظام الطائفي المدعوم من قبل نظام الولي الفقيه في إيران والمسكوت عنه من قوى الاحتكار العالمي التي تتخادم جميعها من أجل نهب المنطقة العربية برمتها وإبقائها في حالة التمزق والتشتت والتخلف, فإن تذكرت شعارهم السهل البسيط الرائع الممتنع (نريد وطناً) فلأنني أشاركهم معرفة أن استعادة هذا الوطن وبناءه من جديد لا يمكن أن يمر إلا من خلال بدايات جديدة يبدأ خط شروعها من نقطة تجاوز المشروع (الإسلاسي) نفسه لبناء مجتمع عَلماني ديمقراطي قادر على بناء أنظمة وطنية حيث الأكثرية فيها هي أكثرية الحق وليست أكثرية الطائفة أو الدين أو العنصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..