مقالات وآراء

“البلبوسية”: أيدولوجيا الصوت العالي وغياب العقل

في البدء كانت الكلمة، بالتأكيد الكلمة هنا لا تعني لفظاً منطوقاً بل تعني المعنى والعقل والمبدأ الذي به يفهم الوجود، كما تقول الفلسفة اللاهوتية، وحين فسدت الكلمة فسد المعنى، وحين انحرف المعنى صارت اللغة خنجراً أعمى يُغمد في خاصرة الوطن الجريح باسم “الكرامة”، والفداء والتضحية والبطولة الوهمية.
هكذا وُلدت كلمة “البلابسة” لا كفكرة أو مصطلحاً نشأ في حيز العلم والمعرفة، بل كعطب في الوعي، وكحالة شلل ذهني تصيب من يكرر الشعار “المغلوم”، دون أن يدرك كارثية مآلاته، ومن يهتف للحرب كما لو كانت نشيداً مدرسياً لا فاتورة واجبة السداد دماً، ولا مقابر جماعية عامرة بالأجساد المجهولة إسماً ورسماً وهوية، ولا خراب ودمار للحجر والشجر.
“بل بس”، ليست مجرد لفظة عابرة؛ إنها اختزال فجّ للعقل، ومصادرة للأسئلة التي تنتج اجابات تنفع الناس، وتكثيف للعنف في مقطعين صوتيين. هي اللغة التي حين تُقال تُغلق أبواب التفكير، وحين تُكرر تتحول إلى طقس من طقوس الطاعة العمياء.
قيل إنها خرجت أول مرة تحريفاً لمعناها الأصلي من فم “جبريل إبراهيم”، رئيس حركة ما يسمى بالعدل والمساواة أمام رهط من جنده، – ذاك الرجل الذي اعتاد أن يرى السياسة ساحة قتال لا مائدة تفاوض، وأن الوطن غنيمة لصالحه لا عقد شراكة يشترك في مصيره الجميع وان الارتزاق مهنة -. ثم جرى من بعد ذلك تعميدها في إعلام يعرف جيداً كيف يحوّل الصراخ إلى عقيدة، والضجيج إلى بديل عن الرؤية.
في أصل الحكاية وتأصيلاً لكلمة “بل بس”، كما تروي الذاكرة الشعبية، قِيل أنه حبلٌ تيبس من طول الإهمال حتى أصبح عصياً على حل عقدته، وبهيمة مربوطة به تنتظر قطرة ماء تليّنه كي يسهل حله.
لكن المفارقة المأساوية أن من يرفعون اليوم شعار “بل بس” لا يريدون تليين الحبال بل شدّها، لا لفك العقد بل لتعميقها، حتى يختنق الوطن ويُقال بعدها بفخر كذوب: لم يكن لنا خيار غير الرصاص والدم سبيلاً إلى سلطة على انقاض الوطن.
هنا يتجلى البلبوسي كـ “جِتّةْ منزوعة العقل” وكائن ببغائي يردد الكلمة خارج عقله الصغير وإدراكه المغيب، يلوّح بالحرب وكأنها نزهة، ويتحدث عن الخراب كما لو كان مرحلة مؤقتة في طريق العودة إلى الكرسي.
لا يرى في القصف جريمة، ولا في التشريد مأساة، ولا في الدم إلا حبراً إضافياً لبيان سياسي. يؤمن أن الحرب بلا ثمن، وأن الأوطان تُستعاد بالركام، وأن الأيادي التي ستُقبّل في النهاية لا تزال نظيفة رغم أنها غاصت حتى المرفقين في الدم والجراح والألم.
يقف خلف هذا الشعار سيناريو وانتاج وإخراج سياسيون وإعلاميون كيزان ولغوا في بحر من الدماء والاجرام والفساد بشتى صنوفه، فأدركوا أن الطريق إلى السلطة لم يعد يمر عبر صناديق أصوات الناس ورضائهم وإرادتهم الحرة، فاختصروا الطريق عبر فوهات البنادق والرصاص.
وحين عجزوا عن إقناع الشعب، لجأوا إلى تنويمه “حنجورياً”: إعلام يكرر، ومنصات تصرخ، وجمهور يُدرّب على الترديد لا على الفهم.
حتى صارت “بل بس” أشبه بتعويذة؛ من قالها أُعفي من التفكير، ومن هتف بها سقط عنه واجب السؤال: لماذا؟ ولصالح من؟ وعلى جثث من؟
لكن التاريخ لا يُخدَّر طويلاً، واللغة مهما تلوثت تستعيد معناها يوماً. سيأتي وقت تُكسَر فيه هذه الدوامة الصوتية، ويُسأل فيه مروّجو الحرب عن حصادهم: ماذا أبقيتم من الوطن؟ وأي سلطة تُبنى على أنقاض المدن ونواح الثكالى؟
وأي نصر هذا الذي لا يرى إلا من خلف الشاشات والمواقع الاسفيرية التي تنتج وهماً وسراب بقيع ظنه المهزوم ماء نصراً زلالا؟ وكما يعلمون أو كان ينبغي عليهم ان يعلموا ان النصر على جرح الوطن هزيمة نكراء.
إن أخطر ما في “البلبوسية”، ليس الكلمة نفسها، بل ما تُخفيه من مشروع خراب يُقدَّم في عباءة الحسم، وانتحار جماعي يُسوَّق باسم الوطنية.
وما لم تُستعاد اللغة من أيدي تجار الحرب والدم، سيظل الوطن مربوطاً بحبل متسخ ويابس، لا ينتظر ماء العقل والحكمة لحل عُقده المتشابكة، بل مقصلة الشعارات المخاصمة للوعي والعقل التي لا تنتج إلا خراباً.
وفي نهاية المأساة، لا تُنقذ الأوطان بمن يقولون آلياً “بل بس”، بل بمن يجرؤون على قول لماذا؟ ولا تُبنى الدول بالصوت العالي، بل بالعقل اليقظ، والضمير الذي يرفض أن يكون الحرب طريقاً، والدم ثمناً، والسلطة غاية في حد ذاتها.
بئس من يرى في الدمار كرامة وفي التشرد والتنزيح واللجوء مفخرة. الأوطان لا تشترى لو تعلمون.

‫3 تعليقات

  1. سر فناء قحت : عبدالسلام طه طه

    Abdulsalam Taha Taha
    ما هو سر فناء قحت ،كيف تخرج من العملية السياسية نهائيا وتصبح تاريخ مكروه ؟
    شات جي بي تي :
    سؤالُك في جوهره ليس عن قحت بوصفها تحالفًا عابرًا، بل عن كيف تموت الكيانات السياسية أخلاقيًا قبل أن تموت تنظيميًا.
    وسرّ فناء قحت – إن أردنا تسميته سرًا – ليس واحدًا، بل تراكم أخطاء قاتلة صنعت نهايتها ببطء ثم فجأة.
    يمكن تلخيص المسألة في سبعة مفاتيح رئيسية:
    1️⃣ الخروج من السياسة إلى الأيديولوجيا الصلبة
    قحت لم تتعامل مع السياسة بوصفها فن الممكن، بل بوصفها أداة تحقيق مشروع ثوري مغلق.
    فاستبدلت:
    التوافق ← بالإقصاء
    الدستور ← بالشرعية الثورية
    المؤسسات ← باللجان والواجهات
    وهنا بدأت تفقد صفتها كفاعل سياسي، وتتحول إلى حركة أيديولوجية بلا دولة.
    2️⃣ العداء الصريح لفكرة النظام الدستوري
    في اللحظة التي رفضت فيها:
    الفصل بين السلطات
    استقلال القضاء
    تحييد النيابة
    الضبط الدستوري للسلطة
    كانت تعلن – صراحة أو ضمنًا – أنها لا تؤمن بالدولة الحديثة، بل بدولة تُدار بالهتاف والبيانات.
    وهذا وحده كافٍ لتحويل أي فصيل إلى خطر تاريخي لا شريك سياسي.
    3️⃣ احتقار المجتمع لا تمثيله
    قحت تعاملت مع المجتمع السوداني كـ:
    قاصر سياسيًا
    جاهل بخياراته
    يحتاج وصاية “نخبوية”
    ففقدت القاعدة الاجتماعية، واستعاضت عنها بـ:
    منظمات ممولة
    خطاب إعلامي مغلق
    دعم خارجي منفصل عن المزاج الشعبي
    وعندما تخسر المجتمع، لا تبقى إلا كـ ذكرى ثقيلة.
    4️⃣ التواطؤ الرمزي مع العنف
    قد لا تكون قحت أشعلت الحرب، لكنها:
    برّرت الفوضى
    غضّت الطرف عن المليشيا
    شيطنت الجيش بوصفه مؤسسة لا بوصفه سلطة قابلة للإصلاح
    فانكشفت أخلاقيًا لحظة سقوط الخرطوم، لأن الدم لا يقبل التأويل السياسي.
    5️⃣ الارتهان للخارج بدل بناء الداخل
    حين يصبح خطابك:
    مُرضيًا للسفارات
    متسقًا مع أجندات إقليمية
    منفصلًا عن أولويات المواطن
    فأنت لم تعد مشروع حكم، بل مشروع إدارة أزمة بالوكالة.
    والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى من راهن عليها من خارجها.
    6️⃣ فقدان القدرة على المراجعة
    كل التيارات الكبيرة في التاريخ:
    أخطأت
    تراجعت
    صححت
    إلا قحت…
    كل فشل عندها:
    “مؤامرة – فلول – كيزان – دولة عميقة”
    وحين تفقد القدرة على النقد الذاتي، تبدأ بالتحلل من الداخل.
    7️⃣ لحظة التحول إلى “تاريخ مكروه”
    الكيانات لا تصبح مكروهة لأنها خسرت،
    بل لأنها رفضت الاعتراف بخسارتها وأصرت على الوصاية.
    قحت خرجت من الذاكرة الوطنية بوصفها:
    لا ضحية
    ولا منقذ
    بل فرصة ضائعة اقترنت بالفوضى
    وهذه أخطر صورة يمكن أن يتركها فاعل سياسي.
    الخلاصة
    سر فناء قحت أنها:
    لم تؤمن بالدولة
    لم تحترم المجتمع
    لم تفهم السياسة
    ولم تتحمل مسؤولية الفشل
    فخرجت من العملية السياسية لا بقرار خصومها،
    بل بحكم التاريخ…
    والتاريخ – حين يحكم – لا يكتب بيانات، بل يضع أسماء في الهامش ))
    تحليل جيد جدا على منسوبي قحت قرأته مرا ومرات

    1. سر فناء قحت هو لأنهم ورود يانعة في مستنقع و مرحاض تاريخي
      اما التاريخ فهو يسطر الان بأقلام جهلاء العصر الطباشيري ، الكاهن جوقته من دهماء البشر البنفسجيين و الرجرجة و الغوغاء لرسم اخر صورة بشرية من التخلف و الحهالة و هنيئا للغربان و هى تنعقد على خرائب الوطن مجاعة و أمراض و لا ننسي اللصوص و المنافقين و المغفلين فقد اوفيتم و كفيتم

      1. اكثر من 80% من هذا الشعب ما داير فلسفة كتيرة : استقرار امني يساعد على الانتاج واستمرار الخدمات الضرورية ويطبع الحياة لنكون كبقية الشعوب
        لا قحط ولا خلافها غير مرغوبين لانهم أعداء الاستقرار هم اهل المظاهرات والفوضى والتتريس وتعطيل الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..