البرهان الواجهة المثالية للخراب (3_4)

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية .نيويورك
لم ينهَر السودان لأن الدولة كانت قوية ثم ضعفت، ولا لأن نظامًا سابقًا كان صالحًا ثم فسد، بل لأن الدولة السودانية كانت أصلًا مُخرَّبة بفعل عقود من الحكم الشمولي، والفساد، والعسكرة، وتسييس الجيش. نظام البشير لم يترك دولة، بل ترك ركامًا مؤسسيًا، وجيشًا مُسيّسًا، واقتصادًا منهوبًا، وسلطة بلا عقد اجتماعي. تلك لم تكن دولة قابلة للاستمرار، بل دولة مؤجَّلة الانهيار.
عبد الفتاح البرهان لم يرث دولة سليمة، صحيح، لكنه ورث لحظة نادرة لإيقاف الانهيار. تلك اللحظة لم تكن البشير ولا ما قبله، بل الفرصة القصيرة التي فُتحت مع حكومة حمدوك: فرصة مدنية هشة، محدودة، لكنها كانت الوحيدة التي حملت إمكانية تفكيك الدولة العميقة، وإعادة بناء الشرعية، وفصل الجيش عن السياسة. هذه الفرصة لم تُهدر بالصدفة، بل أُجهضت بقرار.
في قلب هذا القرار يقف البرهان. لا كامتداد طبيعي للفشل السابق، بل كـ القائد الذي اختار أن يعيد إنتاج الخراب بدل قطعه. كان يعرف أن الدولة التي ورثها مفخخة، وكان يعرف أن استمرار الحكم العسكري يعني الانفجار. ومع ذلك، لم يختر مسار التفكيك والإصلاح، بل اختار حماية بنية العسكرة نفسها.
اللحظة الفاصلة كانت انقلاب 25 أكتوبر 2021. هذا الانقلاب لم يُسقِط نموذجًا ناجحًا، بل وأد آخر فرصة لمنع الانهيار الكامل. وكان تدبيرًا كيزانيًا واضحًا، هدفه حماية شبكات النظام القديم من التفكيك، وإعادة السيطرة على الدولة عبر الجيش. لكن البرهان لم يكن شاهدًا على هذا التدبير، بل أداته العسكرية وواجهته السياسية. من دون توقيعه وقوته، ما كان للانقلاب أن يحدث.
بهذا الفعل، لم يُنهِ فقط الشراكة المدنية، بل أغلق باب التاريخ. أعاد السياسة إلى منطق القوة، وقطع الطريق أمام أي إصلاح حقيقي للمؤسسة العسكرية، وكرّس الجيش كفاعل سياسي لا كجهاز وطني. منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال متى سينهار السودان، بل كيف وبأي ثمن.
ثم جاء التفريط الأخطر: ملف السلاح والجيش. لم يُفكَّك الإرث العسكري للنظام السابق، لم يُدمَج السلاح، ولم تُبنَ قيادة موحّدة. تُرك الجيش مسرحًا لاختراقات أيديولوجية وصراعات نفوذ، وكأن الانفجار ليس حتميًا. هذا لم يكن عجزًا عن الإصلاح، بل رفضًا له.
وحين اندلعت حرب 15 أبريل 2023، لم تكن مفاجأة، بل النتيجة المنطقية لمسار اختاره البرهان منذ الانقلاب. حرب نُفِّذت داخل مؤسسة تخضع لسلسلة قيادة تنتهي عند القائد العام. في منطق الدولة، لا يُحاسَب التاريخ على الفوضى، بل على من سمح بها.
ولا يوجد هنا مخرج أخلاقي: إن كان يعلم وسكت، فهو مسؤول عن إشعال الحرب. وإن كان لا يعلم، فهو مسؤول عن فقدان السيطرة. وفي الحالتين، المسؤولية كاملة.
السودان لم يسقط لأن البشير كان سيئًا—وهذا بديهي— بل لأنه حين فُتحت نافذة الخلاص الوحيدة، أغلقها البرهان بيده، وأعاد البلاد إلى منطق السلاح، حتى انفجرت الدولة.
التاريخ لن يقارن. لن يوازن. لن يقول: كان أسوأ قبله.
سيقول شيئًا واحدًا فقط: حين سنحت الفرصة الأخيرة للإنقاذ، كان عبد الفتاح البرهان في قمة السلطة… فاختار الانهيار.
وهذا هو الاتهام.




أكرر تاكيدى يا دكتور بأن سلسلة مقالك هذه لا تضاهي في روعتها ، وقد أبدعت وأقنعت . وأكرر تأكيدي بأن مشكلة السودان تكمن اساسا في الديش (القوات المسلحة سابقا) وليس في كيزان الشيطان . فوجود هذا الجيش المجرم سابق لوجود كيزان الشيطان ، وكان السبب الرئيسي لوجوده هو قمع المتظاهرين وتوطيد وجود الحكم البريطاني ، وهو يمثل الحية الرقطاء التي
فرخت كيزان الشيطان والجنجويد وكتاب البراء وبقية العقد الفريد . وأستغرب أيما استغراب حين أقرأ مقالات واسمع أقوال من كتاب ومناضلين مرموقين شرفاء عن بذل كل الجهود للقضاء على أخوان الشيطان وعلى الجنجويد ، متناسين أن الاشكال الحقيقي يكمن في وجود هذا الجيش المجرم وأن بزواله لن تقوم لكيزان الشيطان قائمة . وهذا يذكرني بالمثل السوداني القائل “عينك في الفيل وتطعن في ضله!” فكيزان الشطان هم ظل المشكلة وليس أصل المشكلة التي يمثلها هذا الجيش الآثم الذي تترأسه دائما طغمة من عتاة المجرمين من أمثال المقبول ، وعمر البشير ، وجعفر النميري ، والبغل البرهان والتيس ياسر العطا . ويبدو أن الخلاص من هذه الطغمة المجرمة أمر شبه مستحيل تحت الظروف الحالية . هذه ليست دعوة لليأس وأنما توصيف للموقف الحالي بوقائعه الحالية بدلا من الغوص في أحلام اليقظة وبناء قصور من الرمال ، تطبيقا للمثل القائل “أعرف عدوك قبل أن تنقض عليه” ، ولنتخيل مثلا : أننا اذا تخلصنا من كيزان الشيطان ومن الجنجويد ، فكيف نتخلص من جيش مجرم باطش يضع يده على أكثر من 80% من اقتصاد البلاد ، والذي يتأهب الآن لبيع أراض وأصول وموارد البلاد من أجل السلاح (راجع جولات البغل البرهان الأخيرة) مع عدم وجود قوة داخل أو خارج السودان تعيننا على الخلاص من هذا الكابوس المسمي بالجيش الوطني .