أخبار السودان

صحافة تحت الحصار.. حين تتحول السلطة إلى عدو لحرية التعبير في السودان

مداميك: ندى رمضان
لم تعد الحرب في السودان تقتل الصحفيين بالرصاص فقط، بل صار السلاح الجديد هو القانون والسلطة المحلية التي تضيق على الصحافة وتلاحق الانتقاد بالاعتقال والاستدعاء والمنع والاعتداء، لتدفع حرية الصحافة فاتورة الحرب الأخيرة.

وفي خضم ذلك احتجزت قوة من المباحث الجنائية الصحفي قرشي عوض مساء الخميس 13 أغسطس الجاري، واقتادته إلى قسم شرطة بربر، على خلفية بلاغ قيل إنه مقدم من جهاز المخابرات السوداني بموجب قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007.

وبحسب المعلومات المتاحة، أودع قرشي الحبس من دون أن يخضع للتحقيق في الليلة نفسها، فيما لم يكن قد أُطلق سراحه بالضمان حتى وقت إعداد التقرير، ولم تتضح مواعيد مثوله أمام النيابة.

ويأتي استخدام قانون جرائم المعلوماتية في قضايا ذات صلة بالنشر الصحفي وسط جدل أوسع حول توظيف القوانين الجنائية والإلكترونية في ضبط المجال العام.
ويثير ذلك تساؤلات بشأن حدود تطبيق هذه القوانين على العمل الصحفي، ومدى الالتزام بالضمانات القانونية المتعلقة بالقبض والتحقيق والحبس.

ولا تتعلق المسألة بالقانون وحده، وإنما أيضاً بكيفية استخدامه.

فإذا تحولت أدوات العدالة إلى وسيلة لمعاقبة الصحفي بسبب ممارسته لحقه في النشر أو النقد، فإن الأمر يتجاوز قضية فردية ليطال حرية الصحافة وحق الجمهور في الحصول على المعلومات.
منع التوثيق:
ولا تقف القيود عند الاعتقال، ففي منطقة الوادي الأخضر بالخرطوم، كشفت الصحفية تهاني النميري عن تلقيها اتصالاً من المدير الجديد للوحدة الإدارية، طالبها خلاله، وفق إفادتها، بالوقف الفوري عن أنشطتها الإنسانية والإعلامية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدعوى أن منشوراتها تتسبب في عرقلة عودة المواطنين والنازحين إلى ديارهم.
وتقول النميري إن المسؤول أبلغها بأن: «توفير الخدمات هذا عملنا نحن وليس عملك»، مع مطالبتها بالحضور إلى مقر الوحدة الإدارية.
وأوضحت أن نشاطها خلال العامين الماضيين اقتصر، بحسب إفادتها، على توثيق أوضاع المواطنين ومناشدة الجهات الرسمية لمعالجة أزمات المياه والكهرباء والصحة والغذاء، وتشير إلى أن بعض المناشدات المصورة أسهمت، في وقت سابق، في تدخل السلطات وتقديم مساعدات غذائية، ومعالجات جزئية لأزمة المياه، وتركيب طاقات شمسية للبيارات.
وحسب المتابعات فإن عمل الصحافة في المناطق التي تشهد عودة السكان بعد النزوح لا تقوم فقط بنقل الأخبار، وإنما تؤدي دوراً رقابياً في كشف الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع المعيشي للمواطنين.
وفي حالة الوادي الأخضر، تقول تهاني إن أزمة المياه لا تزال قائمة، وإن سعر برميل المياه وصل إلى عشرة آلاف جنيه، فضلاً عن مشكلات تتعلق بالتعديات على خطوط المياه وسرقة الطاقات الشمسية من البيارات.
انتقاد الوالي:
وفي ولاية النيل الأبيض، أفادت معلومات باعتقال الصحفية سوسن محمد عثمان بواسطة ما يسمى بالخلية الأمنية، بتوجيه من والي الولاية قمر الدين، على خلفية تدوينة نشرتها على «فيسبوك» وانتقدت فيها أداء الوالي.
وطبقا للمعلومات جاءت التدوينة في إطار تناول الصحفية للشأن العام وقضايا المواطنين، فيما استنكر الصحفيون الواقعة، واعتبروها تضييقاً على حرية التعبير والصحافة.
وتزداد القضية حساسية إذا كان سبب التوقيف هو انتقاد أداء مسؤول حكومي؛ إذ إن ممارسة النقد السياسي أو تناول أداء المسؤولين ينبغي ألا تتحول إلى سبب للاحتجاز.
حقوقها القانونية
وتأتي هذه الواقعة في ظل سلسلة من حالات التوقيف والملاحقة التي وثقتها جهات حقوقية وصحفية خلال العام الحالي، إذ أفادت في مايو 2026 بتصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين والعاملين في الإعلام، بما في ذلك الاعتقالات والملاحقات، وحذرت من انعكاس ذلك على حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومات.
حتى مناطق الحرب:
وفي مناطق سيطرة الحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، أعلنت منصة جبال النوبة أن مراسلة الغرفة الإعلامية فريدة هاشم عبد الله كودي تعرضت لاعتداء جسدي من القوات «الأطورو» التي سيطرت على مدينة كاودا، وأنها احتاجت إلى العلاج نتيجة الاعتداء.
وقالت المنصة إن الصحفية كانت تؤدي عملها الإعلامي ولم تكن طرفاً في النزاع المسلح.
وإذا تأكدت الواقعة، فإنها تضيف بعداً آخر لأزمة الصحافة السودانية؛ فالصحفي لا يواجه سلطة واحدة في بلد متعدد مراكز السيطرة، وإنما يجد نفسه أمام مخاطر مختلفة بحسب الجهة التي تسيطر على المنطقة التي يعمل فيها.
وتكشف هذه الوقائع حسب مراقبين أن الأزمة لم تعد مجرد خلافات فردية بين صحفيين ومسؤولين، وإنما اضحت مرتبطة بانكماش المجال المدني نفسه تحت ضغط الحرب وتعدد مراكز القوة.
الحرب لا تمنح حصانة:
تؤكد الوقائع المتتالية أن الحرب لم تؤدي فقط إلى تراجع أمن الصحفيين وسلامتهم الشخصية، بل دفعت أيضاً إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام من منظور أمني.
ففي المناطق الخاضعة للسلطات التابعة للجيش، قد يتحول نشر انتقاد أو تقرير عن القصور والفساد إلى قضية قانونية، بينما قد يصبح التصوير أو التوثيق في مناطق سيطرة الدعم السريع سبباً للاشتباه أو التوقيف أو الاعتداء.
وفي هذا السياق، يرى الصحفي علاء محمود في حديث لـ(مداميك) أن أزمة الإعلام السوداني أقدم من الحرب، مشيراً إلى أن المجال الإعلامي ظل في الغالب، محكوماً بثنائية «إما سلطوياً أو معارضاً»، وأن هذه الحالة استمرت بدرجات مختلفة حتى بعد سقوط نظام البشير.
ويقول محمود إن الحرب عمقت هذا الاستقطاب، إذ أصبح هناك إعلام ينحاز إلى إحدى جهتي الصراع ويخدم روايتها، مقابل قلة من الصحفيين والإعلاميين الذين يحاولون الحفاظ على قدر من المهنية، رغم شح الإمكانات وصعوبة الوصول إلى مصادر المعلومات.
ويضيف أن الحروب تقود غالباً إلى استقطاب إعلامي حاد، إذ يسعى كل طرف إلى تجنيد الصحفيين وصياغة روايته الخاصة، الأمر الذي يحول الإعلام من مساحة لإنتاج الحقائق إلى أداة للتعبئة والتوجيه.
ويرى أن فقدان الاستقلالية والضغوط الأمنية والسياسية والخوف من التخوين تدفع بعض الصحفيين إلى الاصطفاف مع أحد أطراف الصراع، بينما تظل حماية الصحفيين غائبة إلى حد كبير، ولا تتجاوز في كثير من الأحيان أصواتاً احتجاجية تصدر عن جماعات صحفية وحقوقية في الداخل والخارج.
صحافة تدفع ثمن الأسئلة:
المفارقة أن السودان، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى مزيد من الشفافية والمعلومات لمواجهة آثار الحرب والنزوح وانهيار الخدمات، يشهد تضييقاً على من يحاولون إنتاج هذه المعلومات.
فالأسئلة التي تطرحها الصحافة ليست ترفاً: أين ذهبت الخدمات؟ لماذا لا تصل المياه؟ ماذا حدث للنازحين؟ أين موارد الولايات؟ لماذا تتأخر العودة؟ ومن المسؤول عن القصور والفساد والانتهاكات؟.
وحين تصبح الإجابة على هذه الأسئلة بالاستدعاء أو الاعتقال أو التهديد أو الاعتداء، فإن المشكلة لا تعود متعلقة بالصحفي وحده، وإنما تمس حق المجتمع في المعرفة والمساءلة.
من جهته يرى المحلل السياسي سيبويه محمد في حديث لـ(مداميك) أن الحرب في السودان تجاوزت استهداف البنية السياسية إلى ضرب قيمة الحياة نفسها، مشيراً إلى أن ما أعقب اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 من قتل وتهجير ونزوح وتشريد أوجد واقعاً استثنائياً انعكس على مختلف جوانب الحياة العامة.
ويقول سيبويه إن من بين أخطر تداعيات الحرب، بحسب تقديره، عودة أساليب القمع ومصادرة الحريات والتضييق على الصحفيين والصحفيات والمعلومات، معتبراً أن اعتقال الصحفيين وتهديدهم يأتيان ضمن سياق أوسع من الخراب الذي أحدثته الحرب.
ويضيف أن الحرب أنتجت واقعاً مأساوياً اتسع فيه خطاب الكراهية وتعرض النسيج الاجتماعي للاهتزاز، وأن الممارسات السياسية والأمنية والقانونية اللاحقة تعكس، في مجملها، طبيعة هذا الواقع الإنساني والاقتصادي والقانوني المتدهور.
وتأتي هذه الافادات في وقت تصاعدت فيه المخاوف من تراجع مساحة العمل الصحفي في السودان، مع تعرض الصحفيين للاستهداف من أطراف النزاع المختلفة، بين القتل والاختفاء والتوقيف والمضايقة والعنف، فضلاً عن الصعوبات التي تواجه المؤسسات الإعلامية في العمل بصورة مستقلة وآمنة.
كما شهد يوليو الماضي إجراءات قانونية طالت عدداً من الصحفيين والإعلاميين على خلفية تقارير تناولت مزاعم فساد، في مؤشر يستدعي مزيداً من التدقيق في حدود استخدام القانون في القضايا المرتبطة بالنشر والمصلحة العامة.
وفي بلد أنهكته الحرب، تكون المعركة على حرية الصحافة إحدى أكثر المعارك تأثيراً في مستقبل الدولة؛ لأن غياب الصحافة المستقلة لا يعني فقط غياب الأخبار، وإنما يعني غياب المساءلة، واتساع مساحة الشائعات، وصعوبة توثيق الانتهاكات، وتحول الرواية الرسمية أو رواية أطراف الصراع إلى المصدر الأوسع للمعلومات.
وحسب صحفيين لا تحتاج السلطات إلى إسكات الصحافة كي تثبت قوتها؛ بل تحتاج إلى أن تسمح للصحفي بطرح السؤال، وللمواطن بالتعبير عن مشكلته، وللمؤسسة الرسمية بالدفاع عن أدائها أمام الرأي العام.
أما تحويل الصحفي إلى متهم يعمق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الحرب على الحقيقة امتداداً للحرب.

مداميك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..