مقالات وآراء

في الذكري الثانية لرحيل الفنان الكبير حمد الريح

صلاح الباشا

 

نتحدث عن قصة أشهر اغنية زادت من شهرته.

** تمر امس الذكري الثانية لرحيل الفنان الكبير المسؤول والرائع جدا حمد الريح الذي غادرنا الي دار الخلود بتاريخ ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢م بمنزله في بري بسبب كرونا وقد كان اصلا قد اصيب قبلها بضعف الذاكرة بسبب عملية جراحية في الرأس أجراها في الهند.

وقد تذكرت كيف كانت اغنية(الي مسافرة) والتي كتبها الشاعر الذي رحل وهو في ريعان شبابه وعظيم إنتاجه (عثمان خالد).

وربما لا يعرف البعض اغنية الي مسافرة الا بعد ان يعرف مطلعها : يا قلبي المكتول كمد .

فقد كان حمد الريح قادما بالبص من مدينة الاحلام ودمدني بعد ان احيا حفلا ساهرا هناك .. كان ذلك في بداية العام ١٩٦٨م وقد اشتري من اكشاك بيع الصحف بودمدني بعض الصحف ومن ضمنها مجلة الاذاعة السودانية وكان اسم المجلة القديم (هنا ام درمان) وقد ترأس تحريرها في زمان مضي شاعرنا الراحل الاكثر شهرة محمد الفيتوري .

وفي اثناء سير البص الي الخرطوم كان حمد قد وضع الصحف جانبا وبدأ في تقليب المجلة .. وفجأة استوقفته قصيدة طويلة تحمل معاني جديدة وقد لمس فيها حزنا كأنه كان دفينا .. ربما هي حكاوي العشق والغرام والمناجاة . وكان مكتوبا اسم شاعرها هو الشاعر الراحل عثمان خالد وقد كان شابا صغيرا قادما من كردفان ليعمل ويسكن مع اقربائه آل الشيخ الجعلي في حي القلعة المتاخم لودنوباوي بام درمان .

قال لي حمد ذات مرة انه وهو داخل البص قد توقف عند مفردات هذه القصيدة التي هزته فعلا وامتلكته امتلاكا لم يستطع منه فكاكا .. مما ادي الي ان يترنم بلحن هاديء لها .. لحن ذا وتيرة واحدة او كما يقول الملحنون لحن دائري وبايقاع واحد حتي نهاية الاغنية .. وقد كان ايقاعها جديدا جدا وقد اجاده عازف الايقاع الرائع ابراهيم كتبا .

وحين وصل البص الي محطته الاخيرة بموقف الخرطوم ٣ قبل انتقاله الي الشعبي لاحقا .. كانت فكرة اللحن قد اكتملت تماما .

يقول حمد بأنه حين وصل الي البيت في توتي وقبل ان يرتاح من عناء السفر فاذا به يمسك بآلة العود وبدأ يتغني باللحن قبل (ان يطير منه) وهو ما يسميه الفنانون (قبض اللحن).

وحكاية قبض اللحن هذه ذكرها استاذنا الكابلي بانهم ومعه فرقته كانوا في سنجة للمشاركة في حفل زواج وفي فجر اليوم التالي تحركوا بالتاكسي الذي اتوا به غافلين الي الخرطوم . وحتي لايشعر السائق بالنعاس بدا كابلي في دندنة بالعود بلحن اغنية حبيبة عمري للحسين الحسين وفجاة ضربه محمدية علي كتفه وكان يجلس خلفه في التاكسي قائلا له : اقبض!!!

اي اقبض مقدمة اللحن.

اما حمد الريح فقد ذهب للاذاعة في اليوم الثاني واجاز النص من لجنة النصوص واجاز اللحن ايضا .

وبعد اقل من اسبوع تغني به علي الهواء في التلفزيون في سهرة برنامج تحت الاضواء التي كان يقدمها الاعلامي اللامع حمدي بولاد اسبوعيا.

اما القصة الطريفة فان اجر الشاعر في كل من الاذاعة والتلفزيون كان مجمدا بالخزينة لانهم لا يعرفونه وحمد لا يعرفه.

ولكن هناك قصة اكثر طرافة والتي حكاها لي ايضا حمد الريح وهي كالتالي :

بعد مرور اكثر من عام وقد ظل الشعب السوداني يردد هذا اللحن الجميل ويتغني به الهواة في كل مكان .. كان حمد الريح مشاركا بالغناء في مناسبة ما بودنوباوي وبعد انتهاء الحفل وقد كان كل الناس بنات واولاد يحفظون الي مسافرة ورددوها معه اثناء الغناء .. وعند خروجه الي عربته اتي ليه شاب صغير وجميل المظهر وذو شعر سبيبي غزير قائلا له بكل خجل بعد السلام عليه :

انا يا استاذ عثمان خالد شاعر الي مسافرة !!! .

فاندهش حمد الريح جدا وقال له انت وين ياخ ونحن نبحث عنك لسنة كاملة للتعرف عليك ولم نحصل علي عنوانك . ولماذا لم تقابلني سواء في مكتبة الجامعة او بنادي الفنانين للتعرف عليك .

عموما سوف احفظ لك حقك في هذه الاغنية التي رفعت من اسهمي جدا وساذهب الي حسابات الاذاعة والتلفزيون ليجهزوا لك حقك كشاعر حسب النظم المعمول بها .

ما ادهشني في هذه القصة ان هذا الشاعر وبهذه الاغنية التي اشتهرت لم يحاول ان يكتب عنها او يعرض نفسه للصحف انه هو شاعرها .. ولم يحاول الاتصال بحمد الريح .

ما اعظم نوعية تواضع شعراء زمان .

الله يرحمك يا حمد …

الله يرحمك يا عثمان خالد.

 

[email protected]

‫4 تعليقات

  1. شكرا لسردك الرائع لقد تعرفت عن قرب حمد الريح . والرقيق جدا العازف الباشمهندس الدكتور صلاح عبد الرازق لقد زمالته فى البنك العقارى . لله درك ياصلاح الباشا

  2. مقال جميل استاذ صلاح الباشا
    رحم الله الاستاذين حمد الريح وعثمان خالد، ولحمد الريح أيضا أغاني رائعة الألحان والكلمات على سبيل المثال لا الحصر الوصية ولو عارف عيونك وأحلى منك قايلة بلقى والساقية ونار البعد والغربة
    وسؤالي للاستاذ صلاح لماذا لا تقوم بتأليف كتاب يمكن تسميته “قصة أغنية” – التي كانت اسم برنامج في الإذاعة السودانية – تقوم فيه بسرد قصص أغاني الزمن الجميل، فمعظم الأغاني التي تغنى بها الفنانون السودانيون من لدن جيل الرواد الكاشف واحمد المصطفى وعبد الحميد يوسف والتاج مصطفى وحسن عطية وابراهيم عوض وعبد العزيز محمد داؤود وخضر بشير مرورا بسيد خليفة ومحمد وردي والجابري والكابلي والباشكاتب وشرحبيل احمد والتاج مكي وعلي ابراهيم اللحو وعبد الرحمن عبد الله وعائشة الفلاتية ومنى الخير وعبد القادر سالم وصلاح بن البادية وحمد الريح وثنائي العاصمة ومصطفى سيد احمد صديق عباس ومحمد ميرغني والطيب عبد الله وعركي وعبد العزيز المبارك والبلابل والنور الجيلاني واسماعيل حسب الدائم وانتهاء بمجذوب اونسة وخوجلي عثمان والخالدي ونجم الدين الفاضل والأمين عبد الغفار وعثمان الأطرش وتاور وحمد البابلي عبارة عن قصص تحكي عن الحبيبة والبلد والوطن، وذلك حتى نربط الأجيال الجديدة بتاريخ الأغنية السودانية خاصة الأجيال التي ولدت بعد ما يعرف بثورة الإنقاذ

  3. كتابات استاذنا صلاح الباشا تجئ كنسمة صيف توقظ في المرء ذكريات جميلة وخالدة مع اسلوبه الرقيق الذي لا يجرح احساس احد ويجعلنا نترحم علي مبدعينا وياريت تخرجها لنا في كتاب كما اقترح الاخوة المعلقين ..

  4. رحم الله محمد وردي فنان أفريقا الاول يوم قال :
    لقد تركنا السودان (للفرافير) والزرازير والطراطير….. ياخي ده حتى حمد الريح بقى يقولوا عليهو فنان).
    الحقيقة أن حمد ب(شتارته) التي يميزها العارف بالغناء والايقاع لا يصلح كمغني،
    مع التسليم بأن لديه قدرات في التلحين ولكنه ليس مُطرباً.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..