مقالات وآراء

كمبالا… حين يتجمّل الرصاص بعباءة الديمقراطية

في العاصمة الأوغندية كمبالا، وقف محمد حمدان دقلو يخاطب جمهوراً خارج حدود النار، محاولاً أن يعيد تعريف قواته لا بوصفها طرفاً في حرب مدمّرة، بل باعتبارها طليعة مشروع “ديمقراطي” و”علماني” يقاتل التطرف الإسلامي.
غير أن البلاغة، مهما بلغت من فصاحة، تعجز عن ستر دخان القرى المحترقة، ولا تستطيع أن تمحو آثار الأقدام الثقيلة على أبواب البيوت المنهوبة.
الخطاب، في جوهره، كان محاولة لإعادة تسويق سياسي محكم؛ إعادة طلاء للسلاح بلونٍ مدني، وتقديم بندقية الحرب في غلاف الدولة.
لكن التناقض الفادح يطلّ من بين السطور: حديث عن “تخليص الشعب من السرطان”، في وقتٍ ما تزال فيه ذاكرة ولاية الجزيرة وسنار وأحياء الخرطوم مثقلة بشهادات النهب المنهجي، واحتلال المنازل، وتحويل الأعيان المدنية إلى ثكنات.
الاعتراف بوجود “الشفشافة” ليس سوى إقرارٍ ضمني بانفلاتٍ لا يعفي القيادة من مسؤولية أخلاقية أو جنائية؛ فالقوات التي تعجز عن ضبط عناصرها لا يحق لها ادعاء تمثيل مشروع دولة.
ثم تأتي سردية “محاربة الكيزان” بوصفها العنوان الأعرض للخطاب.
غير أن التاريخ القريب لا يُمحى بجملة سياسية عابرة؛ فالرجل كان جزءاً أصيلاً من بنية النظام الذي يهاجمه اليوم.
والأدهى أن الفظائع التي شهدتها مدن دارفور – في الجنينة وزالنجي وأطراف الفاشر – والتي وثّقتها منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش باعتبارها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، لا يمكن اختزالها في معركة ضد “الإخوان”.
استهداف قبيلة المساليت، وما رافقه من تهجير وقتل على أساس إثني، يكشف طبيعة صراعٍ تتجاوز شعارات السياسة إلى جرحٍ اجتماعي عميق.
أما طرح “العلمانية” و”الفدرالية” كحلّين حصريين، فقد بدا أقرب إلى خطاب استقطاب موجّه للقوى المدنية والمجتمع الدولي، أكثر منه مشروعاً متكاملاً لبناء دولة.
فالدولة لا تُبنى بقوةٍ متهمة بارتكاب مجازر، ولا تُؤسس مؤسساتها على أنقاض مدنٍ مدمّرة.
الحديث عن “جيش جديد من الصفر” يعني، في ما يعني، إطالة أمد الحرب، وتكريس منطق الغلبة العسكرية بديلاً عن منطق الانتقال المدني.
أي مفارقةٍ هذه التي تدّعي السلام عبر توسيع دائرة السلاح؟
وفي زاوية أخرى من الخطاب، برزت ملامح “سلطة موازية”: تنسيقٌ خارجي لحلّ مشكلات التعليم والإقامة، وإشارات إلى تكليفات خدمية.
غير أن الواقع في مناطق السيطرة يرسم صورةً مغايرة: مستشفيات مدمّرة، مخازن غذاء منهوبة، شبكات اتصال معطّلة.
كيف تستقيم وعود الخدمات في الخارج مع انهيار البنية الأساسية في الداخل؟
وكيف يُقنع خطاب العلاقات العامة أُمّاً في الفاشر أو مزارعاً في الجزيرة بأن المستقبل يُصاغ في قاعات المؤتمرات لا في حماية الحقول والبيوت؟
ولم يخلُ الخطاب من إشادة بدور الإمارات العربية المتحدة، وهجوم على مني أركو مناوي، في لغةٍ تعكس شبكة مصالح وتحالفات أكثر مما تعكس رؤية وطنية جامعة.
فدارفور، التي تتشظى بين بنادق متقابلة، لا تحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى وقف نزيفٍ يهدد مئات الآلاف من النازحين في الفاشر ومحيطها.
الحقيقة التي يتعمد الخطاب تجاوزها هي أن الشرعية لا تُستجدى من الخارج، ولا تُصاغ ببلاغةٍ سياسية مهما بلغت.
الشرعية تُولد من حماية المدنيين، ومن صون الممتلكات، ومن احترام التنوع الإثني لا توظيفه.
وما لم يُحسم التناقض بين القول والفعل، سيظل كل حديث عن “السودان الجديد” مجرد استعارة لغوية فوق أرضٍ مثقلة بالدم.
إن الجيش الذي يُراد له أن يكون “جديداً” لا يمكن أن يُبنى ببنادق استباحت بيوت المواطنين، ولا أن يُعمّد بوعودٍ خارجية تتجاهل أن الدولة تبدأ من كرامة الفرد في قريته وحيّه.
بين كمبالا وخرطومٍ تتداعى، مسافةٌ لا تقطعها الكلمات، بل يختصرها سؤال واحد:
هل يمكن لمن أشعل الحريق أن يقدّم نفسه رجل الإطفاء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..