مقالات وآراء

مأزق السلطان: حين تأكل الجيوشُ أصحابها

في ما يشبه مشهدًا مسروقًا من عالم صموئيل بيكيت، حيث تتكرر الحركات بلا جدوى وتُعاد الجُمل كأنها صدى لفراغٍ أكبر، جلس البرهان يستقبل النور قبة وربعه، وعلى وجهه تلك الابتسامة الملتبسة: ابتسامة لا تقول شيئًا بقدر ما تفضح كل شيء. ليست ابتسامة ترحيب، ولا حتى مجاملة بروتوكولية، بل تلك العلامة الدقيقة التي يسميها أهل السياسة — إن صدقوا — “ابتسامة المأزق”، أو بلغة المقال: مأزق السلطان.

غير أن هذا المشهد، على عبثيته الظاهرة، يخفي في عمقه بنية تراجيدية قاسية. فكما يلاحظ عالم الاجتماع السياسي تشارلز تيلي في تحليله للدولة الحديثة، فإن “الحرب تصنع الدولة، والدولة تصنع الحرب” — لكن حين تفشل الدولة في احتكار العنف، تتحول هذه المعادلة إلى نقيضها: الحرب تفكك الدولة، والقوى المسلحة تعيد تشكيلها على مقاسها. هنا، لا يكون القائد سيد أدواته، بل رهينها.

الحكاية، إذن، ليست عن تحالفات تُبنى، بل عن تحالفات تتآكل من داخلها. “المشتركة” التي جاءت يومًا كقوة إسناد، لم تلبث أن تمددت — كما تتمدد كل قوة بلا ضابط مؤسسي — حتى صارت شريكًا ثقيلاً، ثم شريكًا مُكلفًا، ثم، في لحظة الحقيقة، شريكًا يلوّح بالفاتورة. وهذا ما يسميه صموئيل هنتنغتون في كتابه الجندي والدولة بـ“انفلات المؤسسة العسكرية حين تخرج من إطارها المهني إلى فضاء السياسة”، حيث تتحول من أداة للدولة إلى فاعل ينازعها السيادة.

في هذه اللحظة تحديدًا، نفهم سر تلك الفرحة الطافحة وهو يستقبل “البديل”. فالنور قبة، في هذا السياق، ليس مجرد حليف جديد، بل هو — بلغة نيكولو مكيافيلي — محاولة لخلق “توازن خوف”، حين يعجز الحاكم عن تأسيس “توازن شرعية”. إنها لعبة قديمة: إذا لم تستطع أن تثق في قوة واحدة، فوزّع الارتهان على قوى متعددة، لعلها تلتهم بعضها قبل أن تلتهمك.

لكن هذه الحيلة، التي تبدو ذكية في ظاهرها، هي في حقيقتها إعادة إنتاج للمأزق ذاته. فكما يحذر ماكس فيبر، فإن الدولة لا تُعرَّف إلا بقدرتها على احتكار العنف المشروع؛ وكل تفويضٍ لهذا العنف خارج مؤسساتها ليس إلا تنازلًا تدريجيًا عن جوهرها. ومن هنا، فإن استدعاء زعامات قبلية أو تشكيلات هجينة لا يعيد التوازن، بل يوسع دائرة الانفلات.

السخرية — وهي سخرية سوداء هذه المرة — أن القائد الذي يحاول الإفلات من قبضة “المشتركة”، يفعل ذلك عبر استدعاء نماذج من ذات القاموس الذي أنتج الأزمة أصلًا. كأن المشكلة ليست في الأدوات، بل فقط في من يحملها. وهنا يلتقي العبث بالتراجيديا: عبث في الوسائل، وتراجيديا في النتائج.

ولعل الحكاية المتداولة — عن لوم الأهالي في الشمالية ونهر النيل له بقولهم: “لقد وضعتنا تحت رحمة هؤلاء …….” — تختصر المأساة في جملة واحدة. فهي ليست مجرد عتاب عائلي، بل تعبير مكثف عن لحظة تاريخية يفقد فيها المركز سيطرته على الأطراف، ويصبح القائد العام، paradoxically، أضعف من جنوده، لأنه الوحيد الذي لا يملك ترف الخطأ.

هذه ليست حالة سودانية خالصة، بل نمط متكرر في التاريخ. من انقلاب الإنكشارية على السلاطين العثمانيين إلى مصائر قادة معاصرين ظنوا أن بإمكانهم توظيف المليشيات دون أن يدفعوا ثمن ذلك، تتكرر القصة ذاتها: قوى تُستدعى للحماية، ثم تتحول إلى عبء، ثم إلى خطر، ثم إلى قدر. وكما يقول حنة آرنت، فإن “العنف يمكن أن يدمر السلطة، لكنه لا يستطيع أن يخلقها”.

وهنا تكمن المقارنة التي ينبغي أن لا تغيب عن القارئ: مصائر القادة الذين يعبثون بتوازنات القوة داخل مجتمعاتهم ليست مفتوحة على احتمالات كثيرة. إما أن يبتلعهم الوحش الذي صنعوه، أو أن يظلوا عالقين في إدارة أزماته إلى أن ينهار كل شيء — دولةً وشعبًا. وفي الحالتين، يكون الثمن الحقيقي مدفوعًا من دم الناس وكرامتهم، لا من حسابات القادة.

“حين تأكل الجيوشُ أصحابها” لم تعد مجرد استعارة ساخرة، بل توصيف دقيق لبنية سياسية كاملة: بنية تبدأ باستدعاء القوة خارج الدولة، وتنتهي بتحول الدولة نفسها إلى رهينة لهذه القوة. أما محاولة الخروج من المأزق بتوسيعه، فليست خروجًا، بل غوصٌ أعمق فيه.

في النهاية، لا يبدو أن البرهان قد غادر المأزق، بل أعاد ترتيب موقعه داخله. الجدار هو ذاته، والهواء يزداد اختناقًا، والابتسامة — تلك الابتسامة — لم تعد تخفي شيئًا.

إنها، ببساطة، ابتسامة رجلٍ أدرك متأخرًا أن اللعبة التي ظن أنه يديرها… كانت تديره منذ البداية.

د. الوليد مادبو

‫4 تعليقات

  1. البرهان خنزير بري يعدو الى افاق العبث ولات حين مناص ليجد نفسه امام مصير حتمي من هتاف غوغاء و سوقة في بئر السقوط

  2. “فإن استدعاء زعامات قبلية أو تشكيلات هجينة لا يعيد التوازن، بل يوسع دائرة الانفلات.”
    ونفس الكلام بحذافيره ينطبق على الجنجويد وتاسيس ….
    اما الكلام عن النور قبة فله وجهان وجهه الصارخ في خلافه مع الجنجويد الذي انتهى بدماء تسيل . ولكن كاتبنا لا يهمه تشريح هذا الخلاف ولا الدماء التي اهرقت . فقط ينظر اليها من طرف تموضعها مع الطرف الآخر.
    ان كنا جادين في تبني تحليل سياسي يفضي الى مستقبل سياسي وانساني للبلد فلا بد من النظرة المحايدة التي تنفذ الى الواقع من كل جوانبه. اما ان تكون جل نظرتنا الى طرف واحد فهي تستدعي ايضا ان يقوم الاخرون باستدعاء عورات طرفك . والمتضرر الأخير هو المواطن الذي يتضرر من استمرار الصراع .
    نتمنى ان يظهر في الافق طرف ثالث ينادي للسلام بدون اي شروط مسبقة او محاباة ، ظاهرة او باطنة، لأحد الأطراف.

  3. يا صحح عليك ان تصحح كلامك

    انت تعرف ان الطرف الذي يرفض السلام هو الطرف الذي تدافع عنه يا -صحح- يعني بالواضح كدا هو طرف برهان
    و كل الدماء و الخسائر معلقة في طرف برهان أمام الواحد الديان في يوم تقشعر فيه الابدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..