تفتقر إلى مظاهر الدولة وتشكو التهميش.. العمارة علي يوسف بالجزيرة.. قرية خارج سياق الألفية.. طالبة ثانوي: أقصى طموح الطفل أن يصبح راعياً للأغنام

المناقل: بدور مبارك
“يا بتي نحن ما عندنا أي حاجة وما في مسؤول بعرفنا “، لم تجد الحاجة آمنة محمد التي تحدثت الينا والحزن بادٍ على ملامحها غير أن تعبر بما ورد بين الأقواس عن واقعهم في قرية يمكننا أن نجزم بأنها تبدو خارج سياق الحاضر والألفية ، وتعود الحاجة الغاضبة وتكشف بأسى وحسرة عن فقدان منطقتهم عشرات الأمهات في شهور حملهن الأخيرة لعدم وجود رعاية طبية، وتقول “أقرب مركز صحي يبعد عن قريتنا ثلاثة ساعات”، وتسرد الكثير من القصص لنساء في ريعان شبابهن ودعن الحياة وهن يتأهبن لوضع موالديهن .. إذن نحن في الجزء الغربي من محلية المناقل بولاية الجزيرة، في منطقة لا نعرف على وجه الدقة كيف نصف واقع قراها المتناثرة التي تجمع بينها العديد من المشتركات أبرزها انعدام الخدمات وفقر أهلها.
العمارة والبحث عن الإعمار
وجهتنا الأولى في جولتنا على هذه المنطقة المنسية بدأت بقرية العمارة علي يوسف التي قضينا فيها ثلاثة أيام متتالية، وكانت نقطة انطلاقنا للقرى الأخرى التي تتشابه كما أشرنا آنفاً في كل شيء، وتبيان واقع العمارة ربما يكفي لتلخيص الواقع في الأجزاء الأخرى من هذه المنطقة التي عانت كثيراً من التهميش حينما كانت تتبع لمحلية 24القرشي وذلك بعد تأسيسها في ثلاثينات القرن الماضي، فإن الواقع لم يشهد تغييرًا رغم تفاؤل السكان خيرًا بمولودهم السياسي والتنفيذي الجديد، قرية العمارة يوسف التي يعود تاريخ تأسيسها أو خروجها إلى الوجود في العام 1925 تنسب إلى مؤسسها علي يوسف الذي جعل منها قرية مكتملة الأركان في العام 1973 ويربو عدد سكانها على الألف نسمة، تجمع بينهم الكثير من الروابط الاجتماعية، وفي ذات الوقت فإنهم يتجرعون من كأس واحدة وهو ذلك المتمثل في التهميش وانعدام الخدمات، تبدو القرية من مظهرها الخارجي بائسة، فمنازلها مشيدة من المواد المحلية تغطي عليها منازل “الجالوص” وأخرى يتمتع أصحابها بوضع مادي جيد مكنهم من تشييد منازل من المواد الثابتة، وتمضي أعدادها في زيادة علي عكس ما كان وضع القرية في الماضي، أينما أرسلت بصرك وأنت تتجول داخلها يقع على مشاهد تؤكد أن سكانها يعانون كثيراً في سبيل توفير أبسط مقومات الحياة، فهناك صبايا لم يتجاوزن عتبة العاشرة من أعمارهن يحملن على رؤوسهن “باقات ” بداخلها مياه وردنها من إحدى قنوات ري مشروع الجزيرة، حيث تحيط بالقرية ترع من ثلاثة اتجاهات، سألت الطفلة آمنة علي عن معاناتهن مع مياه الشرب فأجابت بكل براءة ” ليس أمامنا غير الشرب من الترع التي تنقطع في الصيف ونعاني كثيراً في الحصول عليها “.
كدراً وطيناً
ومياه الشرب تمثل أحد الهواجس التي ظلت تؤرق مضاجع المواطنين الذين يعانون كثيراً في كل فصول السنة معها ، فخريفاً يتغير لون المياه وترتفع نسبة “العكورة ” مصحوبة بكميات كبيرة من الطمي، أما في فصل الشتاء فإن الدخول إلى الترع لجلب المياه يمثل مشكلة أخرى بسبب برودة الطقس، أما صيفًا فإن هذا الفصل القاسي دوماً يتمنى المواطن بالقرية عدم حلوله، وذلك حينما ينيخ راحلته يعني ذهاب المياه بعيداً عن مجاريها بداعي إخضاع قنوات الري بالمشروع للتأهيل والصيانة والتطهير.
يقول أحمد إنهم ظلوا على هذا الحال منذ أن خرجوا إلى الوجود، لافتاً إلى أن آباءهم وأجدادهم كانوا أيضاً يشربون من الترع، ويشير إلى أنهم وطوال هذه الفترة ظلوا يتمنون أن يشربوا مثل غيرهم ماء نقياً غير أنهم ظلوا يشربون كدرًا وطيناً، مبيناً أن البئر التي تم حفرها توقفت عن العمل منذ 23 عاماً بداعي ارتفاع الملوحة في المياه، وأن هذا حتم على المواطنين الاكتفاء بمياه الترع التي أكد أنها وفي كثير أحيان لا تخضع للمعالجة المطلوبة من تنقية وكلورة.
الموت سمبلا
هذه القرية التي يعمل كل مواطنيها بالزراعة يفترض أن تكون دخولهم جيدة، وبالتالي حدوث تحسن نسبي وتطور في الخدمات، غير أن التقلبات التي ظل يواجهها أكبر المشاريع المروية في أفريقيا انعكس على دخولهم سلباً فهي بالكاد بحسب المزارع حسن تكفي لتوفير أساسيات الحياة من مأكل وملبس، وتبدو في القرية البصمات الحكومية غائبة.
ويمثل الجانب الصحي معاناة أخرى يشكو منه المواطنون كثيراً، فالحاجة آمنة تقول إن أقرب مرفق صحي للقرية يبعد عنها مسافة تصل إلى ثلاث ساعات عبر العربة وهو بمنطقة العزازي، أما من يريد التوجه نحو مستشفى المناقل فعليه تحمل مشاق السفر ورهقه لأكثر من ثلاث ساعات، ويعمد السكان المحليون كثيرًا للتداوي بالعلاج البلدي أو تناول عقاقير طبية دون مشورة الأطباء وذلك لعدم وجودهم بالقرية، وتقول آمنة بحزن إن عشرات الزوجات الشابات فاضت أرواحهن قبل أيام من الولادة بداعي مصاعب صحية واجهتهن، ولعب عدم وجود طبيب في القرية دوراً بارزاً في مفارقتهن الحياة.
وتتجسد معاناة المواطنين الحقيقية مع الجانب الصحي في فصل الخريف حيث يتمنى الكثيرون عدم تعرض أحدهم لعلة مفاجئة حتى لا يتكبد مشاق السفر نحو العزازي أو المناقل لصعوبة التنقل لوعورة الطرق التي لم يعرف الأسفلت إليها سبيلاً منذ أن خلق الله الأرض.
التعليم ونهاية مشوار
مشاكل قرية العمارة يوسف لا تنحصر على الصحة ومياه الشرب، بل تشمل أيضاً التعليم الذي ورغم ادعاء الحكومة أن ثورتهم قد عمت كل أرجاء البلاد إلا أنه بالعمارة ما يزال يتكئ على عصاتين عاجزاً عن النهوض على ساقيه بداعي الكثير من العقبات التي تكبله، فالقرية التي لا يوجد بها مركز صحي ولا محطة مياه الشرب تعاني أيضاً من عدم وجود مدرسة أساس ولو مختلطة، فمن يرغب في الحصول على قسط من التعليم أو الوصول إلى درجات أكاديمية عليا فعليه التوجه نحو القرى التي تجاور العمارة يوسف ومنها الشويرف، القنابيل وغيرهما، وهذا يعني أيضا أن يقطع في كثير من الأحيان التلاميذ الصغار وهم يحملون حقائبهم الثقيلة والتوجه نحو المدرسة بقريتي الشويرف أو القنابيل، ولك عزيزي القارئ أن تعلم بأن المشوار إلى إحدى القريتين يستغرق أكثر من ساعتين سيراً على الأقدام، وذات المدة الزمنية عند العودة، وباختصار فإن التلميذ يمشي يومياً أربع ساعات حتى يتمكن من تحقيق أمنيته في التعليم، وكثير من التلاميذ ونتيجة لهذه الرهق والمخاطر التي تحيط بهم في الطريق إلى القريتين لم تجد أسرهم غير إيقاف إرسالهم نحو المدارس خوفاً عليهم من المجهول، وهذا جعل نسبة الفاقد التربوي بالقرية ترتفع، أما على صعيد الفتيات فيكفي أن نعرف أن فتاتين فقط تمكنتا من الوصول إلى المرحلة الجامعية منذ أكثر من أربعين عاماً، فهنا “فك الخط ” للبنت هو أعلى سقف في مشوارها التعليمي، فالأسر تخشى على الصغيرات من مخاطر المشوار وتفضل قطع مسيرة تعليمهن لتزوجيهن في أعمار لا تتجاوز الخمسة عشر عاماً، ومن المفارقات التي تؤكد أن القرية تتعرض لظلم فادح في التعليم، فإن كل خريجها بلغوا اثني عشر خريجاً جامعياً فقط، وهو رقم متواضع يكفي للتعبير عن واقع التعليم بقرية العمارة يوسف التي ورغم بعد القرى عنها واكتظاظها بالأطفال صغار السن إلا أنها لم تحظ بنصيبها في إنشاء مدرسة أساس، ويفكر السكان المحليون في إنشاء مدرسة على نفقتهم الخاصة بعد أن أصابهم اليأس من عدم وفاء الحكومة بتعهداتها المتكررة بتشييدها مدرسة بالقرية.
موت طموح
يبدو واقع ومستقبل القرية غير مُرضٍ لمعظم السكان الذين ظلوا يتناولون أمرها في مجالسهم بحسرة وأسى، وفي هذا الصدد فإن الخريج الجامعي يوسف علي يوسف يبدو متشائماً من مستقبل القرية، ويقول إن الواقع يؤكد أن الغد لن يكون أفضل حالاً من الحاضر، وذلك لجملة من المعطيات والشواهد أبرزها عدم وجود رعاية صحية وافتقاد القرية مرفقاً تعليمياً، ويلفت الى أن مستقبل الصغار في خطر وأنهم معرضون لعدم إكمال مسيرتهم التعليمية والتحول وهم في أعمار غضة نحو مهنتي الزراعة والرعي، وبدا غير راضٍ من نظرة مجتمع القرية لتعليم الفتيات، ويرى بأنه يحتاج لتغيير لجهة أن المرأة هي نصف المجتمع وتعليمها يسهم في ترقية المجتمع وتطوره نحو الأفضل، كاشفاً عن أن كل طلاب القرية بمرحلتي الأساس والثانوي لا يتجاوز حاجز المائة طالب، معتبراً هذا الرقم المتواضع دليلاً دامغاً على عدم الاهتمام بالتعليم.
حياة تقليدية
من ناحيتها فإن الطالبة بالمرحلة الثانوية صباح مبارك تبدو عاتبة على مجتمع القرية بسبب نظرته التي تعتبرها خاطئة للتعليم، وتقول إن الأب الذي يسمح لابنته بمواصلة التعليم هو في نظر البعض “مقصر” ولا يؤدي دوره على الوجه الأكمل، وتعتقد أن هذه النظرة تعتبر من معوقات تعليم البنات وأنها لابد من أن تتغير، وترى أن تشييد مدرسة في القرية سيسهم في تبديد هذه النظرة الخاطئة التي أرجعتها بشكل أساسي إلى ذهاب الفتيات إلى قرى أخرى لتلقي التعليم، موضحة أن أقصى أمنيات الطفل في القرية أن يصبح راعياً للأغنام، وأن الفتيات يتحولن في أعمار صغيرة من حجرات الدراسة إلى عش الزوجية رغم أنهن في سن التعليم الأولى، معتقدة بأن الفتاة في القرية تتحول سريعاً إلى امرأة ريفية تنحصر جل مهامها في جلب مياه الشرب وأداء الواجبات المنزلية بعد أن تمت مصادرة أحلامها.
أحلام مؤجلة
لم نسأل عن خدمة الكهرباء، وذلك لأن السكان المحليين يعتبرونها ترفًا وحلماً بعيد المنال، ومن المستحيل أن يتحقق، فقط ينشدون أن تلتفت إليهم محلية القرشي التي زار معتمدها في زيارة هي الأولى لمسؤول حكومي للقرية منذ نشأتها وبذل الكثير من الوعود غير أنها لم تتنزل حتى الآن على أرض الواقع .
الصيحة




معظم أهل العوض استلموا مناصب في الدولة وأصبحوا من أصحاب العقارات الشامخة وركبوا الفارهات ذات الدفع الرباعي، وتزوجوا بالحسناوات مثنى وثلاث ورباع.
وين كانوا ناس العمارة يوسف ديل في بداية زمن التمكين.؟؟؟!!!!