مقالات وآراء

كيف نبني نهضةً على الطريقة اليابانية؟ التعليم أولًا… ثم كل شيء بعده

حسن عبد الرضي

ليست اليابان دولةً غنية بالنفط، ولا تملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، كما أنها تعرضت في تاريخها الحديث لكوارث مدمرة، كان أبرزها الحرب العالمية الثانية والقصف النووي. ومع ذلك، أصبحت واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، ورمزًا عالميًا للإتقان والانضباط والإبداع.
إن السؤال الحقيقي ليس: كيف تقدمت اليابان؟ وإنما: على أي أساس بنت هذا التقدم؟
والجواب المختصر هو: التعليم الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع الموظف، ويغرس القيم قبل أن يحشو العقول بالمعلومات.
لقد تحولت المدرسة اليابانية إلى مصنع للأخلاق والانضباط والمسؤولية، فأنتجت مجتمعًا يحترم القانون والوقت والعمل والنظافة والإنسان.
ومن أجمل ما يُتداول عن التجربة اليابانية هذه المبادئ العشرة التي تستحق أن نتأملها بعمق، لا لمجرد الإعجاب بها، وإنما لاستلهام الدروس منها.

أولًا: الأخلاق مادة دراسية

في اليابان تُدرَّس مادة من الصف الأول الابتدائي حتى السادس الابتدائي بعنوان “الطريق إلى الأخلاق”، يتعلم فيها التلاميذ الصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، والتعاون، وآداب التعامل.
إنهم يدركون أن الأمة التي لا تُربي أبناءها على الأخلاق لن تنفعها أعلى الشهادات.

ثانيًا: التربية قبل الامتحانات

يُقال إن اليابان لا تعتمد الرسوب في السنوات الدراسية الأولى، لأن الهدف في تلك المرحلة هو بناء شخصية الطفل وغرس القيم الأساسية قبل الدخول في المنافسة الأكاديمية.
ورغم أن تفاصيل نظام الانتقال بين المراحل تختلف باختلاف الإصلاحات التعليمية، فإن الفكرة الجوهرية تظل صحيحة: التربية تأتي قبل التلقين.

ثالثًا: الاعتماد على النفس

رغم ارتفاع مستوى المعيشة، تعتمد أغلب الأسر اليابانية على أفرادها في أعمال المنزل، فيتعلم الأطفال منذ الصغر أن خدمة البيت ليست عيبًا، وأن المسؤولية تبدأ من الأسرة.

رابعًا: تنظيف المدرسة

يشارك التلاميذ مع معلميهم يوميًا في تنظيف الفصول والممرات والمرافق.
إنهم لا يتعلمون النظافة بالكلام، وإنما بالممارسة.
وهكذا ينشأ جيل يحترم البيئة، ويحافظ على الممتلكات العامة.

خامسًا: التربية الصحية

يتعلم الأطفال العناية بأسنانهم ونظافتهم الشخصية داخل المدرسة، لأن الصحة ليست شأنًا فرديًا، بل ثقافة مجتمعية تبدأ منذ الطفولة.

سادسًا: سلامة الغذاء مسؤولية الجميع

من الممارسات المعروفة في المدارس اليابانية وجود نظام صارم لضمان سلامة الوجبات المدرسية، ويشارك مدير المدرسة والمعلمون في متابعة جودة الطعام، لأن الطفل هو الثروة الحقيقية للمجتمع.

سابعًا: احترام كل المهن

تحظى مهن النظافة في اليابان باحترام اجتماعي كبير، وتُعد جزءًا من منظومة الصحة العامة.
إن المجتمع الذي يحترم جميع المهن هو مجتمع يحترم الإنسان.

ثامنًا: احترام الآخرين

تشتهر اليابان بثقافة الهدوء في وسائل النقل والأماكن العامة، ويحرص الناس على عدم إزعاج الآخرين باستخدام الهواتف. إنها أخلاق قبل أن تكون قوانين.

تاسعًا: عدم الإسراف

من المألوف أن يأخذ الشخص من الطعام مقدار حاجته فقط، لأن إهدار الطعام يُعد سلوكًا غير مقبول اجتماعيًا.
وهذا يعكس احترام النعمة والموارد.

عاشرًا: احترام الوقت

أصبحت دقة القطارات اليابانية مضربًا للأمثال عالميًا، حتى إن التأخير لبضع ثوانٍ يُعد أمرًا استثنائيًا.
لقد أدرك اليابانيون أن الوقت هو رأس مال الأمم.
وتُروى أيضًا مواقف معبرة عن ثقافة المجتمع الياباني، مثل أن بعض الموظفين الذين يصلون مبكرًا يتركون المواقف القريبة للمتأخرين حتى لا يتسببوا في زيادة تأخرهم، كما يُنقل عن وجود عبارات تشجع على التفكير والإبداع في بعض الأماكن العامة، في إشارة إلى تقدير المجتمع للعقل والابتكار.
سواء كانت بعض هذه القصص دقيقة بكل تفاصيلها أم لا، فإنها تعبر عن قيم راسخة تميز المجتمع الياباني: احترام الإنسان، والانضباط، والإبداع، وتحمل المسؤولية.
ماذا نتعلم نحن؟
إن أزمة التعليم في كثير من بلداننا ليست أزمة مناهج فقط، بل أزمة فلسفة.
ما قيمة أن يحفظ الطالب آلاف المعلومات إذا كان لا يحترم الوقت؟
وما قيمة أعلى الدرجات إذا لم يتعلم الأمانة والنظافة والعمل الجماعي؟
وما فائدة الشهادات إذا غاب الضمير؟
لقد جاءت الأديان السماوية، وعلى رأسها الإسلام، لتؤسس لهذه القيم العظيمة؛ فالصدق، والأمانة، والإتقان، والنظافة، واحترام الوقت، والإحسان في العمل، كلها مبادئ أصيلة في ديننا. غير أن الأمم لا تنهض بمجرد امتلاك المبادئ، وإنما تنهض عندما تحولها إلى سلوك يومي، ومؤسسات، وسياسات تعليمية، وثقافة عامة.
إن نهضة السودان، وكل أمة تطمح إلى مستقبل أفضل، لن تبدأ من النفط ولا من الذهب ولا من كثرة الموارد، وإنما تبدأ من المدرسة، ومن المعلم، ومن فلسفة تعليم تؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار.
فإذا أردنا وطنًا قويًا، فلنبدأ بتعليم قوي.
وإذا أردنا اقتصادًا مزدهرًا، فلنبدأ بأخلاق راسخة.
وإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا، فلنصنع إنسانًا مختلفًا.
فالأمم العظيمة لا تُبنى بالصدفة، وإنما تُبنى في الفصول الدراسية، وفي البيوت، وفي العقول، وفي الضمائر.

تعليق واحد

  1. اسباب نهضة اليابان
    نجاح النهضة اليابانية وازدهارها يعود-كما يقول دارسوها- الى عدة عوامل لم تتوفر لمصرحينها، ومنها:
    • -التعلم من تجارب الآخرين، وأخذهم الايجابيات من كل تجربة وتجنبهم سلبيات تلك التجارب.وضوح الرؤية لديهم وتحديد الهدف، ووضع آلية وجدول زمني محدد للتنفيذ .وجود منظومة تعليمية ناجحة تعمل على تنمية مهاراتهم ،وتنمي فيهم حب المعرفة والقراءة منذ الصغر.العمل بروح عالية وتقديسهم للعمل الجماعي، الذي عن طريقه تتم الاستفادة من كافة الخبرات والمهارات الموجوده في الفريق.الاتقان في العمل والاخلاص فيه ، الذي تظهر نتيجته في كل مجالات حياتهم ،اضافة الى احترام الوقت الذي عرفوا به. العدالة الاجتماعية التي يحاول المسؤولون اليابانيون تحقيقها ،في مجال التعليم والصحة والحصول على سكن مناسب بأسعار تتناسب مع دخل الفرد.وفوق هذه كله احترام النظام والقانون ،ويعتبر الشعب الياباني من اكثر شعوب العالم احتراما للنظم والقوانين. وفق هذا كله ان اليابان “لم تتخل عن تراثها الثقافي التقليدي, ولم تتبن أياً من المبادئ الغربية لتجعلها قواعد ثابتة في الحياة اليابانية. فاستفادت من مقولات فلسفية ونظم غربية متنوعة, لكنها لم تتبناها كما هي، بل اختارت منها فقط ما يتلاءم مع مكونات المجتمع الياباني. ونتج عن ذلك أن اليابان حافظت على استمرارية المبادىء الروحية إبان عملية التحديث, وبناء الركائز المادية للمجتمع الياباني على قاعدة الاستفادة الدائمة من العلوم العصرية المتطورة،ومن هنا .”تفترق التجربة التاريخية لليابان في نمط علاقتها مع الغرب عن نظيرتها العربية والإسلامية باعتمادها سياسة العزلة الطوعية التي دامت حوالي القرنين حتى أواسط القرن التاسع عشر. وكانت تلك السياسة ناتجة عن الأثر الذي تركته الإرساليات التبشيرية المسيحية الغربية التي عملت على تنصير مئات الآلاف من اليابانيين في الحقبة التي سبقت العزلة, وما استشعرته الحكومة اليابانية من مخاطر جراء ذلك متمثلة في تباعد المتنصرين الجدد على الدولة وتحول ولائهم إلى الغرب، فعملت على منع الديانة المسيحية وتدمير ما بناه المبشرون خلال عقود طويلة, وانكفأت على ذاتها.( انظر: اليابان والوطن العربي)، مسعود ضاهر،وكما يقول احد الكتاب المهتمين بتقدم اليابان: (إن اليابان لم تستطع أن تتفوق هذا التفوق الاقتصادى المذهل دون أن تكون قد استلهمت الكثير من مبادئ وأفكار الشرق القديم والحديث، ودون أن تكون قد تمسَّكت بالجوانب الروحية الكثيرة التى كانت سائدة فيها والتى أفادت اليابان فى أن تضع لنفسها دستوراً اقتصادياً حكيماً، أفادها فى مسيرتها الاقتصادية الحالية الظافرة.”وعلى دعاة النهضة في عالمنا ان يهتدوا بهذه التجربة ،وليعملموا ان القيم الاسلامية خير معين في نجاح ايه نهضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..