مقالات وآراء

صراع السدود وديناميكيات النفوذ المتغيرة في شرق إفريقيا.

✍️ محمد هاشم محمد الحسن.

في قلب التحولات المتسارعة التي يشهدها إقليم شرق إفريقيا، يبرز نهر النيل كمسرح لتفاعلات جيوسياسية معقدة، حيث تتداخل المشاريع التنموية مع حسابات النفوذ والأمن المائي. إثيوبيا، بعد أن رسّخت وجودها بسد النهضة، أعلنت عن خطط لإنشاء ثلاثة سدود جديدة  (مندايا، بيكوابو، وكاردوبي)  بسعة تخزينية تقارب 200 مليار متر مكعب. هذه الخطوة تُقرأ في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في حوض النيل، وسط غياب توافق إقليمي شامل.

تأتي هذه المشاريع في ظل لحظة إقليمية مضطربة، حيث تتقاطع الأزمات في السودان واليمن وغزة، مع انشغالات مصرية متعددة. هذا التوقيت يثير تساؤلات حول مدى قدرة دول المصب على صياغة رد جماعي، في مقابل تحركات إثيوبية أحادية تُخاطب المجتمع الدولي أكثر مما تُخاطب الجوار الإقليمي.

ما يزيد المشهد تعقيدًا هو الحزام المالي والأمني الذي يحيط بمشروع سد النهضة، ويمنحه غطاءً سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز البعد التنموي. فالمشروع لم يكن محليًا خالصًا، بل استقطب استثمارات ضخمة من أطراف إقليمية ودولية، ما جعله جزءًا من شبكة مصالح عابرة للحدود. السعودية والإمارات ضختا أكثر من عشرة مليارات دولار، مقابل امتيازات اقتصادية واسعة. الصين وفرنسا دخلتا عبر شركات متخصصة، بينما قدمت الولايات المتحدة تمويلًا جزئيًا يُعد موافقة ضمنية. أما إسرائيل، فتولّت حماية السد عبر منظومة الدفاع الجوي (سبايدر-MR)، ما أضفى عليه بعدًا أمنيًا حساسًا.

يبدو أن مشروع سد النهضة تجاوز كونه منشأة مائية إلى كونه أداة صريحة لإعادة تشكيل النفوذ في شرق إفريقيا. فالمنطق الذي يحكم سلوك أديس أبابا لا ينفصل عن الرغبة في فرض وقائع استراتيجية تُقيد حركة دول المصب وتُعيد ترتيب المعادلة الإقليمية. وما كان يُقدَّم على أنه مسعى تنموي أصبح يُوظف في لعبة ضغط متعددة المستويات من الاستثمار السياسي في لحظة الانشغال الإقليمي، إلى توظيف الدعم الدولي في إحكام السيطرة، وصولًا إلى استخدام المفاوضات كواجهة لتكريس الأمر الواقع.

ومن يقرأ المشهد بعيون استراتيجية يدرك أن إثيوبيا لا تعمل بمعزل، بل تتحرك ضمن شبكة مصالح دولية تُحسن الاستثمار في الجغرافيا المائية كوسيلة للنفوذ لا فقط للتنمية. ويبدو أن مشروع السد لم يعد يُخاطب دول الجوار بقدر ما يُخاطب القوى الكبرى، باعتباره بوابة جيواستراتيجية لإعادة رسم تموضع اللاعبين الدوليين في شرق إفريقيا، من خلال استقطاب الاستثمارات، وتقديم الامتيازات، وترسيخ مظلة ردع أمني غير تقليدية. بهذا المعنى، يتحول السد إلى ما يشبه منصة لإعادة تعريف التحالفات الخارجية، أكثر من كونه بنية تحتية وطنية.

إن الوظيفة السياسية للسد لا تنفصل عن الرغبة الإثيوبية في إعادة تعريف مفهوم السيادة الإقليمية عبر المياه، بوصفها موردًا استراتيجيًا لا يخضع للماضي الاستعماري أو للاتفاقيات القديمة. وهكذا، تتحول مشاريع السدود إلى أدوات لإعادة هندسة العلاقة بين دول الحوض، وتكريس منطق السيادة المائية كمدخل لتغيير المعادلات الإقليمية. وفي هذا السياق، تبرز وظيفة الردع غير التقليدي، إذ يغدو السد أداة ضغط صامتة توظّفها أديس أبابا لتقييد خيارات دول المصب، دون حاجة إلى أدوات عسكرية مباشرة. فالمشروع ينتج كهرباء، لكنه أيضًا يُنتج واقعًا سياسيًا جديدًا، تتداخل فيه البنية التحتية مع النفوذ الإقليمي، والسيادة مع معادلة الردع، في لحظة إفريقية لا تُشجّع على التفاهم بل على تثبيت المواقع.

في المقابل، تتحرك دول المصب لحماية مصالحها، فمصر كثّفت من حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر تحالفات أمنية ودبلوماسية، وتعاون عسكري مع دول مثل الصومال وجيبوتي، في محاولة لضبط التوازن الإقليمي. لكنها تُواجه تحديات في تسويق خطابها المائي دوليًا، بينما يبقى السودان غائبًا سياسيًا رغم حضوره في حسابات الأطراف الأخرى، ما يجعل موقفه أقرب إلى الانفعال منه إلى الفعل.

تُقدّم إثيوبيا مشاريعها كحق سيادي واستحقاق تنموي، مستندة إلى اتفاقية عنتيبي التي تُعدها بديلًا عن الاتفاقيات التاريخية. ورغم منطقية هذا الطرح داخليًا، إلا أن غياب آليات إقليمية ملزمة يُحوّل النزاع إلى أزمة ثقة، ويُضعف فرص التفاهم المستدام.

في الحقل الإعلامي، تنجح أديس أبابا في بناء سردية تنموية فعالة تخاطب المجتمع الدولي بلغته ومصالحه، بينما يُعاني الخطاب المصري والسوداني من ضعف في التأطير الاستراتيجي وغياب أدوات التأثير لدى المنابر الغربية، حيث تغيب صياغة سردية تُربط بين الأمن المائي والتهديدات الإقليمية بشكل يُحفّز التدخل الدولي أو يغيّر زاوية التغطية الإعلامية خارج المنطقة.

إن المشهد لا يتعلق بالسدود فقط، بل بخارطة نفوذ تُرسم بالماء والدبلوماسية والتمويل، وتُدار في غرف التخطيط وممرات التجارة. وبين طموحات التنمية، وهواجس السيادة، وتغيّر منطق الردع، تتبلور معركة لا تُخاض بصوت، لكنها تُعيد تشكيل الموازين بصمت. وما لم تُعاد صياغة المصالح المشتركة ضمن هندسة إقليمية جديدة، فإن النيل قد يتحول من نهر للتكامل إلى مسرح محتمل لصراعات مؤجلة، تُدار خارج الضجيج لكنها تُغيّر خرائط القوة بعمق يصعب تجاهله.

‫5 تعليقات

  1. ما هذا الغباء الحقوقي يا كاتب المقال في توصيفك لوطننا السودان فيما يتعلق بنهر النيل و روافده . مصالح و وضع السودان فيما يتعلق بنهر النيل تختلف عن مصالح و وضع مصر و يكفي ان مصر اقتطعت منا مساحات شاسعة في حلايب و شلاتين من غير وجه حق و انمتا بالقوة .
    اثيوبيا لديها منابع مياه تحاول استغلالها و الاستفادة منها تماما مثلما ان مصر تستغل قناة السويس و تستفيد منها اقتصاديا و تعتبرها حقا سياديا ليس للآخرين مشاركتها فيه !
    الامر الاخر , لا يوجد ما يعرف بدول المصب بل المصب دولة واحدة فقط هي مصر أما السودان فدولة ممر و ايضا دولة رفد او منبع و لكن بكميات صغيرة فهناك روافد لنهر النيل داخل السودان .
    ينبغي أن يرتكز موقف السودان على قرب سد النهضة من حدودنا و التاثيرات المحتملة و التنويه بأمن أمن سد النهضة يعتمد على تعاون السودان و استقرار السودان . أما ما يتعلق بحصص المياه فالسودان لم يعط الحصة التي يستحقها في الاتفاقيات القديمة و من الممكن الاستفادة من اتفاقية عنتيبي في تحديد الحصة المستحقة للسودان و مقايضة الفائض الذي يذهب الى الشقيقة مصر بتسهيلات في المرور من قناة السويس و حل مشكلة حلايب و شلاتين حسب الوثائق و الحقوق المثبتة يعني فيد و استفيد و هكذا تبنى العلاقات بين الدول الشقيقة

    1. يا مؤدب المنافقين
      لك تحية خالصة
      اعتقد انك تسرعت في الحكم هلى هذا الشاب النابغة
      حاول أن تقرأ المقال مرة أخرى
      عمك عمر

      1. أهلا بك يا عزيزي العم عمر
        أنا لم اعلق على المعلومات الواردة في المقال و انما هلى توجه كاتب المقال حيث يلاحظ حرصه على اعطاء ميزة للمصالح المصرية و بالمقابل همز و لمز المصالح الاثيوبية و تجاهل كاتب المقال تماما مصالح بلاده السودان .

        ليس من مصلحتنا نحن في السودان و لا من مصلحة دول الجوار التعامل مع موضوع سد النهضة بالانحياز الى مصر كما يحدث الان و بالمقابل يجب عدم الانحياز الى اثيوبيا و التوازن مع مراعاة مصالح شعبنا هو المطلوب

  2. لعل من اكبر الاخطاء هو تعريف مشكلة سد النهضة وكتن مصر والسودان فى مستوى واجد سواء من ناحية حصص المياه أو المخاطر المحتملة لقيام السد فى حالتى التخزين الكبير وتثيراته من جهة ومخاطر االنهيار من جهة اخرى.. لازالت مصر وأتباعها يستخدمون التخويف بالانهيار حجة لاقناع السودان للوقوف الى جانبه فى مفاوضات السد وهو موقف مخجل بحق وقد ان تبنى السودان مواقف مصر من اتفاقية عنتبى لدول حوض النيل .. ولا ننسى ان اثيوبيا قد قدمت عرضا فريدا للسودان ببعه كهرباء السد باقل الاسعار المعمول بها عالميا بينما نجد ان مصر استولت على اراضى حلفا بل ان المبالغ التى تم الاتفاق على تعويض اهالى حلفا الدعيم بها لم تلتزم بها مصر يعنى ضحكوا علينا ولعله من المفيد النظر الى الحاجة الماسة للكهرباء فى السودان.. ان اجمل المرافعات الى وقفت عليها هى تلك التى سطرها الدكتور محمد احمد سلمان وخبراء اخرون حيث يؤكدون الا ضرر على السودان من السد بل يخدمه بتنظيم سريان المياه وتضمن توسعا زراعيا واستخداما مستداما للمجرى المائى.. اثيوبيا من حقها وسيادتها أيضا الاستثمار فى المياه المتدفقة من اراضيها مثلما ذكرت فان مصر استفادت من قناة السويس فما الذى يمنع اثيوبيا من الاستثمار فى مياهها وتتعاون مع من تشاء من الدول والافراد والمؤسسات وهنيئا لها بهذه القدرة الفائقة على اقناع كل هذه الثلة من المتعاونين شرقا وغربا… ما يحز فى النفس فعلا هو عجزنا التام حتى عن تنظيف الترع والجداول لرى مشاريعنا ولاننسى تنازلنا المذل عن اراضى حلفا لصالح مصر والتى كافاتنا باحتلال المزيد فى حلايب وشلاتين وابى رماد,,, لا يصنف السودان ضمن دول الفقر المائى بل الحقيقة هى ان مياه الامطار تمثل أضعاف مياه النيل فالمجارى المائية الموسمية والدائمة تحتاج فقط الى سياسة مائية رشيدة وصارمة تمكن من الاستفادة منها …تذكؤكم بان السودان ساعد تشاد على اقامة سد كاريارى على حدودها مع السودان مما ادى الى جفاف غابات على امتداد وادى هور فى شمال دارفور يعنى اننا نساعد على تدمير البيئة داخل البلاد

  3. المقال جيد وحوي الكثر ولكن علي استاذنا كاتب المقال عدم الوقوع في فخ مصطلح (دول المصب) بالمعني الذي يشمل السودان ومصر لأنه مصطلح سياسي لا علاقة له بالواقع حيث ان دولة المصب هي مصر فقط والسودان من ضمن دول المنابع والروافد وقد يأتي في المرتبه الثالثه من حيث اسهامه في مياه حوض النيل بحسبان انهاره الموسميه وخيرانه نفسها تصب في نهاية الامر في مياه النيل.
    نتمني التأسيس لصحافة واعلام ذكي ديناميكي حديث فطن وبعيد كل البعد عن المدرسة المصرية القديمة التي كانت ولا تزال تجير كل شيء في العلاقه بين السودان ومصر لصالح مصر فقط وصارت صحافتنا واعلامنا ودولتنا برمتها هي صدي لآلة مصر الدعائيه الاعلامية

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..