مقالات وآراء

رؤية تحليلية لكتاب تأملات نقدية – للكاتب بكري جابر

عبدالله الفاتح

ورقة مقدمة لمنتدى سوداناب الثقافي – سيدني 27 سبتمبر 2005

الجزء الأول: مراجعة عامة حول الكتاب، ترتيبه، العنوان، ورؤية بكري للنقد ومدرسته

بين أيدينا كتاب “تأملات نقدية – جولة في عالم الكتب والكتابة” لبكري جابر، الصادر عن مركز الدراسات السودانية في طبعته الأولى عام .2021 هذا العمل ليس دراسة أكاديمية مغلقة، بل حصيلة مسار طويل من الكتابة النقدية الممتدة منذ تسعينات القرن العشرين في القاهرة وحتى سنوات الهجرة و الحياة في إستراليا. وقد وصف المؤلف عمله بأنه “كشط لصدأ الذاكرة ونبش لكتابات شكّلت مرحلة من مراحل التكوين المعرفي” )ص.(8

أولًا: ترتيب الكتاب وبنيته

الكتاب يبدأ بـ مقدمة تنظيرية يضع فيها بكري رؤيته للنقد. ثم يتدرج عبر أربعة مسارات:
في السرد/الرواية: قراءات نقدية لروايات سودانية وعربية )ص13 وما يليها.( في الشعر: مقالات نقدية حول تجارب شعرية مختلفة.
قراءات ومختارات: مثل عرضه لكتاب “نظرية الرواية” لعبد الملك مرتاض )ص(85 ونصوص فكرية مثل ريموند ويليامز وإدوارد سعيد )ص.(90
المساجلات والحوارات: سجال مع القاص السوداني أحمد فارس حول غياب النقد التطبيقي )ص–113
(114، وحوار مع القاص المصري سعيد الكفراوي )ص.(138
هذا الترتيب يكشف عن قصدية: يبدأ بالنص السردي ثم بالشعري، ليمر إلى النظري، وينتهي بالحوار والجدل. كأن المؤلف أراد أن يتحرك من النصوص نفسها إلى تأملات في النقد ثم إلى سجالات حول وظيفته وحدوده.

ثانياً: العنوان ودلالاته

العنوان “تأملات نقدية” يوحي منذ البداية بأن النصوص ليست أحكاماً فاصلة بل رؤى مفتوحة. ثم تأتي كلمة “جولة” لتدل على أن الكتاب ليس “رحلة” طويلة أو مشروعاً مكتملًا، بل مرور متأنٍ بين النصوص. هذا الاختيار اللساني ينسجم مع مقاصد المؤلف؛ فهو يرى كتابه “مساهمة” أكثر من كونه مشروعاً نظرياً شاملًا. أما عبارة “في عالم الكتب والكتابة” فهي ذات بعدين:

• الكتب: النصوص التي تناولها بالنقد.
• الكتابة: إنتاجه النقدي الأصيل، الذي يشكل إضافته الخاصة في الحقل السوداني والعربي.
ثالثاً: رؤية بكري للنقد
في المقدمة يوضح بكري أن الناقد لا يكتفي بالتصنيف أو العرض، بل يجب أن تكون لغة النقد نفسها نصاً إبداعياً موازياً. يقول بكري:
) لغة النقد لا يجب أن تكون باردة ومحايدة وكسولة، بل عليها أن تنهض بمهمة خلق حالة من الجمال والتطريب اللغوي تتماهى –لحد ما– مع جمالية النص المنقود( )ص.(7
هنا يتضح أن النقد عنده ممارسة إبداعية، لا مجرد خطاب وصفي. وهو ما يضعه قريباً مما يسميه تزفيتان تودوروف )النقد الإبداعي.(
رابعاً: مدرسته النقدية
يعتمد بكري على أدوات النقد الثقافي والجمالي، حيث النصوص لا تُفهم بمعزل عن سياقاتها التاريخية
والاجتماعية.
يستلهم من مناهج حديثة: السيميائية، البنيوية، النقد الثقافي، ويستعين بمفاهيم مفكرين مثل رولان بارت الذي شبّه النص بـ)نسيج من الاقتباسات( )لذة النص، ترجمة دكتور منذر عياش ي – .(1992
يرى رولان بارت أن النصهو “نسيج من الاقتباسات” أو “نسيج من الدوال”، يتكون ويصنع نفسه من خلال التشابك المستمر للأقوال ومراكز الثقافة اللانهائية، مشبهًا إياه بنسيج العنكبوت لتماسكه وتداخله. لا ينظر بارت إلى النص على أنه منتج لمعنى واحد، بل كفضاء متعدد الأبعاد، تتفاعل فيه كتابات مختلفة وتتنازع دون أن يكون هناك أصل واحد لها. المعنى هنا لا ينبع من المؤلف، بل من تفاعل القارئ مع هذا النسيج المتعدد الطبقات.
لكنه يظل مرتبطاً بالخصوصية السودانية، منتبهاً إلى قضايا مثل غياب النقد التطبيقي وشح تدريس النقد
أكاديمياً )ص.(8–7
خامساً: أهمية الكتاب في المشهد السوداني
الكتاب يسعى لسد فراغ نقدي طالما شكا منه المؤلف. فهو يقول:
)كي يكون لدينا في يوم ما منتوج نقدي متراكم تزوره الأجيال القادمة للتعرف عليه، بغية الإضافة إليه أو مغادرته كلياً( )ص.(8
بهذا المعنى، لا يُقدَّم تأملات نقدية كإجابة نهائية، بل كمساهمة تأسيسية. إنه دعوة إلى تأسيس تقليد نقدي سوداني متراكم، يربط النصوص المحلية بالفضاء العربي والعالمي.

الجزء الثاني: تحليل منهجي لأسلوب بكري في نقد السرد/الرواية

بعد المقدمة مباشرة، يفتتح بكري جابر كتابه بقسم مخصص للرواية، لا للشعر. هذا الترتيب في ذاته ذو دلالة: فهو يعكس التحول الذي شهده الأدب السوداني في العقود الأخيرة، حيث أخذ السرد الروائي موقع الصدارة في التعبير عن المجتمع والتحولات التاريخية، بينما تراجع الشعر تدريجياً عن موقعه المركزي كما يعتقد بكري.
القسم السردي يبدأ من الصفحة الثالثة عشرة، ويضم مجموعة من المقالات النقدية لنصوص سردية
مختلفة، أختار منها ثلاث مقالات تناولت ثلاثة أعمال روائية هي : “طقوس الرحيل” لعباس علي عبود )ص(18–13، “الفرقة الموسيقية” لأحمد حمد الملك )ص(28–19، و”**تحولات في مملكة الأحلام**” ليحيى فضل الله )ص .(24 هذه النصوص متباينة في تقنياتها، لكنها جميعاً تنفتح على الواقع السوداني بقلقه وأسئلته العميقة.
أولًا: السمات الأسلوبية
أسلوب بكري في مقاربة الرواية يقوم على الانتقال من التلخيص إلى التحليل. يبدأ عادة بتقديم خط عام للأحداث، ثم ينتقل لتفكيك عناصر السرد: الزمن، المكان، الشخصيات، الرموز. لكنه لا يكتفي بالتحليل البنيوي، بل يوظف لغة مشحونة بالصور تجعل النص النقدي نفسه أقرب إلى الكتابة الأدبية.

في مقاله عن طقوس الرحيل )ص(18–13، مثلًا، يبرز البعد الطقوس ي في السرد، ويرى أن الرواية “لا تكتفي بكونها حكاية شخصية، بل تستدعي الذاكرة الجمعية وتضع الفقد الفردي في إطار وطني عام.” هنا يتضح وعيه بالعلاقة بين الخاص والعام، بين التجربة الفردية والنص الجماعي.

أما في تناوله لرواية الفرقة الموسيقية )ص(28–19، فيركز على الطابع الفانتازي، لكنه ينبه إلى أن الفانتازيا ليست مجرد أسلوب زخرفي، بل وسيلة لتمثيل نقدي للواقع. إذ تتحول الموسيقى في النص إلى رمز للانفلات والاضطراب الاجتماعي، بل إلى استعارة لواقع سياس ي مأزوم. هذه القراءة تجمع بين التحليل الجمالي والبعد الاجتماعي.
وفي تحولات في مملكة الأحلام )ص(36–29، يرى أن الرواية تمثل محاولة واعية لكسر أفق التوقع السائد في السرد السوداني، فهي نص تجريبي يقوم على التهجين اللغوي والخيالي. بكري يلتقط هذا البعد التجريبي، ويشير إلى أن الرواية “تتحرك بين الحلم والواقع، بين اليومي والأسطوري، محاولة تأسيس لغة جديدة للتعبير عن الوعي السوداني.”

ثانياً: المنهج النقدي
المناهج التي يوظفها بكري في هذا القسم متداخلة:
• البنيوية: عبر تحليل البناء الزمني وتقنيات الاسترجاع )الفلاش باك( وتعدد الأصوات.
• السيميائية: من خلال تفكيك الرموز والإشارات مثل الطقوس والموسيقى والحلم.
• الثقافية: إذ يربط النصوص بأسئلة المجتمع السوداني مثل الهوية، الاغتراب، والسلطة.
هذا التداخل بين المناهج يعكس موقفه النقدي: لا يلتزم بإطار واحد، بل يزاوج بين التحليل الفني والوعي الاجتماعي.
ثالثاً: تطورالأسلوب
من الملاحظ أن مقالاته تبدأ أحياناً بالعرض السردي المباشر، لكنها تميل تدريجياً إلى تفكيك أعمق للبنية الفنية. هذا يعكس انتقاله من الناقد الصحفي –الذي يكتب للجمهور العام– إلى الناقد الباحث، الذي يسعى إلى تأسيس خطاب نقدي أكثر صرامة، دون أن يفقد جمالية اللغة.
رابعاً: تقييم عام مكامن القوة البائنة:
• قدرة على ربط الرواية بالواقع السوداني والعربي.
• إبراز التوتر بين الجمالي والاجتماعي.
• لغة سلسة تجمع بين النقد والإبداع.
هذا القسم من أهم أقسام الكتاب؛ فهو يضع الرواية السودانية في قلب الحوار الأدبي، ويجعلها جزءاً من السرد العربي الحديث، بل يربطها أيضاً بأسئلة الأدب العالمي.

الجزء الثالث: تحليل منهجي لأسلوب بكري في نقد الشعر

بعد قسم السرد والرواية، ينتقل بنا الكتاب إلى قسم آخر، هو الشعر، الممتد من الصفحة 59 حتى
الصفحة .82 في هذا القسم، يضعنا المؤلف أمام تجربة مختلفة تماماً، إذ لا يكتفي بعرض النصوص الشعرية أو تقويمها، بل يكتب بلغةٍ تحاكي الشعر ذاته، فيصبح النص النقدي نفسه نصاً موازياً.

أولًا: المدخل والموضوعات
يفتتح بكري هذا القسم بمقال “قصيدة النثر بين الرفض والقبول”، وفيه يقرر أن معيار الحكم لا ينبغي أن يكون نوع القصيدة بل جودتها وجمالياتها، قائلًا إن النص الجميل يفرض نسبه للإبداع مهما كان شكله )ص.(60–59 هنا يضع بكري قاعدة أساسية: أن الصراع حول التسميات لا قيمة له، ما دام النص في حد ذاته يبرر وجوده. وهو يطرح سؤالًا محورياً: لماذا يرفض بعض النقاد قصيدة النثر مسبقاً؟ أهو رفض للشكل الجديد، أم اعتراض على مضامين بعينها؟ )ص.(62–61

ثانياً: السمات الأسلوبية
أسلوب بكري في هذا القسم يتميز بالجمع بين التحليل الجمالي واللغة التصويرية. ففي أكثر من موضع، نجد عباراته أقرب إلى استعارات شعرية منه إلى تقرير نقدي جامد. وهو، مع ذلك، لا يقع في الانطباعية المجردة، بل يزاوج بين الانفعال بالقصيدة والتحليل المنهجي لبنيتها.

ثالثاً: المنهج النقدي
المناهج التي يعتمدها هنا متداخلة:
• التحليل النص ي: يتوقف عند الإيقاع الداخلي، توزيع الأسطر، البنية.
• السيميائية: ينظر إلى البياضات والتقطيع الرأس ي والأفقي بوصفها علامات دالة، ويبيّن كيف يمكن قراءتها بطرق متعددة )ص.(73–72
• النقد الثقافي: يربط الشعر بالذاكرة السودانية، بالمنفى، وبالتحولات الاجتماعية.
• النقد الإبداعي: حيث تتحول لغة الناقد إلى لغة موازية للقصيدة.

رابعاً: أمثلة تطبيقية
في ص73–72، يحلل نصاً قصيرًا مكثفاً من كلمات قليلة موزعة رأسياً. يوضح أن كل جملة تكاد تستقل كقصيدة، وأن إمكان إعادة التجميع يولّد دلالات جديدة. هكذا تتحول البنية الطباعية إلى دال نقدي. وفي قراءة ديوان ذي نفس تاريخي )ص(78–77، يشير إلى أن القصائد تتحول إلى سجل ذاكرة يلتقط وقائع السودان الحديث، ويمزج بين الوثيقة والتخييل.
كما يتناول في ص81–79 قصيدة عن “سواكن”، فيجعل من المكان شخصية ناطقة، ويصف كيف يتحول عطر الزمن إلى حساسية شعرية، وكيف تُستعاد الجغرافيا بوصفها خريطة للذاكرة والمقاومة.

خامساً: تطوّرالأسلوب
عبر هذا القسم و بناءً مع تواتره التاريخي، يمكن أن نلحظ تصاعداً في الأداء النقدي: يبدأ بطرح إشكالات عامة حول قصيدة النثر ومعايير قبولها أو رفضها، ثم يتجه إلى تفكيك بنيوي وصوري أدق للنصوص. هذا التطور يعكس وعيه المتزايد بضرورة الجمع بين العمق التحليلي واللغة الأدبية.

سادساً: التقييم العام
نقاط القوة: قدرته على جعل النقد نفسه نصاً أدبياً، وربط الشعر بالمنفى والذاكرة الجماعية.
الأثر: يرسّخ أن الشعر السوداني ليس مجرد زخرف لغوي، بل أرشيف للهوية والذاكرة والمنفى، وأن معيار الحكم على النصوص هو جماليتها وقوتها، لا انتماؤها إلى هذا الشكل أو ذاك.

الجزء الرابع: تحليل منهجي لأسلوب بكري في المقالات النظرية والسجال مع أحمد فارس

في هذا الجزء نناقش الفصلين الاخيرين في الكتاب ) قراءات، و مع الآخر( الممتدين عبرالصفحات 83 و حتى آخر الكتاب.
و هنا ننظر في المقالة النظرية والسجال النقدي. هنا يغادر الناقد دائرة العرض والتحليل النص ي، ليدخل في مستوى آخر هو مستوى التأصيل والتأسيس.

أولًا: طبيعة المقالات النظرية
في هذه الصفحات يوضح بكري الفرق بين النقد التطبيقي والنقد النظري )ص.(114–113 فالنقد التطبيقي عنده هو ما يباشر النصوص ذاتها، فيفككها ويكشف بنيتها، بينما النقد النظري هو ما يضع الأسس والمفاهيم العامة. ويرى أن غياب النقد التطبيقي في السودان قد أدى إلى سطحية المشهد النقدي،
حيث ظل كثير من الممارسات النقدية أقرب إلى الانطباعية الصحفية.
ويحدد أيضاً وظيفة الناقد، فيقول إن الناقد ليس راوياً ثانوياً ولا مذيعاً للنص، بل هو منتج للمعرفة الأدبية، قادر على أن يض يء العمل من زوايا لم ينتبه إليها حتى المؤلف نفسه. بهذا يضع الناقد في موقع مركزي داخل العملية الأدبية.

ثانياً: السجال مع أحمد فارس
من أبرز ما يميز هذا القسم السجال مع القاص السوداني أحمد فارس و مقالات بكري المطولة تعقيبا )ص.(137–113 موضوع السجال هو غياب النصوص النقدية التطبيقية. فارس يرى أن النقد السوداني يعاني من فقر في المواكبة، وبكري يرد بأن هذا الفقر ليس عارضاً، بل هو نتيجة غياب مؤسسات تعليمية وبحثية قادرة على إنتاج تراكم نقدي.
يذهب بكري في هذا السجال إلى أن “الكتابة النقدية التي تكتفي بالعموميات لا تؤسس حركة أدبية متينة”، ويشدد على أن النقد التطبيقي هو الطريق الوحيد لتجاوز الانطباعية والارتجال. أسلوبه في السجال هنا حجاجي صارم؛ فهو يطرح الأسئلة، يفكك حجج الخصم، ويقدّم أمثلة مضادة من تجارب عربية أخرى.

ثالثاً: الحوارمع سعيد الكفراوي
كما يضم هذا القسم حوارًا مطولًا مع القاص المصري سعيد الكفراوي )ص–138آخر الكتاب.( في هذا الحوار، تتسع دائرة النقاش لتشمل أسئلة الهوية، الحداثة، والكتابة في العالم العربي. يظهر هنا أفق بكري العربي، إذ يربط قضايا الأدب السوداني بمشكلات الأدب المصري والمشرقي، ويكشف أن أزمة النقد ليست محلية فقط، بل هي جزء من أزمة عربية أشمل.

هذا الحوار يمنح الكتاب بعداً إضافياً؛ فهو لا يقف عند حدود التجربة السودانية، بل ينفتح على العالم العربي، مؤكداً أن الهموم واحدة وإن اختلفت السياقات.

رابعاً: السمات الأسلوبية
في هذا القسم، أسلوب بكري أكثر عقلانية وجدلية من الأقسام السابقة.
لغته تقترب من لغة البحث الأكاديمي، حيث يحدد المصطلحات ويفصل بين المفاهيم.
لكنه لا يتخلى عن وضوح العبارة وحيويتها، مما يجعل النص النقدي مقروءاً للقارئ العام والمتخصص معاً.
خامساً: التقييم العام
يمكن القول إن هذا القسم يمثل البعد التأسيس ي في كتاب بكري.
قوته أنه يضع يده على أزمة النقد السوداني، ويوضح أن غياب النقد التطبيقي هو أحد أخطر أعراض هذه
الأزمة.
في المحصلة يبين أن مشروع بكري ليس مجرد مقالات متفرقة، بل محاولة جادة لبناء خطاب نقدي سوداني متماسك، يشارك في الحوار العربي الأوسع حول الأدب والهوية والحداثة.

خاتمة

بعد هذه الجولة في كتاب تأملات نقدية – جولة في عالم الكتب والكتابة، يتضح لنا أن مشروع بكري جابر ليس مجرد مقالات متفرقة، بل هو محاولة واعية لتأسيس تقليد نقدي سوداني يربط النصوص الإبداعية بوعي نقدي منهجي.
لقد أعاد بكري الاعتبار للنقد بوصفه ممارسة إبداعية وفكرية في آن، وأصرّ على أن الناقد ليس تابعاً
للكاتب، بل شريك في إنتاج المعنى، وصوتاً يض يء النصوص من زوايا لم تُكتشف بعد. وفي هذا الإطار، يذهب أبعد من مجرد الشرح أو التفسير، ليجعل من النقد نفسه كتابة إبداعية ثانية. فهو يرى أن لغة النقد لا يجوز أن تكون “باردة أو كسولة”، بل يجب أن تمتلك موسيقاها وصورها واستعاراتها، بحيث تتماهى مع النص الإبداعي وتوازيه في الجمالية .
ومن هنا، يمكن القول إن النصوص النقدية عنده ليست ظلًّا للنصوص الأصلية، بل مرايا جديدة تُعيد
تشكيلها وتمنحها حياة مضاعفة. وهذا ما يجعله قريباً من ما يُعرف في الدراسات الحديثة بـ”النقد الإبداعي”؛ نقد يُقرأ بذاته ويُستمتع به كما يُستمتع بالنص الأدبي.
وفي سجاله مع أحمد فارس، كما في حواره مع الكفراوي، بدا واضحاً أن همه الأكبر ليس النصوص وحدها، بل بناء خطاب نقدي متماسك، قادر على نقل النقد السوداني من الانطباعية والارتجال إلى الصرامة والوعي المؤسس ي.

إن قيمة هذا المشروع تكمن في أنه يفتح الطريق أمام الأجيال القادمة لتجد بين أيديها تراكمات نقدية يمكن البناء عليها أو تجاوزها. فهو لا يطرح أجوبة نهائية، بل يؤسس لمساحة حوار مستمرة بين النصوص والقراء والنقاد.

وبهذا، فإن تأملات نقدية ليست مجرد كتاب في النقد، بل هي نداء تأسيس ي: دعوة لتوطين النقد كجزء أصيل من الثقافة السودانية، وكأداة لفهم الذات في مرايا الأدب، وللانفتاح على فضاءات الثقافة العربية والعالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..