
لم يعد الموت في السودان يأتي زاحفاً من بين الأزقة أو مختبئاً خلف رصاصة طائشة فحسب؛ بل بات يهبط ببرودٍ تقني من كبد السماء في هذه البلاد التي كانت يوماً تضجُّ بالحياة تحولت “المسيرات” (الطائرات بدون طيار) من منجزات تكنولوجية إلى غِربانٍ حديدية تقتاتُ على أشلاءِ الأبرياء لتكتب بدمائهم فصلاً هو الأبشع في تاريخ الحروب العبثية.
أزيزُ الموت… صرخةُ الوداع الأخير
لا يوجد صوتٌ أرعبَ من أزيز تلك الآلات الصماء وهي تحلق فوق رؤوس المدنيين إنها لا تميز بين ثكنة عسكرية وبين طابورٍ لانتظار الخبز ولا تفرق بين مخزنِ سلاحٍ وبين ساحةِ منزلٍ تهدمت جدرانه فوق رؤوس ساكنيه في كل غارة يرحلُ “سودانٌ” كامل؛ يرحلُ أبٌ كان يحلمُ بستر أطفاله وترحلُ طفلةٌ لم تكن تدركُ أن “اللعبة” التي تطير في السماء هي وحشٌ كاسر سينهي حكايتها قبل أن تبدأ.
قتلُ الأبرياء حين تُنتهكُ القدسيةُ بالريموت كنترول
بمنتهى القسوة ويجلسُ “المُشغّل” خلف شاشةٍ باردة يضغطُ زراً فينتهي وجودُ عائلةٍ كاملة في ضواحي كردفان أو كوستي أو قرى الدويم مثلا إن ما يحدث ليس مجرد “أضرار جانبية” كما تروج التقارير العسكرية الجافة بل هو استباحةٌ منظمة لدمِ الإنسان السوداني الذي وجد نفسه محاصراً بين نارين وملاحقاً حتى في لحظاتِ نزوحِه الأخيرة.
الأسواقُ الشعبية تحولت إلى مقاصب بشرية بفعل ضرباتٍ لا تخطئ المدنيين وتتجاهل “الأهداف”.
المستشفياتُ المتهالكة حتى الأسرّة البيضاء تلوثت ببارود الطائرات الانتحارية.
البيوتُ الآمنة صارت قبوراً لم تفتح أبوابها للمشيعين.
السقوط الأخلاقي
سياسياً يعكسُ استخدام المسيرات في قتل المدنيين إفلاساً أخلاقياً وعجزاً ميدانياً لدى أطراف الصراع إنها حربٌ بالوكالة تُدارُ بأدواتٍ مستوردة ويدفعُ ثمنها “الإنسان البسيط” الذي لا ناقة له في السلطة ولا جمل إن تحويل سماء السودان إلى مسرحٍ لتجارب الأسلحة الفتاكة هو وصمةُ عارٍ في جبين المجتمع الدولي الذي يراقبُ الجثث وهي تتراكم بصمتٍ مريب.
“السوداني اليوم لا يخاف من الغد بل يخاف من السماء لأنها المكان الوحيد الذي لم يعد يمنحُه السكينة بل يمنحُه الرماد.”
إن البكاء على السودان لم يعد يكفي فالدموعُ جفت في مآقي الأمهات اللواتي لم يجدن حتى أجساد أبنائهن لدفنها بفعل الانفجارات الغادرة سيتوقفُ الأزيز يوماً ما وستصمتُ المحركات لكن صدى صراخ الضحايا سيبقى يحوم في الفضاء شاهداً على زمنٍ صار فيه القتلُ “ضغطة زر” وصار فيه الإنسانُ السوداني أرخص ما في معادلة الحرب.
يا سماء السودان… رفقاً بما تبقى من أرواح فقد شبعت الأرضُ دماً ولم يعد في القلوبِ متسعٌ لمزيدٍ من الجنائز.




شكرا لكاتب المقال اسلوب رائع فى وصف لواحدة من المآسى التى يعيش السودانيين خاصة مع وجود جيش الكيزان الارهابى لعنة الله على الكيزان اينما كانوا واين ما وجدوا
للاسف الطائرات تضرب ابناء الغرب فقط لماذا ؟ والكل صامت عن الدمار الممنهج ضد الغرابه
الدعم يضرب الغرابه
والجيش ايضا اشد فتكا
وغرف السيطره من الدول المتحالفه مع الجيش والدعم حتى الكتائب والمليشيات تتعلم فى شفع الغرابه ونسائهم وايضا حركات الارتزاف كلها من خارج حدود السودان حتى قيادادهم ضباط شادين ” منى” وهلال وحميتى مين الجلبهم لقتل الغرايه وما دور الغرابه فى حكم السودان ؟
فرق عظيم ما بين سودان ما قبل 89 و سودان ما بعدها …
هم غربان الدمار ….لم يجلبوا لنا سوى الموت في كل مجال في الحياة .
نعم مسيرات محمد بن زايد كفنا طائر للسودانين ولكن من كرامات السودانين ستصبح مسيرات ايران كفنا طائرا للاسرائلين وعرب اسرائيل فى الامارات