
بالنسبة للإسلاميين، فما عليهم إلّا الإقرار بالخطيئة و قبول التبعات: لا مشاركة تحت المسمى القديم، تفكيك دولتهم العميقة، محاسبة المذنبين منهم و ما يترتب على ذلك من استرداد منهوبات و غيره، و ربما حظر اطارهم الايديولوجي من السياسة مستقبلا. لماذا ربما؟ انظر خلاف البارادايم ادناه.
أما فيما عدا ذلك مما اثاره الأستاذ خالد فضل في مقاله “ليس هناك خلاف”، فتحضرني بعض المفاهيم المجردة عند التفكير في اجابات للأسألة المطروحة: هدف و هدف معلن و مصداقية و ضمانات. حين يفشل تحقيق الهدف، و خصوصا حين يتباين الهدف و الهدف المعلن كما تثبت الاحداث و النتائج، يولد الخلاف أو يتجدد، و تضعف المصداقية و قد تصل حد التخوين و النعت بالطفولة.
• هل ثمة دروس و عبر؟ … هل من الواقعية السياسية في بيئة الحروب التمترس خلف شعارات لا يعترض أحد على صحتها؟
نعم، ثمة دروس و عبر. اولها ان الشعارات الفضفاضة لن تنجز المهمة. ربما كان الحد الأدنى من التوافق على ترجمة “حرية سلام و عدالة” و المتفق عليه في إعلان الحرية و التغيير لينجز المهمة، و لكن الهدف لم يتحقق. ثمة خلاف في البارادايم، قديم الجذور، منذ ان استشعر البعض استحالة تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود بالشراكة المبرم عقدها في 2019. “هدفنا استعادة التحول الديمقراطي،” صرح بكري مدني قبل اسابيع، متحدثا عن “صمود” و معبرا عن تيار في جوهره ان الديمقراطية تصلح نفسها، و ان مهما قبع من مشاكل في جذور الازمة السودانية فإن الديمقراطية ستتصدى لها، لأنها ان لم تفلح في ذلك فستصلح نفسها حتى تستطيع. يقول البارادايم الآخر ان تلك النسخة من الديمقراطية المتوارثة من 56 لم تكن لتنجح يوما في العثور على جذر الازمة ناهيك عن حلها, لأنها كانت دوما جزءً من المشكل. يقول البارادايم الثاني انه لم يكن انقلاب عبود ليحدث لولا اجتماع السيدين و ما تلى ذلك من تركز السلطة لدى “المؤسسة التقليدية” و ما نتج عنه من احداث و مقاومة من “القوى الحديثة” و التي تسببت بدورها في تسليم القوى التقليدية السلطة للجيش؛ و لا كان انقلاب نميري ليحدث لولا انعدام الدستورية من تلك الديمقراطية كما بينت حادثة حل الحزب الشيوعي، و لا انقلاب البشير لولا مصالحة 77 التي اسست للتمكين و الدولة العميقة.
هل يشكل اختلاف البارادايم هذا مشكلة “عملية” في سياق الانتقال الديمقراطي؟ يتفق التياران على تفكيك الدولة العميقة، و الإصلاح المؤسسي الشامل، و محاسبة المذنبين و نطاق المفوضيات. يكمن الخلاف، مثلا، في مؤسسات الانتقال، حيث يرى التيار الثاني ان مجلسا تشريعيا انتقاليا من القواعد الثورية سيكون ضمانا لعدم انحراف الثورة عن مسارها بالنهج المعتاد. رد التيار الاول ببرلمان (ظل) شبابي بلا سلطات، و ليس ذلك بضمان يرتضيه التيار الثاني.
هل العلمانية من ضمن المطلوبات لتحقيق الحد الأدنى (الانتقالي) ل”حرية سلام و عدالة”؟ هناك خلاف احاله إعلان الحرية و التغيير أو الوثيقة الدستورية لمجريات الفترة الانتقالية (مما أدى لعزوف الحركة الشعبية شمال و حركة تحرير السودان عن الاتفاق). لهذا الخلاف تشير الاشارة السابقة عن امكانية حظر الاطار الايديولوجي للإسلاميين، و هو خلاف ينبغي حله الآن كما في ميثاق تأسيس. فالضمان (التاريخي) عند الحركة الشعبية شمال هو الانفصال (حق تقرير المصير)، و هو ضمان غير مقبول لآخرين و ثمن غير مقبول على الإطلاق لدى الاكثرية.
• السؤال الأهم: كيف؟ كيف نسترد الثورة، ونستكمل برامجها؟ كيف نخرج القوات المسلحة من خلل حقل خبرتها وتجربتها التاريخية الفاشلة؟ كيف نحل المليشيات؟ وهل في مقدور الجماهير أن تنجز ذلك؟… هل من سبيل بدون وجود دور للتشكيلات المسلحة في تلك العملية؟… بينما تحالف “تأسيس” يرفع شعارات الثورة أسوة بالتحالفات المدنية “صمود” و”الجذري”، وعليه يصبح تحالف “تأسيس” أقرب نظريًا لتحالفي القوى المدنية المذكورين. فما أوجه الخلاف الجذري بينها؟ وهل هي خلافات تعلو على هدف استعادة الثورة واستكمال مهامها؟ أم هي خلافات ناجمة من عدم الثقة بين أفراد هذه التحالفات؟ وهل من الممكن عمليًا الوثوق بشكل مطلق في أي مجموعة بشرية؟
تقريب البرامج مطلوب و ممكن في حال التوصل لحلول أو ايجاد ضمانات حول الخلاف المذكور.
اما فيما يختص بالجيش و الدعم السريع، و بإستحضار المصداقية كمفهوم مجرد، ما ضمان تسليمهم للسلطة السياسية و بقائهم خارجها؟ من يستطيع هنا ان يقدم ضمانا؟ لا ارى شيئا و لا احدا، و لكني على ثقة ان التطور الطبيعي للأشياء سيتيح فرصا. ربما اذا توصل “صمود” و “الجذريون” لحل خلاف البارادايم لنتج عنه اجماع شعبي كالذي كان في ابريل 2019, و لربما فتح هذا الإجماع ابوابا؟



