الحرية الإنسانية مدخل ميثاق التعايش الديني والمجتمعي (1-6)
عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

التعايش ليس مجرد أن يعيش المختلفون في المكان نفسه دون أن يقتتلوا، ولا أن يتجنب بعضهم بعضًا حفاظًا على هدنة مؤقتة. التعايش الحقيقي هو أن يعترف الإنسان بحق الآخر في أن يكون مختلفًا، وأن يمارس هذا الاختلاف دون خوف أو إقصاء أو إكراه.
فالإنسان لا يستطيع أن يتعايش بصدق مع من يُجبره على اعتقاد أو سلوك أو هوية لا يختارها، كما أن المجتمع لا يستطيع بناء سلام مستدام إذا كانت حرية أفراده مرهونة برضا السلطة أو الجماعة أو الأغلبية.
لذلك، فإن الانتقال من التعايش إلى الحرية ليس انتقالًا من فكرة إلى أخرى منفصلة، وإنما هو انتقال طبيعي من قبول وجود الآخر إلى الاعتراف بحقه في أن يعيش إنسانيته بحرية.
قد يعيش الناس متجاورين رغم اختلافهم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يعيشون في حالة تعايش حقيقي.
فالمساكنة قد تفرضها الجغرافيا أو الظروف أو الخوف من الصراع، بينما يقوم التعايش على الوعي والاعتراف المتبادل.
أما التعايش الإنساني فيتجاوز ذلك إلى: الأعترف بحقك في أن تكون مختلفًا، كما أعترف بحقي في أن أكون مختلفًا.
ومن هنا تصبح الحرية عنصرًا جوهريًا في بناء التعايش؛ لأن الاختلاف الذي لا تحميه الحرية يتحول بسهولة إلى صراع، والاختلاف الذي تحميه الحرية يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء للمجتمع.
الحرية الإنسانية، في إطار هذا الميثاق، ليست حرية الفرد في مواجهة الآخرين، ولا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون اعتبار لحقوق غيره.
إنها الفضاء الذي يستطيع فيه الإنسان أن يختار ويعتقد ويفكر ويعبّر ويعيش هويته وثقافته، دون إكراه أو تمييز، وبما لا ينتهك حقوق الآخرين وحرياتهم.
تصبح الحرية جسرًا بين الاختلاف والتعايش، وبين التعدد والوحدة، وبين الفرد والمجتمع.
في المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا، تكتسب حرية الاعتقاد أهمية خاصة.
فالإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى الإكراه، كما أن الاختلاف في المعتقد لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتمييز أو العداء أو العنف.
والاعتراف بحرية الاعتقاد لا يعني التخلي عن الدين أو القيم، وإنما يعني أن إيمان الإنسان شأن لا يجوز أن يتحول إلى أداة لإلغاء إنسان آخر.
كما أن احترام حرية الآخر لا يشترط أن نتفق معه في معتقده أو أفكاره؛ فالاحترام لا يعني الاتفاق، والتعايش لا يعني التشابه.
وهذه نقطة أساسية في بناء مجتمع متعدد مثل السودان، حيث تتداخل الأديان والثقافات واللغات والأعراف والانتماءات الاجتماعية في نسيج واحد.
فالإنسان يحتاج إلى أن يقول ما يؤمن به، وأن يناقش ما يراه صوابًا أو خطأ، وأن يختلف مع الآخرين دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية أو تحريض أو عنف.
فليس من التعايش أن نمنع الإنسان من التعبير عن رأيه، كما ليس من الحرية أن نستخدم التعبير لإهانة الآخرين أو التحريض عليهم أو تجريدهم من إنسانيتهم.
فالحرية التي تهدم الكرامة تفقد معناها الإنساني، والكرامة التي لا تحميها الحرية تبقى عرضة للانتهاك.
فالدولة التي تحترم الإنسان لا تسأل مواطنها أولًا عن دينه أو قبيلته أو لونه أو منطقته، وإنما تتعامل معه بوصفه إنسانًا ومواطنًا متساويًا في الحقوق والواجبات.
فالمواطنة تمنح الإنسان مكانه في الدولة، والعدالة تضمن عدم التمييز في الحقوق، والحرية تمنحه القدرة على ممارسة إنسانيته داخل هذا الإطار.
وبذلك لا تصبح الدولة طرفًا في الاختلافات الدينية والمجتمعية، ولا أداة لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد، وإنما تصبح إطارًا جامعًا يحمي الجميع.
فإذا كانت الحرية متاحة لمن يشبهوننا فقط، فإنها ليست حرية إنسانية جامعة، وإنما امتياز تمنحه الجماعة لمن توافقه.
أما الحرية التي يقوم عليها الميثاق الإنساني فهي التي تحمي حق المختلف:
حق المتدين وغير المتدين، وحق صاحب الرأي المختلف، وحق الجماعات الثقافية والدينية، وحق الفرد في اختيار طريقه، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للحرية: أنها لا تحمي الإنسان عندما يكون معنا فقط، بل تحميه أيضًا عندما يكون مختلفًا عنا.
إذا كانت العدالة الإنسانية تعني أن يحصل كل إنسان على حقه في الكرامة والمساواة وعدم التمييز، فإن الحرية تمثل أحد أهم مظاهر تحقق هذه العدالة في حياة الإنسان.
فالإنسان الذي يعيش تحت الخوف، أو الإكراه، أو التمييز، أو القهر، لا يستطيع أن يمارس إنسانيته بصورة كاملة.
ولهذا فإن العدالة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها توزيعًا للحقوق والواجبات،
ومن هنا تصبح الحرية امتدادًا طبيعيًا للعدالة الإنسانية، كما يصبح التعايش خطوة في الطريق إليها.
وهذا لا يتحقق إلا عندما تصبح الحرية قيمة مشتركة، لا حقًا لفئة دون أخرى.



