مقالات وآراء

الحقيقة الضائعة (2)

د. محمد حمد مفرح

وفقا لما أشرت إليه في الحلقة الأولى من هذا المقال، فإن السجال بين قوى الحرية و التغيير (قحت) و مناصريها من جهة، و بين الإسلاميين و مناصريهم من جهة أخرى، والذين يمثلون حاضنة نظام الانقاذ السابق، ظل، أي هذا السجال، سيد الموقف بالميديا حتى تاريخه. و قد اتسم هذا السجال، في كثير من الأحيان، بلغة (متطرفة) يصاحبها عادة عنف لفظي و تهم غير مشفوعة بأدلة و لا حيثيات منطقية بل و شيطنة تنحو منحى إغتيال الشخصية Character assassination.
علاوة على هذا، فإن هذا السجال ظل يعري الكثيرين فكريا و أخلاقيا، كونهم لا يعمدون، في إدلائهم بدلوهم في الموضوع محل التناول، إلى مقابلة الحجة بالحجة و لا يستندون إلى الموضوعية المتسقة مع العقلانية و الهادفة إلى إستجلاء الحقيقة، بل يعمدون إلى شخصنة الموضوع مع توجبه التهم الجزافية. كما أن هذه الفئة تتعامي، عن قصد غير مبرء من الغرض، وبصورة فجة و مبتسرة، عن الحقائق الدامغة التي تدينهم، و يقفزون على كل ما يمت إلى تجريمهم بصلة.
و بحسب متابعتي و تقييمي الذي أحرص على مراقبة الله من خلاله، فقد وضح لي أن اللغة آنفة التوصيف و النعوت السابقة تنطبق، إلى حد كبير، على الإسلاميين ومناصريهم. فكثيرا ما انبرى هؤلاء لتوجيه التهم الجزافية لقيادات الحرية و التغيير مع
الإصرار على جعلها حقائق دامغة لا يرقى إليها الشك، و ذلك دون أن يعيروا أهمية للأدلة و الأسانيد القانونية Legal documents المؤيدة لهذه التهم، و التي تقتضيها أسس العدالة و الحق و قبل ذلك الخلق الإسلامي القويم.
الجدير بالإشارة أن هنالك إصرار مستميت و مكرور من قبل الإسلاميين و مناصريهم على اقناع الجماهير بأن هذه التهم مثبتة و لا يرقى إليها الشك و لا الجدل بل و لا تحتاج لأدلة، غاضين الطرف عن إدانة منسوبي الحرية و التغيير و مناصريهم للحرب و افرازاتها مع تكرار مطالبتهم بوقفها.
و من الأهمية بمكان التأكيد على أنني لم أعمد، من خلال ما ذكرت آنفا، إلى التحامل على الإسلاميين و مناصريهم و لا إلى الاصطفاف المبني على الباطل، مع قوى الحرية و التغيير، بقدر ما أنني أراعي التقييم المنصف المستند إلى الواقع الماثل و الذي تؤيده شواهد وأدلة كثر. و هنا أكرر، كرة أخرى، حرصي على مراقبة الله في تقييمي.
و إذا ما دلفنا للتهم التي ظل يوجهها كل طرف من الطرفين المذكورين للطرف الآخر، نجد أن تهم الإسلاميين و مناصريهم، الموجهة للحرية
و التغيير قد تمثلت في الآتي:
١.العمالة لجهات أجنبية و تبني أجندتها، مع نعت
قيادات الحرية و التغيير بأنهم عملاء سفارات.
٢.دفع الدعم السريع للحرب بعد فشل الإتفاق الإطاري.
٣.الوقوف إلى جانب الدعم السريع و تبني أجندته.
الجدير بالذكر أن قوى الحرية و التغيير أنكرت هذه التهم دافعة بأدلة و حيثيات و شواهد على عدم صحة هذه التهم، منها أنها ظلت منذ اندلاع الحرب حتى تاريخه تدعو لايقافها، ما يؤكد أن دفعها المزعوم للدعم السريع لإشعال الحرب لا يعدو أن يكون تلفيقا لا أساس له من الصحة. ذلك أنه لا يستقيم منطقا، أن تقوم قوى الحرية و التغيير بدفع الدعم السريع لإشعال الحرب، ثم تدعو لايقافها، فور اندلاعها. كما أن من الحيثيات التي دفعت بها الحرية و التغيير من أجل تبرئة ساحتها أن الإتفاق الإطاري كان قي طريقه للتنفيذ، و أن المنطق السليم يقول بأن الجهة المتضررة منه هي التي أشعلت الحرب. و هذه بالطبع تهمة مبطنة ضد الاسلاميين. و مما يعزز من وجاهة هذا الرد أن الإتفاق الإطاري تضمن بندا يقضي بتكوين (مفوضية تفكيك نظام الثلاثين من يونيو و إزالة التمكين)، الأمر الذي يجعل من الإتفاق الإطاري بعبعا يتهدد الاسلاميين، و يعزز فرضية بدأهم الحرب.
أما تهم الحرية و التغيير الموجهة ضد الإسلاميين، ابان الفترة الانتقالية، فقد تمثلت في الآتي:
١.وضع العراقيل أمام الحكومة الإنتقالية وخلق الأزمات الرامية إلى اسقاطها، و ذلك من خلال إمساك الإسلاميين بمقاليد الأمور بالدولة عبر تغلغلهم في مفاصلها.
٢.إشعال الحرب الجارية حاليا بسبب تعارض بنود الاتفاق الإطاري الذي كان يمضي إلى نهاياته، مع مصالح الإسلاميين.
هذا علاوة على التهم التي ظلت قوى الحرية و التغيير توجهها للاسلاميين، منذ سقوط نظام الانقاذ، و المتمثلة في فصل الجنوب و اشعال حروب خلقت بؤر صراع في كل من دار فور و جنوب كردفان و جنوب النيل الأزرق، فضلا عن تبني الإنقاذ سياسات اقتصادية سالبة تسببت في تدهور الاقتصاد السوداني و الأحوال المعيشية بالبلاد مما تسبب في اندلاع ثورة ديسمبر..هذا بالإضافة إلى فساد إداري و فساد مالي سلط عليه الأضواء المراجع العام إبان حكم الانقاذ.
و قد ظل الإسلاميون و مناصروهم يعمدون، في محاولتهم نفي هذه التهم، إلى سوق الحجج الواهية و المبررات الفجة، كما أنهم يتعمدون، في الغالب، الٱزورار عن هذه التهم و القفز فوقها كأنها لا تعنيهم و لا شأن لهم بها. و هذا يؤكد، دون ريب، مدى الاستهتار بشؤون الحكم و الذي سيسألهم الله عنه يوم لا ينفع مال و لا سلطة و لا جاه.
بقي أن أؤكد أن الحل الناجع لهذه الأزمة الأخلاقية، أي أزمة ضياع الحقيقة في ظل هذا الوضع، يتمثل في الرجوع إلى الحق من خلال احتكام طرفي السجال إلى جهة محايدة، منصفة و متفق عليها من قبل الطرفين، لتحكم بينهما، و ذلك بعيدا عن الزيف و ضياع الحقيقة في معترك السجال. و يمكن أن يتم ذلك باللجوء إلى العدالة الانتقالية Transitional Justice و التي تتضمن الإعتراف بالجرائم و تعويض المتضررين و جبر الضرر و المحاكمات و العفو، كما حدث في بلدان أخرى لجأت لهذا الإجراء فحلت أزمتها و تجاوزت واقعها الكارثي.
وليس ثمة من شك في أن أي طرف من الطرفين حريص على مراقبة الله في ما يفعل و حريص على تبرئة ساحته أمام الجماهير لا يرفض الإحتكام إلى العدالة، خاصة إذا كان واثقا من أنه بريء مما نسب إليه.
هذا الأمر، أي الإحتكام للعدالة، يمثل، في حالة تحققه، انتصارا للحق الذي من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها فاسحا المجال إلى الإستقرار السياسي Political stability بالبلاد و النهضة المنشودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..