الراتب بالدولار !!!

بسم الله الرحمن الرحيم
عبد المنعم على التوم
لقد أبتلينا فى السودان بفواجع من السياسات الاقتصادية يشيب لها الولدان …..!!! عندما يعجز القائمون على الامر فى التمييز بين المعقول و اللامعقول …..مصيبة كبيرة ….. !!!!! عندما يخفق القائمون أصحاب القرار فى رسم سياسات إقتصادية أو هيكل إقتصادى لا يحترم عملة الدولة الوطنية (الجنيه السودانى ) … يصبح الامر مصيبة إذا لم نجد القائمين على الامر لا يهتمون … لا يعملون من أجل توفير الحماية اللازمة للجنيه السودانى فالمصيبة أفظع … !!! ….وأعلم تماما بأن هناك خلل إقتصادى عظيم قائم .!!!
كل دول العالم تعمل جاهدة بما فيها الولايات المتحدة الامريكية صاحبت أكبر إقتصاد فى العالم ، ألف حساب فى سبيل إستقرار الدولار الأمريكى ، علما بأن هذه الورقة الخضراء ……ورقة تصنع من مادة القطن …!!! ليس لها قيمة مادية ….. ولكنها إكتسبت قيمتها عبر الحماية المتوفرة لها من الحكومة الامريكية واصبحت معيار أو مقياس لقيم الاشياء المادية معترف به بقوة فى جميع دول العالم – فمنذ العام 1973 فى عهد الرئيس نيكسون الذى أجهض إتفاقية برايتون وودز التى كانت تعترف بمعيار أو تغطية الأوراق النقدية ( Banknotes ) بمعدن الذهب لتصبح عملة مبرءة للذمة فى الاسواق العالمية وكان هذا يجنب عملات الدول تقلبات الاسعار وكانت فضيحة مجلجلة إكتشفتها فرنسا … – أهتزت لها أركان العالم حيث اتضح بأن الولايات المتحدة الامريكية كانت تطبع الدولار الامريكى دون أن يكون له غطاء من الذهب … !!! وحتى لا يفقد الدولار قيمته فى الاسواق العالمية بعدة هذه الكارثة أو بعد هذه الفضيحة ذهبت أمريكا فى عهد الملك فيصل وأبرمت إتفاقية مع المملكة العربية السعودية عبر شركة أرامكو الأمريكية وفرضت قيود فى هذه الاتفاقية بعدم بيع البترول السعودى بأى عملة فى العالم إلا عبر الدولار الامريكى فقط …مما مكن الدولار بأن يكون عملة إحتياط قوية بدلا عن الذهب … وحتى تاريخ كتابة هذا المقال …الدولار الامريكى معلق فوق رقبة البترول السعودى …..!!! واصبح عملة إحتياط عالمية تحاول مجموعة دول البريكس ( BRICS) ( البرازيل – روسيا – الهند – الصين -جنوب افريقيا ) (المؤسسين ) إنضمت إليهم أخيرا دول آخرى ، – تعمل هذه المجموعة لعودة غطاء الذهب للعملات ولكنها تعانى مشاكل كبيرة فى الوقت الراهن بسبب ما تملكه هى نفسها من إحتياطيات كبيرة من الدولار …. !!!
أما نحن هنا فى السودان فالمشكلة فى السياسة الاقتصادية المتبعة فى البلاد فهى فقيرة وبعيدة كل البعد عن القواعد والأسس التى تحمى الجنية السودانى من الإهانة …المهانة … الذل … التحقير … الازدراء … و الضياع … حتى الان لم يستطع الطاقم الاقتصادى الذى يدير الاقتصاد أن يميز متى يكون الإقتصاد حرا و متى يكون الاقتصاد مقيد اأو موجها …؟ معظم دول العالم توفر الحماية الكافية لعملاتها بكل ما تملك من قوة حتى توفر الإستقرار الكامل للعملة و التجارة الخارجية و المحلية و الاقتصاد الجزئى و الكلى للبلاد حتى لو اضطرت لتحريك البوارج الحربية أو الاساطيل البحرية الحربية ولكن للاسف الشديد الطاقم الاقتصادى فى السودان فى ثبات عميق لا يهش ولا ينش حتى إنتاشته العملات الاجنبية من كل صوب وحدب ..وصارت تسيطر على مقاليد الاقتصاد أقتصاد طفيلى موازى لإقتصاد الدولة الرسمى بقيادة بعض الافراد و الشركات و البنوك الاجنبية ….!!!
عدم التميز من جانب الطاقم الاقتصادى فى أن يكون الاقتصاد مقيدا أو أن يكون حرا مشكلة جوهرية إستراتيجية ….!! ، وعليه دائما ما يكون الإقتصاد حرا طليقا فى البلدان المستقرة ولديها إحتياطيات وافرة من النقد الأجنبى فى بنوكها المركزية فالسعودية و الامارات العربية وكندا وما شابه من الدول لا تتأثر كثيرا بحركة الاموال الاجنبية فى بلدانها لانها تملك إحتياطيات وافرة من النقد الاجنبى يمكنها من ضبط إستقرار سعر عملاتها فمثلا تجد فى السعودية واحد دولار يعادل 3.75 ريال ، سعر ثابت منذ عشرات السنين ، لا يستطيع كائن من كان من رجال الأعمال يرفع السعر الى 4 ريالات ، لان البنك المركزى أو مؤسسة النقد السعودى كما كان يعرف سابقا سوف تتدخل فى الحال وتضخ فى شرايين البنوك العاملة عملات صعبة من المخزون الاستراتيجى للعملات الاجنبية (وغالبا ما يكون الدولار ) يثبت به سعر الريال السعودى عند النقطة المحددة له . ، أضف الى ذلك الاحتياطى من النقد الاجنبى تستطيع الدولة أن تنظم به عمليات الاستيراد لما تحتاجه من دول آخرى بكل بساطة وأريحية هكذا تفعل الدول التى وصلت الى مرحلة الاقتصاد الحر ..!!!
أما الدول ذات الاقتصاديات الهشة فلابد لها أن تبتكر وسائل صارمة وتدخل الدولة بقوة فى السيطرة لحركة التعامل بالعملات الاجنبية وتضع لها القوانين و اللوائح و العقوبات التى تحمى بها عملتها ، لذلك يسمى إقتصاد تلك الدول بالاقتصاد الموجه أو المقيد – لتثبيت سعر صرف عملتها مقابل العملات الاجنبية لاهمية بناء القاعدة الاساسية للاقتصاد الكلى ألا وهو تثبيت سعرالصرف ، و العمل على بناء إحتياطيات فى بنوكها المركزية عن طريق الصادرات و قطاع السياحة كما تعمل قيود اضافية كأعلان العملات (Declaration ) فى معابر بلادها وتمنع الشعب منعا باتا فى التعامل بالعملات الاجنبية داخل حدود بلادها وتقتصر المعاملات بالعملات الاجنبية داخل أروقة البنوك المصرح لها بالتعامل فى الدولة المحددة – لذلك نجد كثير من الدول صارمة فى هذه الجزئية لحد عقوبة الاعدام لمن يتاجر او يتعامل فى الاتجار بالعملات لانه يهدم إقتصاد الدولة ويهدر مواردها ويسبب لشعبها الفقر و الضياع وهى جريمة كبرى فى كثير من البلدان حول العالم . وهناك كثير من الدول الكبرى مثل الصين رغم إنها تملك إحتياطيات وافرة من النقد الأجنبى تخضع حركة الأموال من و إلى البلاد لقواعد متشددة وتفرض ضوابط صارمة على صرف العملات الاجنبية ويكون التعامل بها للافراد محدود ويخضع لقوانين صارمة من قبل الحكومة ممثلة فى (إدارة الدولة للنقد الاجنبى ) (SAFE ) وبنك الشعب الصينى (البنك المركزى )الامر ليس متروكا للشعب الصينى , وأيضا روسيا تضع قيودا صارمة كجزء من سياسة مالية تهدف الى حماية الاقتصاد الروسى ودعم العملة المحلية …!!! (كل تلك النظم والقوانين والوائح الصارمة التى تحمى الدول به عملاتها موجودة فى الشبكة العنكبوتية ويمكن الرجوع إليها ) و أى دولة حول العالم لا تحمى حركة الاموال الاجنبية داخل نظامها الاقتصادى تتسبب لشعبها فى عدم إستقرار لعملتها يؤدى للمعاناة و تدهور الاحوال المعيشية لشعبها مهما كانت مواردها غنية …- و العراق خير دليل على ذلك ….!!!.
أما نحن هنا فى السودان أو ناس زعيط ومعيط أو القائمين على أمر الدولة الاقتصادى ……!!! تخيل للاسف الشديد و الحسرة بأن هذه الدولة التى تعانى من عدم إستقرار شبه يومى فى إستقرار عملتها وشح فى العملات الاجنبية تسمح لبعض المؤسسات و الجامعات و المنظمات الانسانية أو التى تدعى بأنها إنسانية تهدم فى الاقتصاد السودانى يوميا على مرآى ومسمع وبمباركة طيبة من الطاقم الاقتصادى وبنك السودان ووزارة المالية والداخلية والجيش والقوات المشتركة ومعم البراؤن والمستنفرون على مرمى من حجر !!!….ينتهك عرض الجنيه السودانى ويغتصب نهارا جهارا وبين جمهوره ….نساءا ….ورجالا ولا تتحرك فيهم النخوة ….!!!؟؟؟ (أبكى يا بلدى الحبيب …..على هذا الهوان ….. هذا الذل ….هذا الاذعان … هذه الاستكانة ….. الضياع ….والإبتذال )
عندى سؤال واحد بس للطاقم الاقتصادى ؟!!!
عندما يدفع المرتب للموظف أو العامل داخل السودان – مرتب بالدولار .. الى أين يتوجه هذا الموظف أو العامل .بتلك الدولارت علما بأن عملة التبادل الرسمية فى الاسواق هى الجنيه السودانى ؟؟؟!!! سؤال يا علماء السودان الاقتصاديين ….!!!!
فى تقديرى المتواضع إستقرار العملة السودانية هو رأس الرمح و القاعدة الاساسية لبناء الاقتصاد السودانى لا يمكن بأى حال من الاحوال إزدهار و تطور الاقتصاد السودانى فى ظل هذه السياسات القائمة الفاشلة – يستحيل بدون إستقرار لسعر صرف الجنيه السودان نجاح أو إستقطاب أى إستثمار آجنبى أو محلى … أو تجارة … أو زراعة …. فى جميع المجالات مصيرها الفشل الذريع وضياع العملات ورؤوس الاموال و التضخم الجامح المستمر … وسوف يكون إستثمار لنشاط السوق الموازى للطفيلية و مضاربة العملات … ويستمر طابور الفساد و المفسدين … !!!
الذى يستطيع أن يوقف هذه السياسات العرجاء فاليفعل اليوم غير باكر ….!!!!



