
ب/ نبيل حامد حسن بشير
المشرف السابق علي برامج قسم الحشرات الطبية ومكافحة الناقل
معهد النيل الأزرق القومي للأمراض السارية
جامعة الجزيرة
كثر الحديث مؤخرا في كل أرجاء الوطن المكلوم ،مدنه وقراه وفرقانه، وبين المواطنين والمسؤولين في الوزارة الاتحادية والولائية عن حمي الضنك المسببة لها حشرة من عائلة البعوض (الناموس) التابعة لرتبة ثنائية الاجنحة من رتب الحشرات. هنالك جنسان أخران يتبعان لنفس العائلة وهما الكيوليكس ناقلة للعديد من الفيروسات ، والانوفيليس الشهيرة بنقل الملاريا. ناقلة فيروسات حمي الضنك والكنكشة (شيكونجونيا) وزيكا والأشهر الحمي الصفراء هي بعوضة من جنس ايديس Aedes التي تضم عدد كبير من الانواع (12) اشهرها ايجيبتاي ، تفضل التغذية علي دم الانسان، والبوبيكتاس وهي تقضل التغذية علي دم الثديات عموما. لون الحشرة اسود مبقع بالابيض. كما توجد بعض الأنواع الأخري بسنار وولايات أخري قمنا بحصر الأنواع فيها (15 ولاية) طوال القنرة من 2008 حتي 2024م. لم نغطي ولايات الخرطوم و نهر النيل والشمالية بعد، لكن ظهور الحالات بقوة في الخرطوم يؤكد تواجدها بكثافة وسنوضح الاسباب التي أدت لذلك.
حمي الضنك والحمي النزفية ظهرتا بارقام كبيرة كبيرة في مناطق ساحل البحر الأحمر وكسلا في العام 2012م، وفي ذات العام ظهرت الحمي الصفراء في عدة مناطق بدارفور ومسببتها هي ذات البعوضة. أما النزفية فانتشرت في نفس الفترة بمدينتي موستي وربك. حينها تم اكتشاف تواجد البعوضة أيضا في القضارف المجاورة لكسلا، وتستطيع البعوضة التحرك ما بين 100 الي 200م يوميا. وقديما في اربعينيات القرن الماضي كانت الحمي الصفراء منتشرة في جنوب السودان حتي عطبرة، واصيبت بها جدتي لوالدتي في عطبرة وتوفيت بسببها. الكل يذكر أن الكرت الصحي للمسافرين كان يعرف باسم كرت الحمي الصفراء. اختفت الحمي الصفراء والامراض المنقولة بهذه الافة لفترة طويلة من الزمان، لكني كنت دائم الشك بان بعض الأمراض الفيروسية التي تظهر فجأة سنويا و تفشل وزارة الصحة في تشخيصها المسؤول عنها الايديس والكيوليكس، وطالبت في عدة مقالات بالصحف بان تؤخذ عينات من الدم وترسل الي معهد باستير بفرنسا للتعرف عليها، لكن كما يقولون (كلام الطويل ما بتسمع)!!!
النوعين ايجيبتاي والبوبكتاس ثبت وجودهما معا بكل الولايات التي درست، ومنوقع ان تكونا هما المتواجدتين بالخرطوم نظرا لتحمل بيض الأخيرة للجفاف ، حتي وان امتد لمدة عام كامل، ويفقس البيض عند حدوث اقل نسبة رطوبة (ماء) ويكمل دورة حياته.
منظمة الصحة العالمية أشارت الي أن 40% من سكان العالم، خاصة افريقيا، مهددون بالاصابة بحمي الضنك. البعوضة الحاملة للفيروس تبقي حاملة له طوال فترة حياتها. هل هذا المرض جديد علي العالم؟ الاجابة لا، فهو من الأمراض القديمة الظهور، لكنه انتشر في المناطق المدارية عبر الشحنات بالسفن والتجارة عبر السفن الشراعية حيث أنها تخزن الماء وهو البيئة المطلوبة لتكاثر البعوض. أول حالات سجلت كانت في 1779/80 في أسيا وافريقيا واميريكا الشمالية ، أي قبل أكثر من 245 عام!!!
المرض يسببه اربعة أنواع من الفيروسات (سيروتايب) وهي تسمي باختصار دين-1، 2،3 و4. فهي تسبب نوع حاد من النزلات والالام والحمب، لكنه غير مميت، وفي الحالات الوبائية الحادة قد يسبب 20% موت.
كل أنواع البعوض تتواجد في الأماكن التي بها ماء، خاصة الراكد منه، ونباتات توفر لها الرحيق للجنسين كمصدر للكاربوهايدرات، والحيوان والانسان الذي تأخذ منه الانثي وجبة الدم لانضاج البيض كمصدر للبروتينات، مع توفر مكان للراحة بعد التغذية. بالنسبة للانوفيليس والكيوليكس فما تفضلان الراحة بالداخل، وفي جدران الغرف تكون بالجزء العلوي من الجدار، والايديس تقضل الجزء الاسفل من الجدار. من أهم النقاط أن الايديس نهارية والاخريتان ليليتان.
من أهم اسباب انتشار الايديس بصفة خاصة ظاهرة تحزين الماء وترك الاوعية مكشوفة. تستغل الانثي هذه الحالة وتقوم بوضع بيضها وتكمل دورة حياتها. كذلك من الاسباب الرئيسية وجود اوعية أخري بها ماء اثناء الخريف، أو رش المنزل بالماء بسبب الحرارة العالية. هذه الاوعية قد تكون أشياء مهملة بالحوش أو الاسطح فوق البرندات أو الرواكيب مثل الجرادل والعلب الفارغة، الاطارات القديمة، الزهريات.، مكيفات الهواء المائية،..الخ. كل هذه الاشياء تعتبر بيئات مناسبة للتوالد. عليه التخلص منها يعتبر الخطوة الأولي لمكافحة الايديس، وتفريغ الأزيار كل 3 يوم ودعكها بليفة السلك للتخلص من البيض الملتصق علي جدرانها. كما يرش المنزل بالمبيدات الموصي بها للصحة العامة (محموعة الباليريثرويدات أو البنديوكارب)، خاصة البالوعات والحمامات والمطابخ والعرفو جدرانها وخلف الستائر والدواليب والاسرة والكراسي..الخ. الايديس تفضل الجزء السفلي من الجدران. كما ذكرنا اعلاه. الرش الداخلي يحمي المنزل علي الاقل 3 أشهر. أما ان تم الرش خارج الغرف وداخل الحوش فسيقوم بقتل الموجود من الاطوار الطائرة لكن فترة الحماية لن تكون أكثر من 3-5 أيام بنفس المبيدات. أما خارج المنزل فلابد أن نقوم بعمل جماعي بالرش الضبابي والرذاذي، ورش تجمعات الماء أو تجفيفها أز تصريفها علي أن يكون ذلك علي الاقل 4 مرات شهريا في الشهر الأول، ثم مرتين شهريا في الشهرين الثاني والثالث، وفي الشهر الرابع بعد الخريف رش ضبابي لكل الأحياء. بذا نكون قد كسرنا سلسلة التوالد بحيث تصبح العشائر في الحد الادني ويمكن التعامل معها بطرق أخري كميكانيكية وفيزيائية وأحيائية، و ان لم نصل الي الحدود المطلوبة نلجأ مرة أخري للمكافحة الكيميائية. في المنازل ننصح بالمصائد الضوئية. كما ننصخ بتوفير الناموسيات المشبعة لكل افراد ارسة، خاصة الاطفال وكبار السن و والحوامل . من المهم النوم نهارا تحت الناموسيات حيث ذكرنا انها حشرة نهارية.
من الممارسات التي نود غرسها في سلوكياتنا أثناء فصل الخريف في كل الولايات تجميع اوراق النيم وتجفيفها في الظل، وكذلك أوراق العشر، ثم فركها باليد وتوزيعها في برك الماء المتجمع نتيجة الامطار أو كسورات المياه والبلاعات، حيث ثبت انها تقتل اليرقات أو تمنعها من الوصول للطور البالغ/ الطائر.
نرجو أن نكون قد رفعنا من وعي المواطن والمسؤولين عن المكافحة حيث أنني تفرغت لهذا الامر بحثا وتدريسا منذ 2008م بمعهد النيل الأزرق القومي للامراض السارية، جامعة الجزيرة، ونساله اللطف بنا جميعا (أمين).




التحية لتبيل حامد على المعلومات القيمة وتنوير الشعب السوداني في زمن الاوبئة الحشرية التي تحاصرنا من كل جانب وتفتك بافراد اسرنا. لكن تبقى ما يقدمه من نصائح مثلما كانت حبيسة الأرفف الأكاديمية حبيسة المواقع الالكترونية مثل الراكوبة. حتى تعم الفائدة يجب أن تطبع إرشادات نبيل في مطبقات وتوزع مجانا في المحليات، لتكون في متناول من يستطيع القراءة ويعمل بها وبذلك نستطيع أن نكسر دورات حياة هذه الأنواع المختلفة من الحشرات الناقلة للأمراض فنوقف المعاناة التي يتعرض لها الجميع .
تسلم وكل الشكر بروف على المقال القيم