مقالات وآراء

النزاع السوداني المصري حول مثلث حلايب!

عدنان زاهر 

1
تحاول السلطات المصرية تاريخيا و بكل الطرق و حتى بغير الشرعية منها السعي للسيطرة على مثلث حلايب ، وقد قامت فعليا باحتلاله في العام 1995  و حتى اليوم،  ابان حكم جماعة الاخوان المسلمين ( الإنقاذ ) السودان، وذلك عقب محاولة اغتيال حسنى مبارك في ( أديس أبابا ) بعد أن تأكدت مصر ان سلطة ( الإنقاذ ) لن تفعل شيئا لمقاومة ذلك الاحتلال، بسبب تورطها في أحداث محاولة الاغتيال الفاشلة.
 و كان قد سبقت هذا الاحتلال الأخير، محاولة من قبل مصر للدخول الى مثلث حلايب في العام 1958 ابان حكومة عبدالله خليل المكونة من الإتلاف بين حزب الأمة  و حزب الشعب   ا  وواجه دخول مصر مثلث حلايب رفضا عارما و حشدا شعبيا من جانب كل السودانيين و موقفا صلدا من جانب الحكومة بالإضافة الى احتجاج دولي و دبلوماسي، أدى الى تراجع مصر و سحب جنودها، تم ذلك ابان حكم عبد الناصر لمصر.
 و نظراً لأن تناول قضية حلايب يشمل جوانب أخرى مرتبطة بها غير الشق القانوني الأساسي ، لا بد بالضرورة التعرض في عجالة لبعض تلك الجوانب السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية للمنطقة بأشملها.
2
يقع ” المثلث ” المكون من حلايب ، أبو رماد و شلاتين في شرق السودان على ساحل البحر الأحمر في مساحة تبلغ 580 ,20 كيلو متر، و هو ذو أهمية ( جيوسياسية )  كبيرة كما ان المثلث ذاخر بالمعادن المتنوعة. مساحته تفوق مساحة سلوفانيا و قبرص في أوربا ، كما تفوق أيضا دولة الكويت و لبنان .
 تسكن المثلث قبيلة البجا السودانية المكونة من عدة قبائل هم الهدندوة، البنى عامر، البشاريون ، الأمرار ، الحباب و الكملاب، و لارتباط تلك القبائل تاريخيا و ثقافيا و اقتصاديا بالسودان، قرر الحكم الثنائي إلحاقها إداريا بالسودان في العام 1902  تم ذلك دون تحديد فترة لذلك الأجراء ، و برضاء شريكه في الحكم ذلك الوقت الحكومة المصرية.
يمارس أهل المنطقة حرفة رعى الابل و الأغنام و الضأن و التنقل في كل المنطقة الصحراوية واليهم ينتمى القائد المحنك الداهية عثمان دقنه أحد أمراء الدولة المهدية. بُعد المنطقة ، وعورة ارضها الصحراوية و مسالكها، جعل هذه القبائل شبه مستقلة تدير شئون حياتها بعيدا عن السلطة المركزية.
3
النزاع القانوني حول مثلث حلايب
– في فترة الاستعمار الإنجليزي المصري صدر الاتفاق العام 1899 أي بعد هزيمة المهدية في كررى من جانب هذه الدول المستعمرة أن تكون الحدود بين مصر و السودان هي خط عرض 22 شمالا ، و بموجب هذا الاتفاق صار مثلث حلايب السوداني ضمن الحدود المصرية.
– في العام 1902 أجريت الإدارة البريطانية ترتيبات إدارية جديدة ألحقت مرة أخرى مثلث حلايب إداريا بالسودان بعد أن اتضح لها من خلال التجربة ان اهل المنطقة من قبائل البجا مرتبطين اجتماعيا و اقتصاديا بالسودان.
– عندما نال السودان استقلاله كانت حلايب ضمن الحدود السودانية و قد حاولت مصر التعدي على حلايب كما ذكرت أعلاه في العام 1958  بدعوى أن حلايب مصرية و انها الحقت إداريا بالسودان ، و قد وقفت حكومة الديمقراطية في ذلك الوقت، موقفا حاسما ضد ذلك التدخل مع الدعم الدولي و الدبلوماسي مما أدى الى تراجع مصر و انسحابها.
– نص ميثاق منظمة الوحدة الافريقية لعام 1963 في مادته الثالثة الفقرة 3  على الآتي: ( احترام السيادة و السلامة الإقليمية لكل دولة و حقها الثابت في الوجود المستقل ).
– في اجتماع قمة القاهرة يوليو 1964 لرؤساء دول و حكومات منظمة الوحدة الافريقية اعتمدت قرارا عرف باسم
قرار بشأن الحدود الموروثة عند الاستقلال و نصه كما يلى :
( اذ يدرك الصعوبات الناجمة عن الحدود الموروثة من الاستعمار، وإذ يدرك ان المسائل المتعلقة بالحدود تشكل سببا خطير للنزاعات بين الدول الأفريقية، و اذ يُذكر بأن جميع الدول الأعضاء تعهدت بموجب المادة الثالثة من ميثاق منظمة الوحدة الافريقية على احترام سيادة أراضي كل دولة
يقر و يعلن صراحة ان جميع الدول الأعضاء تلتزم باحترام الحدود القائمة وقت نيل الاستقلال )
 هذا الموقف الأفريقي يتسق تماما مع مبدأ و قاعدة القانون  الدولي ” أوتى بوسيديتيس ” ذات الأصل
Uti Possidetis juris
اللاتيني ( من يملك، يملك ) ” مبدأ عدم قابلية المساس بالحدود “
كما وافقت الدولة المستضيفة للمؤتمر و هي ( مصر ) على هذا الاتفاق !
–  أصدرت محكمة العدل الدولية عدة سوابق مستندة على هذا المبدأ في نزاعات حدودية بين دول أفريقية نورد منها على سبيل المثال :
نيجيريا و الكاميرون
اقامت دولة الكاميرون دعوى امام محكمة العدل الدولية تطلب الحكم لها باسترداد جزيرة ( باكاسى ) الغنية بالنفط و الغاز عام 1994  التي تسيطر عليها نيجيريا ” دي فاكتو ” . المحكمة استندت الى اتفاقيات استعمارية و حكمة لصالح الكاميرون عام 2002 اعترضت نيجيريا في البداية لكنها سلمت الجزيرة في العام
2008 .
ارتيريا و اثيوبيا
 بعد استقلال ارتريا عام 1993 نشب نزاع حول بلدة ” بادمي ” في الحدود ،و نشبت بسببها حرب في الأعوام 1998 و 2000 راح ضحيتها 70 الف شخص . تحت رعاية الامم المتحدة تم اللجوء الى ” لجنة ترسيم الحدود ” اللجنة حكمت لصالح ارتيريا لكن أثيوبيا رفضت في البداية تنفيذ الحكم، لكنها وافقت أخيرا في العام 2018 .
تشاد و ليبيا
سيطرت ليبيا على شريط ( أوزو ) الحدودي منذ السبعينات  عندما رفعت تشاد قضية امام محكمة العدل الدولية  صدر الحكم لصالحها و سلم الشريط لها.
– مصر ترفض اللجوء الى التحكيم خوف الحكم ضدها، لكن مع ذلك يمكن اجبارها على قبول التحكيم بواسطة مجلس الأمن وفقا للبند السابع، كما تم في السابق مع نيجريا، ليبيا و أثيوبيا عندما رفضوا مبدأ التحكيم، او بقرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
 ظل السودان يحرص على تقديم شكاوى الى مجلس الامن بخصوص احتلال مثلث حلايب و هنا نورد بعض من تواريخ تلك الشكاوى :
 شكوى في فبراير 1958 ، شكوى السودان لمجلس الامن بتاريخ 21 يونيو 1993 و في الأعوام 1994 ، 2015 و 2017…….الخ مما يعنى ان النزاع لا زال مفتوحا. مضمون تلك الرسائل ان السودان ( يرفض تمصير مصر لمنطقة حلايب و انشاء مرافق خدميه بها و محاولات دمج السكان ).
4
النزاع السياسي حول المثلث
مصر تعرف تماما أن موقفها القانوني ضعيف في أي تحكيم يتم حول حلايب، استنادا على ميثاق الأمم المتحدة في ( عدم استخدام القوة في حل النزاعات ) و هي قد قامت باحتلال مثلث حلايب بالقوة منذ عام 1995 ، ميثاق منظمة الوحدة الافريقية و مبدأ ( اوتى بسيديتيس ) و ميثاق القاهرة الذى نادى صراحة باعتماد الحدود المتوارثة من المستعمر لمنع النزاعات و الاحتكاكات،  بالإضافة الى سوابق محكمة العدل الدولية حول النزاعات التي تمت في افريقيا . مصر تراهن على الزمن و الحكومات الديكتاتورية الضعيفة في السودان لاستغلالها و ابتزازها كما فعلت من قبل مع حكومة عبود و ( اتفاقية السد عالي ) والتي استولت فيها على معظم حصة السودان من مياه النيل و لا زالت، و كما مارست نفس الاسلوب مع حكومة الإنقاذ عند محاولتها اغتيال حسنى مبارك و الاستيلاء على مثلث حلايب، و كما تفعل الآن في استغلال حكومة ” بورتسودان ” الضعيفة و المجمدة عضويتها في الاتحاد الأفريقي اضافة الى ظروف الحرب، للاستيلاء على مثلث حلايب نهائيا بالتنازل، حتى يمكنها استغلال موارده التي لا يمكن استغلالها  طالما المثلث متنازع عليه، الدول و الشركات لا تخاطر بعمل مشروع في مثل تلك المناطق.
مصر تعمل بجد على تغيير الواقع في مثلث حلايب بعد الاستيلاء عليه بفرض الأمر الواقع ( دي فاكتو) و تراهن في ذلك على الوقت. كما ذكرت سابقا يمكن اجبار مصر على قبول مبدأ التحكيم بواسطة مجلس الأمن و لكن ذلك يتطلب حكومة قوية و ديمقراطية يساهم الشعب معها في اتخاذا قرارتها…… هذا الوضع غير موجود الآن مع حكومة بورتسودان المتهالكة و مع علاقتنا الدولية المتدهورة طيلة السنوات الماضية و استمرار التدهور مع الحرب و مواقف حكومة البرهان.
 على العموم الشعب السوداني هو الذى سوف يحسم الامر بنضاله و مواقفه الصلدة،  و عندما يتم ذلك و يعرف المجتمع الدولي أن هنالك حكومة محترمة في السودان تدافع عن حقوق مواطنيها، عند ذلك فقط سوف تقف حكومات العالم و شعوبها معنا في المطالبة بقضايانا العادلة.
مراجع
1- ميثاق منظمة الوحدة الافريقية – 1963
2- اتفاق القاهرة – 1964
3- سير هارولد ما كمايكل – السودان – ترجمة محمود صالح عثمان
4- ذكاء اصطناعي
5- خطابات لرئيس الوزراء عبدالله خليل نشرت في النت
نقلاً عن صحيفة الميدان
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..