
الحرب الدائرة في السودان لم تعد معركة بين طرفين يتنازعان السلطة، بل صارت طاحونة دماء وخراب ابتلعت كل ما تبقى من موارد وأرواح وآمال. ومع مرور الوقت، أدرك الكيزان وربيبتهم مليشيا الدعم السريع أن هذه الحرب ليست لهم فيها كفة رابحة؛ فقد أفلست جيوبهم التي امتلأت يومًا بثروات الشعب المنهوبة، وتهاوت أوهام النصر تحت ثقل الخراب الشامل.
ومع هذا الإدراك المرّ، لم يجد هؤلاء الأوغاد سوى خيار واحد: مصالحةٌ على مقاس مصالحهم، وليست مصالحة وطنية أو أخلاقية وهم يعلمون يقينًا أن الشعب الذي قتلوه وجوّعوه وشردوه وأمرضوه لن يرحمهم ولن يغفر لهم، وأن ساعة الحساب قادمة لا محالة.
لذلك سيهرعون إلى (الرباعية) الدولية بعرضٍ فجّ: إيقاف الحرب بشرط أن يبقوا معًا في الحكم، استمرارًا لانقلاب البرهان وحميدتي في أكتوبر 2021، وبضمانًة تسليم مصالح السودان إلى تلك الدول باعتبارها “حامية” لنظامهم إلى الأبد. المأساة أن الرباعية قد تجد في هذا العرض ما يغريها: وقف الحرب مقابل تثبيت سلطةٍ عميلة تمنحها الامتيازات بلا حساب. وسوف لن تتردد في القبول، مدفوعةً بمصالحها الاستراتيجية، ما دامت ترى قوى الثورة متشرذمةً، ضعيفةً، عاجزةً عن توحيد صفوفها أو تقديم بديل وطني متماسك.
وهنا تكمن الخيانة الكبرى: أن تسجَّل هذه القوى في صفحات التاريخ بأنها خانت الشعب والثورة، بصمتها وتشتتها، أكثر من خيانة أعداء الثورة أنفسهم. إن أي مصالحة لا تقوم على العدالة الشاملة ليست سوى تبييض للجرائم وتثبيت للاستبداد.
العدالة تعني محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء، واسترداد ما نهب من أموال، وفتح الطريق لانتقال سياسي حقيقي يشارك فيه الشعب. بغير ذلك، فإن أي “صفقة” ستكون خيانة صريحة لمستقبل السودان، وموتًا مؤجلاً لأحلام أبنائه. الخيار اليوم أمام قوى الثورة واضح: إما أن توحّد صفوفها وتقدّم مشروعًا وطنيًا صلبًا يحمي دماء الناس ويوقف الحرب بكرامة، وإما أن تترك الساحة للكيزان والدعم السريع ليصوغوا مصالحتهم المزيّفة، فيكتب التاريخ أن الثورة ماتت على أيدي أصحابها.



