و هل يضير الغرق بعد الحرق أو الضنك بعد الضيم !!!؟

سيد محمود الحاج
ترتفع الآن أصوات طال صمتها أمام القتل و الحرق و النهب و السلب و الفساد الذي أفقد مقياس ريختر رشده ، و كل الويلات التي ألمّت بشعب الوطن على امتداد مدنه و أريافه ، ترتفع هذه الأصوات النكرة و بعد أن بلغ السيل الزبى منادية القاطنين على ضفاف النيل بأخذ الحيطة و الحذر من فيضان متوقع بعد بلوغ مناسيب مياه النيل حدّاً ينذر بالخطر .. تنادي بذلك وزارة الري التي لم ترو ظمأ ظامىء ولا تملك ما تغيث به أحدا ، و مثلها ولاة لم يولّهم أحد و مسؤولون غير مسؤولين ، فما في جيوبهم ، و بعد أخذ العمولة ، يصرف على شراء الذخيرة و السلاح لا على الغذاء و الدواء ناهيك عن صد فيضان لن يفعل أكثر مما فعلته الحرب !! فمن منّا سمع خلال الثلاثة أعوام الماضية هذه الأصوات و هي تحذر من داناتهم و مسيّراتهم و روبوتاتهم التي تذبح الإنسان دون أن يرمش لها طرف و لا من متفلتيهم الذين تفلّتوا بأمرهم و سلحوهم بالدراجات النارية و المسدسات بعد أن دربوهم جيّدا على كيفية الإرهاب و طرائقه ، فكانوا كتائب ظل و كانوا برائيين و جهاديين و مستنفرين و كرتيين و غيرهم من بواعث شرّ إبتلتنا بهم الأقدار !!
فما الذي تخشاه الخرطوم و غيرها من المدن و القرى ، و ماذا سيفعل بها الفيضان أكثر مما فعلته الحرب و قد أصبحت في معظمها أطلالاً و خرائبا ًخالية من كل شيء عدا فوارغ الدانات و طلقات الرصاص و أشلاء المسيّرات و ربما قبور مجهولة لا يعرف أحد من أمر ساكنيها شيئاً و هياكل عظمية ملقاة في أبيار الصرف الصحي لا يُعلم بأي ذنب قُتلت و من هو القاتل في ظل إباحة القتل و شرعنته من قبل المتناحرين على السلطة !!
لك الله يا إنسان السودان يا من أُخرج من دياره قسراً و أنتهكت حقوقه على يد عُصبة يعدّ عدد أفرادها على أصابع اليدين .. ملايين ينزحون تاركين الوطن ضيعةً لشرذمة لم تتفرعن فتستذئب إلّا بسبب تخاذلنا و خوفنا و ضعف الوطنية في أنفسنا و تلك العاطفة العمياء التي جعلتنا بل و مازالت تجعلنا ضحايا لخداع المخادعين و كل من يخاطبنا متسربلاً بثوب الدين معلناً نفسه مخلّصاً أتى ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً و يخرجنا من الظلمات إلى النور لنجد أنفسنا قد أخرجنا من النور إلى ظلمات الظلم و الجهل و العوز لنظل خاضعين ندفع لهم الجزية من دمائنا و أموالنا و نصرف عليهم كل فلس ليحكمونا و ينعمون بعيش رغد فيمتلكون القصور و المزارع و المصانع و الشركات بينما لا يملك المواطن شروى نقير و هو من يدفع فاتورة العلاج و التعليم و صحة البيئة و يدفع رسوماً حتى على إستخراج تصريح الدفن لموتاه و جبايات أخرى لا حصر لها لا تذهب لخزينة الدولة بل لجيوب هؤلاء الأسياد الذين أصبحت خزائنهم تسخر من خزائن قارون و بناياتهم تفوق الجبال طولا ، فسبحان الذي أخرجهم من الأكواخ و حظائر الأبقار !! فهل مثل هؤلاء و بعد كل هذا يمكنهم ان يقبلوا بالرجوع إلى تلك الأكواخ و ضنك العيش و الجيش و مخازن السلاح في أيديهم و تحت سيطرتهم منذ ثلاثة عقود و الغباء المزمن قد فعل بنا ما فعل و أعمى بصائر معظمنا عن ما تحيكه تلك الأيدي الخبيثة التي لم تمهل الثورة حتى الوصول إلى منتصف الطريق !!
لم تدع نار الحرب ما لم تطله .. الأنفس و الديار و الأموال و ما نملكه من حطام الدنيا ، فجعلت أعزة أهل الدار أذلة و الأنذال و الرويبضة هم المتحكّم في الأمور ، فمن خوفنا إكتسبوا الشجاعة و من ضعفنا إمتلكوا القوّة ، فكيف لمثلهم أن يسعى لإطفاء نار الحرب ، تلك النار التي وقودها الشعب و التي تحيل كل شيء ذهبا تملأ سبائكه خزائنهم فهل يُرجى من مثلهم إذن أن يدعو للسلام او يخرس صوت المدفع وفي الحرب حياة لهم يا أولي الألباب !!
لم تعد مخاوف الحرب تشغل بال المواطن المنكوب فقد عرف كيفية إتقائها و التعائش معها بالنزوح بعيدا عن ساحاتها إلّا أنه الآن يواجه حروباً أخرى ، فالأوبئة من مثل الكوليرا و حمى الضنك و الملاريا و الجوع و العدم هي حروب أخرى لا سبيل إلى الفرار منها إذ ليس لأسلحتها صوت و لا دخان وكل شبر في أرض الوطن بات ميداناً لها يموت بسببها الصغار و الكبار في عدم وجود مرافق صحية او حتى جرعة دواء لا تزيد عن حبة البندول التي باتت ترفاً و رفاهية ناهيك عن سوء التغذية !!
نحن لا نأمل في عون يأتي من قِبَل ( فتوات بولاق ) لعلمنا بأن ملء ترساناتهم بالسلاح و الذخيرة هو الهمّ الذي لا همّ لديهم سواه ، لكن عليهم فقط ان يسمحوا للمنظمات الدولية بإيصال الغذاء و الدواء لشعب يتساقط أفراده بالمئات في كل يوم بسبب الجوع و الأمراض و الأوبئة الفتّاكة كما عليهم مواصلة الصمت عن الحق فذاك أمر إعتادوه فالتهديد بفيضان لم تشهد البلاد مثله كما يدّعون يظل لا أكثر من محاولة لإلهاء المواطن المنكوب عمّا يعيشه من واقع مرير و ترك المشكلة الأساسية و الإنصراف إلى أمور واهية فحتى لو كان هذا الفيضان حقيقة كما يزعمون فهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها !!؟
نأمل أن يأتي ذلك الفيضان أضعاف أضعاف أكاذيبهم فيملأ أرض الوطن خيراً و عدلاً و أن لا يبقي من القتلة و الظالمين ديّارا !!



