مقالات وآراء

” الرصاصة الأولى ” كانت تبحث عني..

قصة قصيرة .. بقلم عمر دفع الله

كان ذلك قبل ان تقتلني ” الرصاصة الأولى” بفترة قصيرة. إذ كنت كثيرا ما اراقب مجلسهم. عن كثب في كل مرة أخرج من دارى لقضاء حاجة ما. كان مجلسهم أمام باب الدار على بُعد خطوات قليلة. وكانوا يجلسون حول “ست الشاي”. في دائرة غير منتظمة يلبسون جلاليبا بيضاء وخضراء وزرقاء. و بعضهم يرتدي اقمصة ذات اكمام قصيرة وتحتها ، في الغالب ، بناطلين من النوع الرخيص الثمن. بعضها به فتوق تم حياكتها بحذاقة. كانت الشمس تتسلق إلى كبد السماء باقدام حافية وكانت عيونهم يابسة كحبات الحصى وتبدو على وجوههم آثار شظف العيش وعنت الحياة. فقراء خرجوا من اصلاب فقراء. في دورة حياة ثابتة. مثل دوران الارض حول الشمس. بينهم أصدقاء ومعارف. بعضهم عاش معي في هذا الحي منذ أيام الطفولة الباكرة والبعض الآخر جاؤوا من الارياف البعيدة والقريبة بحثا عن كسب العيش وطلبا للرزق في متاهة هذا البلد الذى يأكل فيه القوى الضعيف. ففي مثل هذه الظروف التى تطحن البشر. كما تطحن الرحى حبات الذرة. يتحول الناس الى كائنات أقل انسانية. الى الحد الذى يتراءى اليكم في الصورة الكاملة. ان ما يفصل بين البشر وبين الحيوانات التى تعيش بينهم سوى خيط رفيع من الدين. الحياة هنا رتيبة كئيبة. الليل مثل النهار مثل الفجر. الاسابيع والشهور والسنوات تمضى كما الساعات والدقائق والثوانى. لا قيمة للوقت. فالزمن هنا ثابت وساكن كبيت مهجور في طرف الصحراء. وكأن آدم وحواء يقضيان ليلتهما الأولى بين الوحوش الكواسر في كوكب الأرض حين حط رحالهم اول مرة .
كانت “ست الشاي” في مقتبل العمر. متوسطة الجمال. عيناها متعبتان من طول ساعات العمل وطول السهر وملاواة الليالي المثقلة بالخوف من المجهول . تضع في يدها حناء. وتلبس في معصمها الايسر أسورة منظومة من الخرز الملون. إمرأة خفيفة الظل. قانعة بنصيبها من الحياة. شأنها شأن آلاف النساء ممن رمت بهم غوائل الدهر على أطراف الشوارع وتحت ظلال الاشجار والبنايات التى تحت التشييد. كانت لا تلقي للقوم من حولها بالاً ولا تعيرهم اهتماماً. فقد تعودت أذناها على سماع لغتهم النابية وكانت لا تغضب منهم ولا تشعر بالضجر من أصواتهم وهي تحوّم حولها كالذباب. والغريب في أمرها أنها كانت تعطف عليهم وترثي لحالهم. فهي تعرف أسرارهم أكثر مما يعرف أهلهم وزوجاتهم. وأحياناً يتحدثون في إمور لا تليق بأدب الرجال في حضرة النساء ولا يضعون وزناً لوجودها كإمرأة بينهم. كأنها لا تسمع ولا تفهم. مثلها مثل أوانى الشاي وموقد النار والمقاعد التى يجلسون عليها. ثم يقهقهون ويثرثرون وفي الختام يستغفرون الله كنوع من الاعتذار اليها. لكنها لا تحفل بإعتذارهم. ولم تكن تنظر اليهم بعين السخط. فالحال من بعضه. فهم بالكاد يملكون قوت يومهم. فالحياة هنا رحلة عذاب شاقة. من المهد الى اللحد. وتأخذهم في كل سانحة بكارثة جديدة. ينامون ويصحون ويعملون ويأكلون من الطعام ما تيسر ويسعون الى المساجد في اوقات الصلاة ويقنعون بما يقوله خطيب المسجد: إن الله قد وزّع الارزاق بمشيئته ولا مرد لأمر الله. فما عساهم ان يفعلوا؟ فالخير فيما اختار الله.
ويرتفع صوت المغني:
يا ليت ليل الظلم يُرفع بالدعاء
وليت لي قلب السنونو.
خرجت من داري و وقفت أمام باب الحوش. كان يعتريني شعور محايد. لست حزينا ولا سعيدا. مثل طعم حامض. يتجول بين أركان الفم . يظهر ويختفي كوميض الفراشة. نظرت الى يساري فرأيت رجلاً يضع شوالات من الفحم على عربة يجرها حمار هزيل ونظرت الى يميني فإذا بالقوم يتحلقون حول “ست الشاي” تحت ظلال شجرة النيم، على مرمى حجر من بيتي، وهي شجرة ضخمة. جزعها طويل. مطلي باللون الابيض وقد رسم عليه قلبا كبيرا باللون الاحمر. يخترقه سهم اسود. كان مجلس القوم، في اللحظة التى إنطلقت فيها الرصاصة الاولى، يضج بنقاش محموم وكانت الضوضاء تعلو وتنخفض كموج البحر في مده وجزره. فإختلط صوت الرصاصة بأصواتهم. وخرج من خليط الاصوات صوت واحد. انه صوت الموت. ثم اقتربت الرصاصة نحونا وفجأة صرخ أحدهم :
“يا جماعة البلد ولعت. اللهم لطفك يااااارب”.
تسمر القوم في مقاعدهم واستدارت وجوههم بشكل آلي شطر الافق الشرقي. من ذات الاتجاه الذى انطلقت منه الرصاصة الاولى. لم تكن لحظة خاطفة. بل كأن دهرا كاملا مرّ من امامنا إلا انني لمحت، بعد هنيهة، وجوه القوم تسكن لبرهة. وبعدها تنفست صدورهم الصعداء . كنت اتوقع ان يأخدوا اللحظة مأخذا جدياً . بحجم خطورتها وما سيعقبها من أحداث جسيمة. لكن القوم عادوا الى ما كانوا فيه. يثرثرون ويقهقهون ولا يبالون بشئ مما يحدث خارج مجلسهم. كأن المجلس قد تحول في مدة اقصر من الثانية الى جزيرة صغيرة معزولة. وسط عالم يلعلع بزخات الرصاص. وعندما إقتربت “الرصاصة الاولى” أكثر فأكثر نحوهم هنا شعروا بالقلق. وسريعا انقلب القلق الى ذعر. بعضهم هّب واقفاً والبعض الآخر عجز عن الوقوف. فتكوم في مقعده.
كنت اقف في نفس مكاني. وكانت تفصل بيننا أشياء عديدة يصعب شرحها. وهجس هاجس في قلبي ان اصارحهم بالحقيقة. ولا اخفي عليكم انني ترددت للوهلة الأولى. حتى لا يصفنى القوم بالخبل. ثم قررت اخيرا المواجهة. فجمعت صوتي كله في جملة واحدة. فخرج الصوت كالنصل من فمى. :
لا تقلقوا يا قوم
لا تقلقوا يا قوم
هذه الرصاصة تبحث عني وانا المقصود. لا انتم. ان ما بيني وبين هذه الرصاصة ثأر قديم. منذ سقوط اول شهيد على تراب هذا البلد. هل تذكرونه؟ ” كان مع الأحباب نجمو شارق.” وكان ياما كان.
. حاولت ان اعيد على مسامعهم ما قلته. لعلهم يفهمون قصدى. لكن للأسف. فهم لا يسمعون ولا يفهمون. ترى هل صاروا. من هول المفاجأة. كاواني الشاي وموقد النار والمقاعد التى يجلسون عليها؟. لا ادرى.
لاذ القوم بالصمت. وفَغَرَتِ افواههم وإرتفعت الحواجب الى منتصف الجباه
وهم يشاهدون ” الرصاصة الأولى” تضرب جسدى. وتنفذ من الجهة اليمنى لتستقر في كبدى. سقطت على الارض دفعة واحدة. يا ويح جسدى. هذه القامة التى ظلت لأكثر من ستين عاما. منتصبة كجبال كررى. لم تعد كذلك. وأنا على حافة الموت. رمقت القوم بنظرة أخيرة. ليس لها معنى ولم أكن ارتجي منها قرضاً. فات الأوان ورفعت الاقلام وجفت الصحف. فليس غريبا أن يعود القوم الى سيرتهم الأولى. يقهقهون ويثرثرون ويتحلقون حول “ست الشاى” وكأن شيئا لم يكن. وأنا بدورى لم أعد اهتم بشأنهم. المهم أنني استجمعت قوتي وحملت جثتي بشق الأنفس الى داخل داري. كانت جثتي أثقل مما توقعت.كأنها كتلة صماء من الحديد الصلب. ثم أتيت ب” طورية” من المخزن وحفرت حفرة في طول قامة الرجل، في فناء الدار. قبالة الديوان. اسجيت الجثة في داخل الحفرة ووضعت بالقرب من رأس الجثة ، هاتفي الجديد. ثم أهلت عليها التراب. كان يتملكني احساس عدمي ثقيل وانا أودع جثتي. انها رحلة عمر طويل. بحلوها ومُرّها. واحيانا يخيل لي ان جسدى كان مثل بيت استأجرته حينا من الدهر ثم اعدت المفاتيح إلى مالكه الأصلي. وقبل ان اغادر الديار. فكرت للحظة في ان اضع شاهداً على قبرى. لكنني لم أجد مبررا لذلك. فهذا البيت بيتى وهذا القبر قبرى. ألا يكفي هذا عنوان لإنسان عاش ههنا لبضع عقود من الزمن ورحل الى ما ليس يدرى !؟.
أخذت هاتفي القديم وخرجت من دارى الى الشارع العام. كان اول شئ فعلته. ان ألقيت ببصرى على مجلس ” ست الشاي”.فإذا به تحول الى مكان قفر. إنفضّ سامر القوم وتفرقت بهم السبل وبقيت المقاعد وأواني الشاي وموقد النار في مكانها. لكن لا أحد. كأن الارض قد إنشقت وإبتلعت القوم. سألت نفسى : يا ترى إلى أين ذهب القوم؟ وهل سيلتئم شملهم مرة أخرى، في المكان عينه؟ جلاليب بيضاء وزرقاء وخضراء. يثرثرون ويقهقهون ويعلقون آمالا وأحلاما عراضاً على حبال الأوهام والاساطير القديمة؟ أم ان تلك الصفحة قد إنطوت من الوجود والى الأبد؟ ومن يدرى! ربما يأتي الى ظلال شجرة النيم الضخمة، قوم آخرون بدلا منهم. وكم من شعوب على وجه الارض خرجت من رحم الانهار والغابات. وضربت في الارض شرقا وغرباً. وبعد أزمان طويلة عثر علماء الأركيولوجيا على آثارها في الصحارى والاراضي البلقع وبين شعاب الوديان البعيدة. وسالت نفسي: من نحن؟ ومن أين جاء اسلافنا إلى هنا؟ وهل كان أبونا آدم أول انسان يمشي على تراب “وادي حوض النيل”؟ و ” انسان سنجة” ما هي قصته؟ هل خرج من صلب سلالة أبونا آدم؟ أم أن بذرته خرجت من الارض، مثل أشجار الهجليج والعرديب والطلح في تلك النواحي. من الضفة الغربية للنيل الأزرق ؟ ولمعت في ذهني فكرة غريبة. لا بد ان ناقة صالح هي التى أكلت التفاحة من الشجرة المحرمة وإن أبونا آدم قد سقط سهوا من الجنة على كوكب الأرض. و يقول قائل ان العالم ليس مكانا موبوءا بالشر المطلق. حسنا. اذن ما بالنا نحن منذ بدأ الخليقة نقتل بعضنا بعضا. بالرمح والمنجنيق والرصاص. وننصب الافخاخ للعصافير والغزلان والفراشات الوليدة؟. والحب أيضا. وليس الكراهية وحدها. يقتل العاشقين في محراب العشق. اليس كذلك؟
لكن لم يحن الوقت لأقول لكم يا سادتي عن كل شئ. ها هي أطلال المنازل من أمامي والجثث المتناثرة على الطرقات ترمقني بنظرات عتاب حارق. كأشعة الشمس التى نسجت بخيوطها سقف الجحيم من فوقنا. ومضيت في مسيري لا ألوي على شي. قوافلي تخب السير على أنقاض المدينة. وروحي تحلق بأجنحة من الغمام. وجثتي التى ترقد في باحة الدار تخبرني من آن لآخر بواسطة التلفون ان لصوصا دخلوا إلى الدار وأخذوا ما استطاعوا أخذه من الأجهزة الكهربائية وبعض المقتنيات الثمينه وثمة شئ تركوه عند مدخل البيت. لا تعرف كنهه. سألتها ان كان ذلك الشئ هو الصندوق الخشبي القديم الذى ورثته من جدى!. لم ترد على سؤالي. فثمة أصوات تصلني عبر الهتاف. لا بد أن شيئا ما يحدث في المكان. لكنني علمت فيما بعد. في اتصال آخر. أن جثامين أخرى لقتلى مجهولي الهوية، دُفنت في باحة الدار. الآن تحول منزلي الى مقبرة صغيرة تزدحم بالجثامين. ضاعت بينها جثتي. يا لسخرية القدر. حتى جثتي أصبحت جثة مجهولة وفي عقر داري.
كان تصاعد أعمدة الدخان من كل مكان, واصوات الانفجارات تُسمع في كل الاتجاهات. أسمع أحيانا استغاثة إمرأة في ركن قصي. ولا مغيث. وبكاء طفل يضيع في هوجة الطوفان. ثم دخلت الى كشك الحاجة سعدية بائعة الكوارع في زاوية على الشارع. كان الكشك محطما في جزئه الامامي. وفي الداخل لا يوجد شئ يذكر. هناك صورة معلقة على الحائط ومغطاة بغبار كثيف. ثم أخذت انفض عن الصورة الغبار بخرقة قماش متسخة. إلتقطها من الارض. شيئا فشيئا بدأت ملامح الصورة تظهر أمامي وخرجت الابتسامة من وسط الاطار. حلوة وعذبة كالماء الزلال.. إنها صورة ابنها الوحيد الذى استشهد في هبة سبتمبر 2013. إنني أذكر تلك الليلة. كأنها البارحة. ولا أنسى اننا شيعنا جثمانه في موكب مهيب. وواريناه الثرى في مقابر حمدالنيل. يا للتعاسة. لم يبقى من قصة الحاجة سعدية سوى هذا الحطام من الكشك المهلهل وصورة فوتغرافية لإبنها وذكريات من حياته القصيرة. أقول ذلك وفي ظني أن الحاجة سعدية لا تزال على قيد الحياة ولم يمسسها مكروه.
ومرّ من طرف الشارع شيخ طاعن في السن. ابتسم ابتسامة كشفت عن اسنان بيضاء. خرجت ابتسامة الشيخ من تحت شاربه الطويل ومن فوق دقنه الكثيف في مشهد يشبه خروج البيضة من دبر الدجاجة. قلت لنفسي : لا بد انه رجل حكيم ويعرف سر ” الرصاصة الأولى.
سأل الرجل سؤلاً وكأنه يحدث نفسه:
لماذا قتل قابيل أخاه هابيل؟
لا أدرى . ربما اختلفا على تقاسم السلطة والثروة. قيل في الأثر أن الحروب الأهلية تعيد ذاكرة الأسلاف الى السطح .كارواح شريرة. ولكن. هل كان أول مجرم في الكون _ قابيل يعرف أن روح أخيه القتيل ستصعد الى البقعة الأولى التى أتى منها أبونا آدم. هل كان سيقتله؟ وهل المغدور _ هابيل. إذا ما صعد إلى السماء سيأكل من نفس الشجرة المحرمة التى أكل منها أبونا آدم ومن ثم يعود الى الأرض لينتقم لمقتله؟
لآ أعتقد أن هابيل سيفعل شيئا من هذا القبيل ولن يجد الرغبة في نفسه في تكرار تجربة الحياة على الأرض لمرة اخرى. مهما كانت الدوافع والمحفزات.
إن الحياة على الأرض. كلعبة الروليت. لا تغري بمقارعتها للمرة الثانية.
وارتفع صوت المغني:
يا ليت طعم الحب
يطبع في المباني
وليت لي سر المعاني.
مضى الرجل المسن في طريقه دون ان يلتفت الى كلماتي. ومضيت أنا بدوري في حالي . أذرع الطرقات بين نباح الكلاب الضالة ومواء القطط اللقيطة والسيارات المحروقة والجثث المتناثرة هنا وهناك.
في الحلقة القادمة : مصير ست الشاي واشياء اخرى.
الرسمة لاستاذنا الراحل حسين جمعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..