وماذا بعد عصر انحطاطنا؟

أحمد الفكي
إننا نعيش عصر انحطاطنا في كل أوجه حياتنا. لقد بدأ هذا الانحطاط وتبلور منذ عقود. وكما يبدو إفلاس التاجر وكأنه حدث فجأة — وهو في الحقيقة نتيجة مسار طويل — تُصيبنا الدهشة اليوم من مستوى القادة العسكريين، وقادة الحركات المسلحة، والأحزاب، ومن الذين يتصدّرون الفضائيات بصفة “خبراء استراتيجيين”. حتى قادة الفترة الانتقالية التي سبقت هذه الحرب لم يتعلموا شيئًا، ولم ينسوا شيئًا.
التركيز على هذه اللوحة القبيحة يُصيبنا بالإحباط واليأس، إن لم نتحرك من خانة انتظار المعجزات إلى خانة الفعل. لقد خبرنا تمامًا انتظار المنقذ من الخارج: من أولئك الذين خدموا في أروقة الأمم المتحدة، أو تخرّجوا في أفخم الجامعات، أو يتقدَّم أسماؤهم حرف الدال، فصاروا أبواقًا لهذه الحرب اللعينة.
وهذا لا يعني أنه لا يوجد من عمل في الأمم المتحدة أو من هو متخصص في مجاله ويعرف تركيب السياسة ويُدرك كيف يمكن إدارتها في بلدٍ كالسودان، لكن لا بد من البحث عنه ومعرفته وإقناعه بالعمل ضمن فريقٍ واحد، في مناخٍ سياسيٍّ مسمومٍ وغارقٍ في السوء، بعدما ترك الأخيار من بنات وأبناء شعبنا أمر السياسة للأشرار وتجنبوها.
يجب أن نعمل سويًا، ومن الآن — إن لم يكن من الأمس — للاستعداد لقيادة الفترة الانتقالية، وألّا نترك أمرها لمن لا نعلم، أو لمن لا يعلم أنه لا يعلم.
لن نصمد، ولن نعبر، ولن ننتصر بفعل سحرٍ خارقٍ فوق عقولنا وقلوبنا، تمامًا كما لن يكون هناك أمل في تسمية “حكومة حرب” كديكورٍ لاستمرار الحرب بـ“حكومة الأمل”.
هناك نسقٌ يتكرر دائمًا، وهو أن الطريقة التي نتعامل بها مع فترات الانتقال خاطئة تمامًا، وأنها قد أصابت — وتُصيب — كل الفترات الانتقالية في مقتل.
إننا نتعامل معها كما نتعامل مع العيد في بلادنا: نعلم يومه ونعلم أنه قادم، لكننا لا نفعل شيئًا إلا ليلة الوقفة، وأحيانًا يوم العيد!
إنني لا أقول إن التخطيط المفصَّل للمستقبل هو الضامن للفعل المنتج الذي ينفع البلاد والعباد، أو أن المستقبل سيتكشف لنا تمامًا كما فصلناه في خططنا.
كلا، ولكن أهمية التخطيط تكمن في أنه يولِّد العقل الجاهز (ready mind) القادر على تغيير اتجاهه وخططه متى ما تبيّن تغيّر الواقع وتبدّل سير الأحداث.
وقد عبّر عن ذلك أيزنهاور بقوله: «إن الخطط لا قيمة لها، لكن التخطيط لا غنى عنه»، كما لخصها الملاكم مايك تايسون حين قال: «لكل ملاكم خطة… حتى يتلقى اللكمة الأولى في وجهه».
توجيه اللوم لهذا “الخبير” أو ذاك ضارٌّ، لأنه يمنحنا شعورًا زائفًا بالارتياح، لكنه يوقفنا عن البحث العميق في أسباب الفشل.
وطريقة “باركوها” — أي التغاضي عن تفحّص طرق العمل والأشخاص الذين نقدّمهم للقيادة — طريقةٌ ضارة، إن لم تكن قاتلة.
عدم القدرة على النأي عن الشخصي والتركيز على الموضوعي، وعلى الأفكار وطرق العمل، قاتلٌ ويقودنا إلى الطريق نفسه الذي سرنا فيه منذ خروج الإنجليز من بلادنا.
لقد اقترح شبابنا الذين قادوا ثورة ديسمبر إنشاء لجانٍ استشارية ومجلسٍ تشريعي، واختاروا الشفافية والخروج اليومي إلى الشارع لإيجاد طريقٍ ذي اتجاهين مع من كانوا في قيادة الانتقال — دون جدوى.
لقد تكرّر خروجهم، لكنه لم يتحوّل من فعل الاحتجاج على نظام المؤتمر الوطني إلى الإحراج لحكومة الفترة الانتقالية، وهو أمرٌ مؤسف.



